601 · ص618
المبحث الثاني: أفعال العباد
قال ابن عجيبة: "قد جعل الله بحكمته الباهرة في العبد كسبًا فيما يظهر له، يقصد به الخير والشر، وفي الحقيقة: هو مجرور بسلسلة، لكن الشريعة تنسب الفعل إليه، بسبب ذلك الكسب، فتقوم الحُجَّة عليه" ١.
ويقول في تفسيره لقول الله تعالى: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} ٢: "كما استخرج الحق -جلَّ جلالُه- من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشَّاربين استخرج مذهب أهل السُّنَّة القائلين بالكسب من بين مذهب الجبرية ومذهب المعتزلة، بين قومٍ أفرطوا وقومٍ فرَّطوا" ٣.
وقال في موضعٍ آخر: "قد تقرَّر عند أهل الحقِّ أنَّ العبدَ مجبورٌ في قالب مختار، فليس له فعل، ولا اختيار، وإنما الفعل هو الواحد القهَّار" ٤.
ويقول أيضًا: "فالتحقيق أنَّ العبد مجبور، لكن في قالب الاختيار، فمن نظر للجبر الباطني سمَّاه حقيقة، ومن نظر لقالب الاختيار سمَّاه شريعة" ٥.
أولًا: مفهوم الكسب عند الأشاعرة، ومقصود ابن عجيبة من قوله: (لا فاعل إلا الله)
عرَّف الأشاعرة الكسب بتعريفاتٍ متنوِّعة, منها:
١ سلك الدرر في القضاء والقدر، ص ٥٤.
٢ سورة النحل: ٦٦.
٣ البحر المديد ٣/ ١٤١.
٤ إيقاظ الهمم، ص ٢٣٧.
٥ الفتوحات الإلهية، ص ٣٣٧.