الوصايا
الموصى بهالموصى لهالموصى إليهالوصية بالأنصباء والأجزاءالأوصياءالوصية بثلث المالالوصية للأقارب وغيرهمما يجوز للوصي أن يصنعه في أموال اليتامىما يكون رجوعا في الوصيةالوصي وما يملكهالوصية بالخدمة والسكنى والثمرةوصية الذميالوصية في الحجالوصية للوارثاختلاف الورثة في الوصيةاستحداث الوصاياإقرار المريض وأفعالهإقرار الوارثإقرار الوارث بالعتقتبرع المريضتفريغ الوصايا للوارثتقويم الناس في الديوان على منازلهمالتكملاتالخلاف في الوصاياالدعوى من بعض الورثة للوارثالرجوع في الوصيةالشهادة في الوصية وغيرهاالعتق في مرض الموتالعتق في المرض والوصية بالعتقعتق النسمة عن الميتالعتق والوصية في المرضعطايا المريضعطية الحامل وغيرها ممن يخافعطية الرجل في الحرب والبحرعمل الوصاياالعين بالدينما نسخ من الوصاياما يجوز من إجازة الورثة للوصية وما لا يجوزما يجوز من إجازة الوصية للوارث وغيره وما لا يجوزما يجوز من الوصية في حال ولا يجوز في أخرىما يكون رجوعا في الوصية وتغييرا لها وما لا يكون رجوعا ولا تغييراالمرض الذي تجوز فيه العطيةالمرض الذي تجوز فيه العطية ولا تجوز والمخوف غير المرضالمرض الذي تكون عطية المريض فيه جائزة أو غير جائزةنكاح المريضالوصيالوصي والوصيةالوصية إذا لم يقبلها الموصى لهالوصية بالثلثالوصية بالثلث وأقل من الثلث وترك الوصيةالوصية بالجزء والسهمالوصية بالسكنى والخدمة والثمرةالوصية بالعتق على مال أو خدمةالوصية بالغلة والخدمةالوصية بالكمالالوصية بجزء من مالهالوصية بسدس دارهالوصية بشاة من مالهالوصية بشيء بصفتهالوصية بشيء مسمى بغير عينهالوصية بشيء مسمى فيهلك بعينهالوصية بشيء مسمى لا يملكهالوصية بعد الوصيةالوصية بغلة الأرض والبستانالوصية بما في البطنالوصية بمثل نصيب أحد ولده أو أحد ورثتهالوصية بمثل نصيب أحدهموصية الحاملوصية الصبي والوارثالوصية على الشرطالوصية في الدار والشيء بعينهالوصية في الرقابالوصية في سبيل اللهالوصية في العتقالوصية في الغارمينالوصية في المساكين والفقراءالوصية للرجل وقبوله وردهالوصية للزوجةالوصية للقرابة من ذوي الأرحامالوصية للوارث والأجنبي والقاتلالوصية لما في البطن والوصية بما في البطنالوصية المطلقة والوصية على الشيءالوصية وترك الوصيةالولاء والحلف
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
( كِتَابُ الْوَصَايَا )
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ رُكْنِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ رُكْنِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ .
( أَمَّا ) الْأَوَّلُ فَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ مُزِيلٌ لَلْمِلْكِ فَتَقَعُ الْإِضَافَةُ إلَى زَمَانِ زَوَالِ الْمِلْكِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ تَمْلِيكًا فَلَا يَصِحُّ ، إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا جَوَازَهَا بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الْكَرِيمَةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } إلَى قَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَ { يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَ { يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَ { تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } شُرِعَ الْمِيرَاثُ مُرَتَّبًا عَلَى الْوَصِيَّةِ فَدَلَّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } ، نَدَبَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلَى الْإِشْهَادِ عَلَى حَالِ الْوَصِيَّةِ فَدَلَّ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ .
( وَأَمَّا ) السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ { أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ مَرِيضًا فَعَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَبِنِصْفِ مَالِي ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَبِثُلُثِ مَالِي ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .
وَرُوِيَ : فُقَرَاءُ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فَقَدْ جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً عَلَى أَعْمَالِكُمْ فَضَعُوهُ حَيْثُ شِئْتُمْ } .
أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَنَا أَخَصَّ بِثُلُثِ أَمْوَالِنَا فِي آخِرِ أَعْمَارِنَا لِنَكْسِبَ بِهِ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِنَا .
وَالْوَصِيَّةُ تَصَرُّفٌ فِي ثُلُثِ الْمَالِ فِي آخِرِ الْعُمْرِ زِيَادَةٌ فِي الْعَمَلِ فَكَانَتْ مَشْرُوعَةً .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ : فَإِنَّ الْأُمَّةَ مِنْ لَدُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُوصُونَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، وَالسُّنَّةِ الْكَرِيمَةِ وَالْإِجْمَاعِ مَعَ مَا أَنَّ ضَرْبًا مِنْ الْقِيَاسِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ خَتَمَ عَمَلَهُ بِالْقُرْبَةِ زِيَادَةً عَلَى الْقُرَبِ السَّابِقَةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ أَوْ تَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ فِي حَيَاتِهِ وَذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ مَا شُرِعَتْ إلَّا لِحَوَائِجِ الْعِبَادِ ، فَإِذَا مَسَّتْ حَاجَتُهُمْ إلَى الْوَصِيَّةِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهَا ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ بِمَوْتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَلَا يَرَى : أَنَّهُ بَقِيَ فِي قَدْرِ جِهَازِهِ مِنْ الْكَفَنِ ، وَالدَّفْنِ وَبَقِيَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ مُطَالَبٌ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لِحَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ هَهُنَا ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ : الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ لَمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ } .
وَفِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي الْوُجُوبَ ; لِأَنَّ فِيهِ تَحْرِيمَ تَرْكِ الْإِيصَاءِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِيصَاءِ ، وَالْوَاجِبُ لَا يَقِفُ وُجُوبُهُ عَلَى إرَادَةِ مَنْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ ، أَوْ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَرَائِضِ ، وَالْوَاجِبَاتِ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ ، وَالْكَفَّارَاتِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِهَا وَاجِبَةٌ - عِنْدَنَا - عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الثُّبُوتِ فَلَا يُقْبَلُ ، وَقِيلَ إنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الِابْتِدَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } ، ثُمَّ نُسِخَتْ وَاخْتُلِفَ فِي النَّاسِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ : نَسَخَهَا الْحَدِيثُ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 331 عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ }
وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ : تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ ; لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا ، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } وَقَوْلُهُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَيْ : كُلَّ حَقِّهِ فَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى أَنَّ الْمِيرَاثَ الَّذِي أُعْطِيَ لِلْوَارِثِ كُلُّ حَقِّهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْوَصِيَّةِ ، وَتَحَوُّلِ حَقِّهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ إلَى الْمِيرَاثِ وَإِذَا تَحَوَّلَ فَلَا يَبْقَى لَهُ حَقٌّ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ كَالْقِبْلَةِ لَمَّا تَحَوَّلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ لَمْ يَبْقَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةً .
وَكَالدَّيْنِ إذَا تَحَوَّلَ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ لَا يَبْقَى فِي الذِّمَّةِ الْأُولَى .
وَكَمَا فِي الْحَوَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْوَصِيَّةُ بَقِيَتْ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالْآيَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمَخْرَجِ لَكِنْ خُصَّ مِنْهَا الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ الْوَارِثُونَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } فَكَانَ الْحَدِيثُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْكِتَابِ لَا نَاسِخًا وَالْحَمْلُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى النَّسْخِ إلَّا أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالُوا : إنَّ الْوَصِيَّةَ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَتْ فَرِيضَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ ، أَوْ زَكَاةٌ ، أَوْ كَفَّارَةٌ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَالْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ وَاجِبَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ جَائِزَةٌ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ( وَأَمَّا ) الْكَلَامُ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَقَدْ قَالُوا : إنْ كَانَ مَالُهُ قَلِيلًا ، وَلَهُ وَرَثَةٌ فُقَرَاءُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُوصِيَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ { : إنَّكَ إنْ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ صِلَةً بِالْأَجَانِبِ ، وَالتَّرْكَ يَكُونُ صِلَةً بِالْأَقَارِبِ ، فَكَانَ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا ، فَإِنْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ فُقَرَاءَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُوصِيَ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ وَيَتْرُكَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ ; لِأَنَّ غُنْيَةً الْوَرَثَةِ تَحْصُلُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا وَلَا تَحْصُلُ عِنْدَ قِلَّتِهِ .
وَالْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالرُّبْعِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ ، وَلَأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ ، وَمَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَيْ : لَمْ يَتْرُكْ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا لِوَرَثَتِهِ ; لِأَنَّ الثُّلُثَ حَقُّهُ ، فَإِذَا أَوْصَى بِالثُّلُثِ ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا لَهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْخُمُسُ اقْتِصَادٌ ، وَالرُّبُعُ جَهْدٌ ، وَالثُّلُثُ حَيْفٌ ، وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ ، فَالْأَفْضَلُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ ، ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِلْأَجَانِبِ ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْقَرِيبِ الْمُعَادِي أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِلْقَرِيبِ الْمُوَالِي ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُعَادِي تَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدَ عَنْ الرِّيَاءِ ، وَنَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَى عَبْدًا ، فَأَعْتَقَهُ ، فَإِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَكَ ، وَإِنْ كَفَرَكَ ، فَهُوَ شَرٌّ لَهُ وَخَيْرٌ لَكَ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمُعَادِي سَبَبٌ لِزَوَالِ الْعَدَاوَةِ ، وَصِيَانَةٌ لِلْقَرَابَةِ عَنْ الْقَطِيعَةِ فَكَانَتْ أَوْلَى هَذَا إذَا اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الْفَضْلِ ، وَالدِّينِ وَالْحَاجَةِ ، وَأَحَدُهُمَا مُعَادِي ( فَأَمَّا ) إذَا كَانَ الْمُوَالِي مِنْهُمَا أَعَفَّهُمَا ، وَأَصْلَحَهُمَا وَأَحْوَجَهُمَا ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ تَقَعُ إعَانَةً عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ جَوَازِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ رُكْنِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ رُكْنِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ عَقْدِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الْوَصِيَّةِ ، وَفِي بَيَانِ مَا تَبْطُلُ بِهِ الْوَصِيَّةُ .
( أَمَّا ) الْأَوَّلُ فَالْقِيَاسُ يَأْبَى جَوَازَ الْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مُضَافٌ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمَوْتُ مُزِيلٌ لَلْمِلْكِ فَتَقَعُ الْإِضَافَةُ إلَى زَمَانِ زَوَالِ الْمِلْكِ فَلَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ تَمْلِيكًا فَلَا يَصِحُّ ، إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا جَوَازَهَا بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الْكَرِيمَةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَمَّا الْكِتَابُ الْعَزِيزُ فَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي آيَةِ الْمَوَارِيثِ : { يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ } إلَى قَوْلِهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَ { يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَ { يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَ { تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ } شُرِعَ الْمِيرَاثُ مُرَتَّبًا عَلَى الْوَصِيَّةِ فَدَلَّ أَنَّ الْوَصِيَّةَ جَائِزَةٌ ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } ، نَدَبَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إلَى الْإِشْهَادِ عَلَى حَالِ الْوَصِيَّةِ فَدَلَّ أَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ .
( وَأَمَّا ) السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ { أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ كَانَ مَرِيضًا فَعَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : أُوصِي بِجَمِيعِ مَالِي ؟ فَقَالَ : لَا ، فَقَالَ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : فَبِنِصْفِ مَالِي ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَبِثُلُثِ مَالِي ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } .
وَرُوِيَ : فُقَرَاءُ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فَقَدْ جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَصِيَّةَ بِالثُّلُثِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ فِي آخِرِ أَعْمَارِكُمْ زِيَادَةً عَلَى أَعْمَالِكُمْ فَضَعُوهُ حَيْثُ شِئْتُمْ } .
أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَنَا أَخَصَّ بِثُلُثِ أَمْوَالِنَا فِي آخِرِ أَعْمَارِنَا لِنَكْسِبَ بِهِ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِنَا .
وَالْوَصِيَّةُ تَصَرُّفٌ فِي ثُلُثِ الْمَالِ فِي آخِرِ الْعُمْرِ زِيَادَةٌ فِي الْعَمَلِ فَكَانَتْ مَشْرُوعَةً .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ : فَإِنَّ الْأُمَّةَ مِنْ لَدُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا يُوصُونَ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ أَحَدٍ ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ ، وَالسُّنَّةِ الْكَرِيمَةِ وَالْإِجْمَاعِ مَعَ مَا أَنَّ ضَرْبًا مِنْ الْقِيَاسِ يَقْتَضِي الْجَوَازَ وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ خَتَمَ عَمَلَهُ بِالْقُرْبَةِ زِيَادَةً عَلَى الْقُرَبِ السَّابِقَةِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ أَوْ تَدَارُكًا لِمَا فَرَّطَ فِي حَيَاتِهِ وَذَلِكَ بِالْوَصِيَّةِ ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ مَا شُرِعَتْ إلَّا لِحَوَائِجِ الْعِبَادِ ، فَإِذَا مَسَّتْ حَاجَتُهُمْ إلَى الْوَصِيَّةِ وَجَبَ الْقَوْلُ بِجَوَازِهَا ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ مِلْكَ الْإِنْسَانِ لَا يَزُولُ بِمَوْتِهِ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَلَا يَرَى : أَنَّهُ بَقِيَ فِي قَدْرِ جِهَازِهِ مِنْ الْكَفَنِ ، وَالدَّفْنِ وَبَقِيَ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ مُطَالَبٌ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ لِحَاجَةٍ إلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ هَهُنَا ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَقُولُ : الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةٌ لَمَا رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ لَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ } .
وَفِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي الْوُجُوبَ ; لِأَنَّ فِيهِ تَحْرِيمَ تَرْكِ الْإِيصَاءِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِيصَاءِ ، وَالْوَاجِبُ لَا يَقِفُ وُجُوبُهُ عَلَى إرَادَةِ مَنْ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ ، أَوْ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْفَرَائِضِ ، وَالْوَاجِبَاتِ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ ، وَالْكَفَّارَاتِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِهَا وَاجِبَةٌ - عِنْدَنَا - عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَرَدَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الثُّبُوتِ فَلَا يُقْبَلُ ، وَقِيلَ إنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً فِي الِابْتِدَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } ، ثُمَّ نُسِخَتْ وَاخْتُلِفَ فِي النَّاسِخِ قَالَ بَعْضُهُمْ : نَسَخَهَا الْحَدِيثُ وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ 331 عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ }
وَالْكِتَابُ الْعَزِيزُ قَدْ يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يُنْسَخُ الْكِتَابَ عِنْدَكُمْ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَهَذَا مِنْ الْآحَادِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَوَاتِرٌ غَيْرَ أَنَّ التَّوَاتُرَ ضَرْبَانِ : تَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَرْوِيَهُ جَمَاعَةٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ ، وَتَوَاتُرٌ مِنْ حَيْثُ ظُهُورِ الْعَمَلِ بِهِ قَرْنًا فَقَرْنًا مِنْ غَيْرِ ظُهُورِ الْمَنْعِ وَالنَّكِيرُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَلِ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ مَا رَوَوْهُ عَلَى التَّوَاتُرِ ; لِأَنَّ ظُهُورَ الْعَمَلِ بِهِ أَغْنَاهُمْ عَنْ رِوَايَتِهِ ، وَقَدْ ظَهَرَ الْعَمَلُ بِهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْقَوْلِ أَيْضًا مِنْ الْأَئِمَّةِ بِالْفَتْوَى بِهِ بِلَا تَنَازُعٍ مِنْهُمْ ، وَمِثْلُهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ قَطْعًا ، فَيَجُوزُ نَسْخُ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ بِهِ كَمَا يَجُوزُ بِالْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ ، وَهُوَ أَنَّ جَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي الرِّوَايَةِ يُكَفَّرُ وَجَاحِدَ الْمُتَوَاتِرِ فِي ظُهُورِ الْعَمَلِ لَا يُكَفَّرُ لِمَعْنَى عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } وَقَوْلُهُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ أَيْ : كُلَّ حَقِّهِ فَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى أَنَّ الْمِيرَاثَ الَّذِي أُعْطِيَ لِلْوَارِثِ كُلُّ حَقِّهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْوَصِيَّةِ ، وَتَحَوُّلِ حَقِّهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ إلَى الْمِيرَاثِ وَإِذَا تَحَوَّلَ فَلَا يَبْقَى لَهُ حَقٌّ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ كَالْقِبْلَةِ لَمَّا تَحَوَّلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى الْكَعْبَةِ لَمْ يَبْقَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ قِبْلَةً .
وَكَالدَّيْنِ إذَا تَحَوَّلَ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ لَا يَبْقَى فِي الذِّمَّةِ الْأُولَى .
وَكَمَا فِي الْحَوَالَةِ الْحَقِيقِيَّةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْوَصِيَّةُ بَقِيَتْ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ غَيْرِ الْوَارِثِينَ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ وَالْآيَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فِي الْمَخْرَجِ لَكِنْ خُصَّ مِنْهَا الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ الْوَارِثُونَ بِالْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } فَكَانَ الْحَدِيثُ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ الْكِتَابِ لَا نَاسِخًا وَالْحَمْلُ عَلَى التَّخْصِيصِ أَوْلَى مِنْ الْحَمْلِ عَلَى النَّسْخِ إلَّا أَنَّ عَامَّةَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَالُوا : إنَّ الْوَصِيَّةَ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَتْ فَرِيضَةً لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِحَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنْ كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ ، أَوْ زَكَاةٌ ، أَوْ كَفَّارَةٌ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَالْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ وَاجِبَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بَلْ جَائِزَةٌ وَبِهِ أَخَذَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ( وَأَمَّا ) الْكَلَامُ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَقَدْ قَالُوا : إنْ كَانَ مَالُهُ قَلِيلًا ، وَلَهُ وَرَثَةٌ فُقَرَاءُ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُوصِيَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ { : إنَّكَ إنْ تَرَكْتَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكُونُ صِلَةً بِالْأَجَانِبِ ، وَالتَّرْكَ يَكُونُ صِلَةً بِالْأَقَارِبِ ، فَكَانَ أَوْلَى ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ كَثِيرًا ، فَإِنْ كَانَتْ وَرَثَتُهُ فُقَرَاءَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُوصِيَ بِمَا دُونَ الثُّلُثِ وَيَتْرُكَ الْمَالَ لِوَرَثَتِهِ ; لِأَنَّ غُنْيَةً الْوَرَثَةِ تَحْصُلُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إذَا كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا وَلَا تَحْصُلُ عِنْدَ قِلَّتِهِ .
وَالْوَصِيَّةُ بِالْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالرُّبْعِ ، وَالْوَصِيَّةُ بِالرُّبُعِ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمُسِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ ، وَلَأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ ، وَمَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أَيْ : لَمْ يَتْرُكْ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا لِوَرَثَتِهِ ; لِأَنَّ الثُّلُثَ حَقُّهُ ، فَإِذَا أَوْصَى بِالثُّلُثِ ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا لَهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ، وَسَيِّدِنَا عُمَرَ ، وَسَيِّدِنَا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْخُمُسُ اقْتِصَادٌ ، وَالرُّبُعُ جَهْدٌ ، وَالثُّلُثُ حَيْفٌ ، وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ ، فَالْأَفْضَلُ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ ، ثُمَّ الْوَصِيَّةُ بِالثُّلُثِ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ بِهِ لِلْأَجَانِبِ ، وَالْوَصِيَّةُ لِلْقَرِيبِ الْمُعَادِي أَفْضَلُ مِنْ الْوَصِيَّةِ لِلْقَرِيبِ الْمُوَالِي ; لِأَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُعَادِي تَكُونُ أَقْرَبَ إلَى الْإِخْلَاصِ وَأَبْعَدَ عَنْ الرِّيَاءِ ، وَنَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِذَلِكَ الَّذِي اشْتَرَى عَبْدًا ، فَأَعْتَقَهُ ، فَإِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَكَ ، وَإِنْ كَفَرَكَ ، فَهُوَ شَرٌّ لَهُ وَخَيْرٌ لَكَ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْمُعَادِي سَبَبٌ لِزَوَالِ الْعَدَاوَةِ ، وَصِيَانَةٌ لِلْقَرَابَةِ عَنْ الْقَطِيعَةِ فَكَانَتْ أَوْلَى هَذَا إذَا اسْتَوَى الْفَرِيقَانِ فِي الْفَضْلِ ، وَالدِّينِ وَالْحَاجَةِ ، وَأَحَدُهُمَا مُعَادِي ( فَأَمَّا ) إذَا كَانَ الْمُوَالِي مِنْهُمَا أَعَفَّهُمَا ، وَأَصْلَحَهُمَا وَأَحْوَجَهُمَا ، فَالْوَصِيَّةُ لَهُ أَفْضَلُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ تَقَعُ إعَانَةً عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
المبسوط
اقرأ →
بَابُ الْوَصِيَّةِ فِي الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ
( قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَيْنًا وَمِائَةُ دِرْهَمٍ دَيْنًا عَلَى أَحَدِ ابْنَيْهِ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثٍ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَ ابْنَيْهِ وَلَا مَالًا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ الْمَالِ نِصْفُ الْمِائَةِ الْعَيْنُ وَفِي تَخْرِيجِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ شَرِيكُ 145 الْوَارِثِ وَحَقُّهُ فِي سَهْمٍ وَحَقُّ الِابْنَيْنِ فِي سَهْمَيْنِ إلَّا أَنَّ الْمَدْيُونَ مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ مِمَّا عَلَيْهِ فَيُطْرَحُ سَهْمٌ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ حَقِّهِ وَالزِّيَادَةَ وَيَبْقَى فِي الْعَيْنِ حَقُّ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَحَقُّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ وَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي سَهْمٍ فَلِهَذَا تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّ الدَّيْنَ فِي حُكْمِ التَّاوِي فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ وَلَكِنْ تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أَثْلَاثًا إلَّا أَنَّ نَصِيبَ الِابْنِ الْمَدْيُونِ لَا يُسَلَّمُ لَهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ لِلْآخَرَيْنِ هَذَا الْقَدْرَ وَزِيَادَةً وَيَسْتَوْفِيَانِ هَذَا الْقَدْرَ قَضَاءً مِمَّا لَهُمَا عَلَيْهِ فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ أَخَذَهُ وَحَقُّهُمَا سَوَاءٌ قَبْلَهُ فَيَقْتَسِمَانِ هَذَا الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَعَلَى الطَّرِيقَيْنِ يُسَلِّمُ لِلْآخَرَيْنِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ خُمُسَهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّ السَّالِمَ لِلْمَدْيُونِ مِمَّا عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ تَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِذَا ضَمَمْته إلَى الْعَيْنِ صَارَ الْمَالُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي مِثْلِهَا خَمْسَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ طُرُقِ الْحِسَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا وَلَا نَشْتَغِلُ بِإِعَادَةِ تِلْكَ الطَّرِيقِ هَاهُنَا فَإِنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْوَرَعِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَسْتَحْسِنُ الِاشْتِغَالَ بِتِلْكَ الطَّرِيقِ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى بَعْضِ ذَلِكَ فِي حِسَابِ الْوَصَايَا .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِرُبْعِ مَالِهِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ الْمِائَةُ الْعَيْنُ أَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّك تَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ نِصْفَيْنِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمَانِ وَلِكُلِّ ابْنٍ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ يُطْرَحُ نَصِيبُ الِابْنِ الْمَدْيُونِ ، وَيُضْرَبُ لِلِابْنِ الْآخَرِ فِي الْعَيْنِ بِثَلَاثَةٍ وَالْمُوصَى لَهُ بِسَهْمَيْنِ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ الْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ يُسَلَّمُ لَهُ رُبْعُ الْعَيْنِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ بَيْنَ الِابْنَيْنِ نِصْفَيْنِ نَصِيبُ الِابْنِ الْمَدْيُونِ مِنْ الْعَيْنِ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ وَلَكِنْ لَا يُسَلَّمُ لَهُ بَلْ يَسْتَوْفِيَانِ قَضَاءً مِمَّا لَهُمَا قِبَلَهُ وَحَقُّهُمَا قِبَلَهُ أَخْمَاسًا فَيَسْتَوْفِيَانِ هَذَا الْقَدْرَ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا فَفِي الْحَاصِلِ يُسَلِّمُ لِلْمُوصَى خُمُسَا الْعَيْنِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَلِلِابْنِ سِتُّونَ وَيَتَعَيَّنُ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ الْمَالِ مِائَةً وَسِتِّينَ وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي رُبْعِهَا أَرْبَعِينَ إلَى أَنْ يُنْسَبَ خُرُوجُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ فَيُمْسِكُ الِابْنُ الْمَدْيُونُ بِمِقْدَارِ حِصَّتِهِ وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ فَيُؤَدِّي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَيُقْسَمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَالِابْنِ الْآخَرِ أَخْمَاسًا خُمُسَاهُ لِلْمُوصَى لَهُ وَذَلِكَ عَشَرَةٌ فَإِذَا ضَمَّهُ إلَى أَرْبَعِينَ يُسَلَّمُ لَهُ خَمْسُونَ كَمَالُ الرُّبْعِ وَيُسَلَّمُ لِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِخُمُسِ مَالِهِ فَالْمِائَةُ الْعَيْنُ بَيْنَ الِابْنِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ أَثْلَاثًا لِأَنَّ أَصْلَ الْحِسَابِ مِنْ خَمْسَةٍ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَهُوَ الْخُمُسُ وَلِكُلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ ثُمَّ يَطْرَحُ نَصِيبَ الِابْنِ الْمَدْيُونِ فَيَضْرِبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ فِي الْعَيْنِ بِسِهَامِ حَقِّهِ 146 فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِهَذَا وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ يَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ خُمُسَ الْعَيْنِ وَذَلِكَ عِشْرُونَ وَلِكُلِّ ابْنٍ نِصْفُ مَا بَقِيَ وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ لِلْمَدْيُونِ نَصِيبَهُ وَلَكِنْ الْآخَرَيْنِ يَأْخُذَانِ ذَلِكَ قَضَاءً مِمَّا لَهُمَا قِبَلَهُ وَحَقُّهُمَا قِبَلَهُ أَثْلَاثًا فَيَقْسِمَانِ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ بَيْنَهُمَا لِلْمُوصَى لَهُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٍ إذَا ضَمَّهُ إلَى الْعِشْرِينَ يَكُونُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا وَذَلِكَ ثُلُثُ الْمِائَةِ ، وَلِلِابْنِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ ، وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي خُمُسِ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا فَإِذَا تَيَسَّرَ خُرُوج مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ أَمْسَكَ الْمَدْيُونُ كَمَالَ حَقِّهِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَذَلِكَ ثَمَانُونَ فَأَدَّى عِشْرِينَ فَاقْتَسَمَهُ الْمُوصَى لَهُ وَالِابْنُ الْآخَرُ أَثْلَاثًا لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ فَإِذَا ضَمَّهُ إلَى مَا كَانَ أَخَذَهُ كَانَتْ الْجُمْلَةُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَذَلِكَ خُمُسُ الْمِائَتَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ الْعَيْنِ وَثُلُثِ الدَّيْنِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ فِي التَّخْرِيجِ إلَّا أَنَّ مَا يُسَلَّمُ لِلْمُوصَى لَهُ هَاهُنَا يَكُونُ مُقَدَّمًا فِي التَّنْفِيذِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُوصِي بِالْعَيْنِ ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ هُوَ شَرِيكُ الْوَارِثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ كَانَتْ بِثُلُثِ الْمَالِ مُرْسَلًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِرُبْعِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّخْرِيجِ إلَّا أَنَّ هَاهُنَا الْمُوصَى لَهُ يَأْخُذُ نِصْفَ الْعَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَوْصَى لَهُ بِرُبْعِ الْمَالِ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ الرُّبْعِ وَزِيَادَةٌ ، وَحَقُّ الْمُوصَى لَهُ مُقَدَّمٌ هَاهُنَا فِي التَّنْفِيذِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ فَجَمِيعُ وَصِيَّتِهِ هَاهُنَا تُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِ الْمُتَعَيَّنِ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بِقَدْرِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا رُبْعُ الْمَالَيْنِ ، وَقَدْ تَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ هَذَا الْمِقْدَارُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الِابْنَ الْمَدْيُونَ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِمَّا عَلَيْهِ فَإِذَا أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ الْعَيْنِ وَسَلَّمَ الِابْنَ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ نِصْفَ الْعَيْنِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُتَعَيِّنَ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنَّ حَقَّ الِاثْنَيْنِ فِي التَّرِكَةِ سَوَاءٌ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُتَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ مِقْدَارُ خَمْسِينَ تَبَيَّنَ أَنَّ وَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ مَا جَاوَزَ مِنْ الثُّلُثِ فَلِهَذَا يُعْطِي جَمِيعَ حَقِّهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَهُنَاكَ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِرُبْعِ الْمَالِ فَهُوَ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ يَكُونُ شَرِيكَ الْوَارِثِ بِرُبْعِ الْمَالِ فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ جَمِيعُ وَصِيَّتِهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُتَعَيَّنِ مِنْ الْمَالِ وَاسْتَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقُ بِمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ فَأَوْصَى بِرُبْعِهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الدَّيْنِ عَشَرَةٌ أَوْ عِشْرُونَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ لِلْمُوصَى لَهُ بِرُبْعِ الدَّيْنِ ، وَيَكُونُ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ بِرُبْعِ الْمَالِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِخُمُسِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ الْعَيْنِ ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ مِنْ دَيْنِهِ مِقْدَارُ حَقِّهِ وَالزِّيَادَةُ ، وَحَقُّهُ فِيمَا تَعَيَّنَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ ، وَجَمِيعُ وَصِيَّتِهِ دُونَ ثُلُثَيْ مَا تَعَيَّنَ فَلِهَذَا يَأْخُذُ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ 147 الْمَالِ الْعَيْنِ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، وَبِرُبْعِ مَالِهِ لِآخَرَ فَالْقَوْلُ أَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ جَاوَزَتَا الثُّلُثَ فَيُعْزَلُ لِتَنْفِيذِهِمَا ثُلُثُ الْمُتَعَيَّنِ مِنْ الْمَالِ ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا نِصْفُ الْعَيْنِ ثُمَّ يُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ يَضْرِبُ بِثُلُثِ مَا تَعَيَّنَ ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ . وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ يَضْرِبُ بِمَا تَعَيَّنَ ، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ فَإِذَا جَعَلْت تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ ، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَنِصْفٌ بَيْنَهُمَا يَكُونُ حَقُّ صَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ ، وَحَقُّ صَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةً فَلِهَذَا قُسِمَ نِصْفُ الْعَيْنِ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ إلَّا أَنْ يَتَيَسَّرَ خُرُوجُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ فَحِينَئِذٍ يُمْسِكُ الْمَدْيُونُ كَمَالَ حَقِّهِ ، وَذَلِكَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ ، وَيُؤَدِّي ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا فَيَأْخُذُ الِابْنُ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ نِصْفَهَا ، وَيُقْسَمُ نِصْفُهَا بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمَةِ الْأُولَى .
وَإِنْ قَسَمْته عَلَى طَرِيقِ السِّهَامِ قُلْت قَدْ انْكَسَرَتْ الْمِائَةُ بِالْأَثْلَاثِ وَالْأَرْبَاعِ فَيَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ فَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ يَضْرِبُ بِالثُّلُثِ ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ يَضْرِبُ بِثَلَاثَةِ فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ عَلَى مَا يُسْلَمُ لَهُمَا بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَخُمُسِهِ كَانَ نِصْفُ الْعَيْنِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الثُّلُثِ فِي كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَهْمٌ يَكُونُ حَقُّ صَاحِبِ الثُّلُثِ فِي خَمْسِينَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْخُمُسِ ثَلَاثَةٌ فَلِهَذَا يُقْسَمُ مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ ، وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ يَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ خُمُسٌ فَخُمُسُهُ ثَلَاثَةٌ فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَرُبْعِهِ وَخُمْسِهِ كَانَ نِصْفُ الْعَيْنِ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا عِشْرِينَ مِنْهَا لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ لِصَاحِبِ الرُّبْعِ وَاثْنَا عَشَرَ لِصَاحِبِ الْخُمُسِ لِأَنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ يَضْرِبُ بِخَمْسِينَ ، وَصَاحِبُ الرُّبْعِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْخُمُسِ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا فَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَحَلِّ الْوَصِيَّةِ بِسِهَامِ حَقِّهِ ، وَعَلَى طَرِيقِ السِّهَامِ يَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُث وَرُبْعٌ وَخُمُسٌ ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَضْرِبَ ثَلَاثَةً فِي أَرْبَعَةٍ ثُمَّ فِي خَمْسَةٍ فَتَكُونَ سِتِّينَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ رُبْعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْخُمُسِ خُمُسُهُ اثْنَا عَشَرَ فَإِذَا جَمَعْت بَيْنَ هَذِهِ السِّهَامِ كَانَتْ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا
( قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ ) وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مِائَةُ دِرْهَمٍ عَيْنًا وَمِائَةُ دِرْهَمٍ دَيْنًا عَلَى أَحَدِ ابْنَيْهِ فَأَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثٍ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا غَيْرَ ابْنَيْهِ وَلَا مَالًا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمِائَتَيْنِ وَلِلْمُوصَى لَهُ بِثُلُثِ الْمَالِ نِصْفُ الْمِائَةِ الْعَيْنُ وَفِي تَخْرِيجِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ شَرِيكُ 145 الْوَارِثِ وَحَقُّهُ فِي سَهْمٍ وَحَقُّ الِابْنَيْنِ فِي سَهْمَيْنِ إلَّا أَنَّ الْمَدْيُونَ مُسْتَوْفٍ حَقَّهُ مِمَّا عَلَيْهِ فَيُطْرَحُ سَهْمٌ لِأَنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ حَقِّهِ وَالزِّيَادَةَ وَيَبْقَى فِي الْعَيْنِ حَقُّ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَحَقُّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ وَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي سَهْمٍ فَلِهَذَا تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّ الدَّيْنَ فِي حُكْمِ التَّاوِي فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِسْمَةِ وَلَكِنْ تُقْسَمُ الْعَيْنُ بَيْنَ الِابْنَيْنِ وَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ أَثْلَاثًا إلَّا أَنَّ نَصِيبَ الِابْنِ الْمَدْيُونِ لَا يُسَلَّمُ لَهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ لِلْآخَرَيْنِ هَذَا الْقَدْرَ وَزِيَادَةً وَيَسْتَوْفِيَانِ هَذَا الْقَدْرَ قَضَاءً مِمَّا لَهُمَا عَلَيْهِ فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدْيُونِ أَخَذَهُ وَحَقُّهُمَا سَوَاءٌ قَبْلَهُ فَيَقْتَسِمَانِ هَذَا الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَعَلَى الطَّرِيقَيْنِ يُسَلِّمُ لِلْآخَرَيْنِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ خُمُسَهُ وَتَبَيَّنَ أَنَّ السَّالِمَ لِلْمَدْيُونِ مِمَّا عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ تَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ فَإِذَا ضَمَمْته إلَى الْعَيْنِ صَارَ الْمَالُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي مِثْلِهَا خَمْسَةٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ طُرُقِ الْحِسَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا وَلَا نَشْتَغِلُ بِإِعَادَةِ تِلْكَ الطَّرِيقِ هَاهُنَا فَإِنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْوَرَعِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا يَسْتَحْسِنُ الِاشْتِغَالَ بِتِلْكَ الطَّرِيقِ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى بَعْضِ ذَلِكَ فِي حِسَابِ الْوَصَايَا .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِرُبْعِ مَالِهِ كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ الْمِائَةُ الْعَيْنُ أَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّك تَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ نِصْفَيْنِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمَانِ وَلِكُلِّ ابْنٍ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ يُطْرَحُ نَصِيبُ الِابْنِ الْمَدْيُونِ ، وَيُضْرَبُ لِلِابْنِ الْآخَرِ فِي الْعَيْنِ بِثَلَاثَةٍ وَالْمُوصَى لَهُ بِسَهْمَيْنِ فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى خَمْسَةٍ وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ الْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ يُسَلَّمُ لَهُ رُبْعُ الْعَيْنِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ بَيْنَ الِابْنَيْنِ نِصْفَيْنِ نَصِيبُ الِابْنِ الْمَدْيُونِ مِنْ الْعَيْنِ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ وَلَكِنْ لَا يُسَلَّمُ لَهُ بَلْ يَسْتَوْفِيَانِ قَضَاءً مِمَّا لَهُمَا قِبَلَهُ وَحَقُّهُمَا قِبَلَهُ أَخْمَاسًا فَيَسْتَوْفِيَانِ هَذَا الْقَدْرَ بَيْنَهُمَا أَخْمَاسًا فَفِي الْحَاصِلِ يُسَلِّمُ لِلْمُوصَى خُمُسَا الْعَيْنِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَلِلِابْنِ سِتُّونَ وَيَتَعَيَّنُ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ الْمَالِ مِائَةً وَسِتِّينَ وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي رُبْعِهَا أَرْبَعِينَ إلَى أَنْ يُنْسَبَ خُرُوجُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ فَيُمْسِكُ الِابْنُ الْمَدْيُونُ بِمِقْدَارِ حِصَّتِهِ وَذَلِكَ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ فَيُؤَدِّي خَمْسَةً وَعِشْرِينَ فَيُقْسَمُ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ وَالِابْنِ الْآخَرِ أَخْمَاسًا خُمُسَاهُ لِلْمُوصَى لَهُ وَذَلِكَ عَشَرَةٌ فَإِذَا ضَمَّهُ إلَى أَرْبَعِينَ يُسَلَّمُ لَهُ خَمْسُونَ كَمَالُ الرُّبْعِ وَيُسَلَّمُ لِكُلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِخُمُسِ مَالِهِ فَالْمِائَةُ الْعَيْنُ بَيْنَ الِابْنِ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَالْمُوصَى لَهُ أَثْلَاثًا لِأَنَّ أَصْلَ الْحِسَابِ مِنْ خَمْسَةٍ لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ وَهُوَ الْخُمُسُ وَلِكُلِّ ابْنٍ سَهْمَانِ ثُمَّ يَطْرَحُ نَصِيبَ الِابْنِ الْمَدْيُونِ فَيَضْرِبُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخَرِينَ فِي الْعَيْنِ بِسِهَامِ حَقِّهِ 146 فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِهَذَا وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ يَأْخُذُ الْمُوصَى لَهُ خُمُسَ الْعَيْنِ وَذَلِكَ عِشْرُونَ وَلِكُلِّ ابْنٍ نِصْفُ مَا بَقِيَ وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ إلَّا أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ لِلْمَدْيُونِ نَصِيبَهُ وَلَكِنْ الْآخَرَيْنِ يَأْخُذَانِ ذَلِكَ قَضَاءً مِمَّا لَهُمَا قِبَلَهُ وَحَقُّهُمَا قِبَلَهُ أَثْلَاثًا فَيَقْسِمَانِ هَذِهِ الْأَرْبَعِينَ بَيْنَهُمَا لِلْمُوصَى لَهُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ وَثُلُثٍ إذَا ضَمَّهُ إلَى الْعِشْرِينَ يَكُونُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا وَذَلِكَ ثُلُثُ الْمِائَةِ ، وَلِلِابْنِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ ، وَقَدْ نَفَّذْنَا الْوَصِيَّةَ فِي خُمُسِ ذَلِكَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا فَإِذَا تَيَسَّرَ خُرُوج مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ أَمْسَكَ الْمَدْيُونُ كَمَالَ حَقِّهِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ، وَذَلِكَ ثَمَانُونَ فَأَدَّى عِشْرِينَ فَاقْتَسَمَهُ الْمُوصَى لَهُ وَالِابْنُ الْآخَرُ أَثْلَاثًا لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَثُلُثَانِ فَإِذَا ضَمَّهُ إلَى مَا كَانَ أَخَذَهُ كَانَتْ الْجُمْلَةُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا ، وَذَلِكَ خُمُسُ الْمِائَتَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ الْعَيْنِ وَثُلُثِ الدَّيْنِ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ بِثُلُثِ الْمَالِ فِي التَّخْرِيجِ إلَّا أَنَّ مَا يُسَلَّمُ لِلْمُوصَى لَهُ هَاهُنَا يَكُونُ مُقَدَّمًا فِي التَّنْفِيذِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُوصِي بِالْعَيْنِ ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ هُوَ شَرِيكُ الْوَارِثِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَهُ كَانَتْ بِثُلُثِ الْمَالِ مُرْسَلًا ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْفَرْقَ .
وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِرُبْعِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي التَّخْرِيجِ إلَّا أَنَّ هَاهُنَا الْمُوصَى لَهُ يَأْخُذُ نِصْفَ الْعَيْنِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَوْصَى لَهُ بِرُبْعِ الْمَالِ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ قَدْرُ الرُّبْعِ وَزِيَادَةٌ ، وَحَقُّ الْمُوصَى لَهُ مُقَدَّمٌ هَاهُنَا فِي التَّنْفِيذِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ فَجَمِيعُ وَصِيَّتِهِ هَاهُنَا تُخْرَجُ مِنْ ثُلُثِ الْمُتَعَيَّنِ مِنْ الْمَالِ لِأَنَّ وَصِيَّتَهُ بِقَدْرِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا رُبْعُ الْمَالَيْنِ ، وَقَدْ تَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ هَذَا الْمِقْدَارُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الِابْنَ الْمَدْيُونَ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِمَّا عَلَيْهِ فَإِذَا أَخَذَ الْمُوصَى لَهُ نِصْفَ الْعَيْنِ وَسَلَّمَ الِابْنَ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ نِصْفَ الْعَيْنِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُتَعَيِّنَ مِنْ الدَّيْنِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنَّ حَقَّ الِاثْنَيْنِ فِي التَّرِكَةِ سَوَاءٌ فَإِنْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُتَعَيَّنَ مِنْ الدَّيْنِ مِقْدَارُ خَمْسِينَ تَبَيَّنَ أَنَّ وَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ مَا جَاوَزَ مِنْ الثُّلُثِ فَلِهَذَا يُعْطِي جَمِيعَ حَقِّهِ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَهُنَاكَ إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِرُبْعِ الْمَالِ فَهُوَ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ يَكُونُ شَرِيكَ الْوَارِثِ بِرُبْعِ الْمَالِ فَلِهَذَا لَا يَنْفُذُ جَمِيعُ وَصِيَّتِهِ مِنْ الْقَدْرِ الْمُتَعَيَّنِ مِنْ الْمَالِ وَاسْتَوْضَحَ هَذَا الْفَرْقُ بِمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ فَأَوْصَى بِرُبْعِهِ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ الدَّيْنِ عَشَرَةٌ أَوْ عِشْرُونَ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ لِلْمُوصَى لَهُ بِرُبْعِ الدَّيْنِ ، وَيَكُونُ حَقُّهُ فِي ذَلِكَ مُقَدَّمًا عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْوَصِيَّةُ لَهُ بِرُبْعِ الْمَالِ ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بِخُمُسِ الْعَيْنِ وَالدَّيْنِ اسْتَوْفَى الْمُوصَى لَهُ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ الْعَيْنِ ، وَذَلِكَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ مِنْ دَيْنِهِ مِقْدَارُ حَقِّهِ وَالزِّيَادَةُ ، وَحَقُّهُ فِيمَا تَعَيَّنَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ ، وَجَمِيعُ وَصِيَّتِهِ دُونَ ثُلُثَيْ مَا تَعَيَّنَ فَلِهَذَا يَأْخُذُ جَمِيعَ حَقِّهِ مِنْ 147 الْمَالِ الْعَيْنِ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ ، وَبِرُبْعِ مَالِهِ لِآخَرَ فَالْقَوْلُ أَنَّ الْوَصِيَّتَيْنِ جَاوَزَتَا الثُّلُثَ فَيُعْزَلُ لِتَنْفِيذِهِمَا ثُلُثُ الْمُتَعَيَّنِ مِنْ الْمَالِ ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا نِصْفُ الْعَيْنِ ثُمَّ يُقْسَمُ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ يَضْرِبُ بِثُلُثِ مَا تَعَيَّنَ ، وَذَلِكَ خَمْسُونَ . وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ يَضْرِبُ بِمَا تَعَيَّنَ ، وَذَلِكَ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ وَنِصْفٌ فَإِذَا جَعَلْت تَفَاوُتَ مَا بَيْنَ الْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ ، وَهُوَ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَنِصْفٌ بَيْنَهُمَا يَكُونُ حَقُّ صَاحِبِ الثُّلُثِ أَرْبَعَةَ أَسْهُمٍ ، وَحَقُّ صَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةً فَلِهَذَا قُسِمَ نِصْفُ الْعَيْنِ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ إلَّا أَنْ يَتَيَسَّرَ خُرُوجُ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ فَحِينَئِذٍ يُمْسِكُ الْمَدْيُونُ كَمَالَ حَقِّهِ ، وَذَلِكَ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ ، وَيُؤَدِّي ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ وَثُلُثًا فَيَأْخُذُ الِابْنُ الَّذِي لَا دَيْنَ عَلَيْهِ نِصْفَهَا ، وَيُقْسَمُ نِصْفُهَا بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمَةِ الْأُولَى .
وَإِنْ قَسَمْته عَلَى طَرِيقِ السِّهَامِ قُلْت قَدْ انْكَسَرَتْ الْمِائَةُ بِالْأَثْلَاثِ وَالْأَرْبَاعِ فَيَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُثٌ وَرُبْعٌ ، وَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ فَالْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ يَضْرِبُ بِالثُّلُثِ ، وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَالْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ يَضْرِبُ بِثَلَاثَةِ فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ عَلَى مَا يُسْلَمُ لَهُمَا بَيْنَهُمَا عَلَى سَبْعَةٍ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَخُمُسِهِ كَانَ نِصْفُ الْعَيْنِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ لِأَنَّ حَقَّ صَاحِبِ الثُّلُثِ فِي كُلِّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَهْمٌ يَكُونُ حَقُّ صَاحِبِ الثُّلُثِ فِي خَمْسِينَ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْخُمُسِ ثَلَاثَةٌ فَلِهَذَا يُقْسَمُ مَحَلُّ الْوَصِيَّةِ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ ، وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ يَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ خُمُسٌ فَخُمُسُهُ ثَلَاثَةٌ فَتَكُونُ الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ .
وَلَوْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ وَرُبْعِهِ وَخُمْسِهِ كَانَ نِصْفُ الْعَيْنِ بَيْنَهُمْ عَلَى خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا عِشْرِينَ مِنْهَا لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ لِصَاحِبِ الرُّبْعِ وَاثْنَا عَشَرَ لِصَاحِبِ الْخُمُسِ لِأَنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ يَضْرِبُ بِخَمْسِينَ ، وَصَاحِبُ الرُّبْعِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَحَقُّ صَاحِبِ الْخُمُسِ اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا فَيَضْرِبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي مَحَلِّ الْوَصِيَّةِ بِسِهَامِ حَقِّهِ ، وَعَلَى طَرِيقِ السِّهَامِ يَحْتَاجُ إلَى حِسَابٍ لَهُ ثُلُث وَرُبْعٌ وَخُمُسٌ ، وَذَلِكَ بِأَنْ نَضْرِبَ ثَلَاثَةً فِي أَرْبَعَةٍ ثُمَّ فِي خَمْسَةٍ فَتَكُونَ سِتِّينَ لِلْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالرُّبْعِ رُبْعُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ، وَلِلْمُوصَى لَهُ بِالْخُمُسِ خُمُسُهُ اثْنَا عَشَرَ فَإِذَا جَمَعْت بَيْنَ هَذِهِ السِّهَامِ كَانَتْ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ سَهْمًا
فتح القدير
اقرأ →
( كِتَابُ الْوَصَايَا ) .
411 - 412 بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهُ
411 - 412 بَابٌ فِي صِفَةِ الْوَصِيَّةِ مَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهُ وَمَا يَكُونُ رُجُوعًا عَنْهُ
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
كتاب الوصايا
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
كتاب الوصايا
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
552 كِتَابُ الْوَصَايَا ، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ ، وَهِيَ مُؤَخَّرَةٌ عَنْ مَئُونَةِ الْمُوصِي وَقَضَاءِ دُيُونِهِ ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالثُّلُثِ تَصِحُّ لِلْأَجْنَبِيِّ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا بِغَيْرِ إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَلِلْقَاتِلِ ( س ) وَالْوَارِثِ تَصِحُّ بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَتُعْتَبَرُ إِجَازَاتُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِمَّنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْقُصَ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِنْ كَانَتِ الْوَرَثَةُ فُقَرَاءَ لَا يَسْتَغْنُونَ بِنَصِيبِهِمْ فَتَرْكُهَا أَفْضَلُ ، وَتَصِحُّ لِلْحَمْلِ وَبِهِ وَبِأُمِّهِ دُونَهُ ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمَالِ وَالْوَرَثَةِ الْمَوْجُودُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَقَبُولُ الْوَصِيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلِلْمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ عَنِ الْوَصَيَّةِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ ، وَفِي الْجُحُودِ خِلَافٌ ، وَإِذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ رَدَّهَا فِي وَجْهِ الْمُوصِي فَهُوَ رَدٌّ ، وَإِنْ رَدَّهَا فِي غَيْرِ وَجْهِهِ فَلَيْسَ بِرَدٍّ ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا ضَمَّ إِلَيْهِ الْقَاضِي آخَرَ ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا اسْتَبْدَلَ بِهِ ، وَإِنْ أَوْصَى إِلَى عَبْدِهِ وَفِي الْوَرَثَةِ كِبَارٌ لَمْ تَصِحَّ ، وَإِنْ كَانُوا صِغَارًا جَازَتْ ( سم ) ، وَلَيْسَ لِأَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ دُونَ صَاحِبِهِ ( س ) ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَقَامَ الْقَاضِي مَكَانَهُ آخَرَ ، وَإِذَا أَوْصَى الْوَصِيُّ إِلَى آخَرَ فَهُوَ وَصِيٌّ فِي التَّرِكَتَيْنِ وَيَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحْتَالَ بِمَالِ الْيَتِيمِ إِنْ كَانَ أَجْوَدَ ، وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ ( سم ) لِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ لِلصَّبِيِّ ، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْتَرِضَ مَالَ الْيَتِيمِ ، وَلِلْأَبِ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ لَهُمَا إِقْرَاضُهُ ، وَلِلْقَاضِي ذَلِكَ ، وَالْوَصِيُّ أَحَقُّ بِمَالِ الْيَتِيمِ مِنَ الْجَدِّ ، وَشَهَادَةُ الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ لَا تَجُوزُ ، وَعَلَى الْمَيِّتِ تَجُوزُ ، وَتَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ إِنْ كَانُوا كِبَارًا ، وَلَا تَجُوزُ إِنْ كَانُوا صِغَارًا ( سم ) .
المالكية
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
اقرأ →
( مَسْأَلَةٌ ) قَالَ فِي بَابِ الْوَصَايَا مِنْ مُعِينِ الْحُكَّامِ إذَا أَوْصَى أَنْ يُعْطِيَنِي إنَاءً فَأُلْفِيَ مَمْلُوءًا دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَإِنْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ يُدْفَعُ فِيهِ ذَلِكَ أُعْطِيَ بِمَا فِيهِ وَإِلَّا أُعْطِيَ الْإِنَاءَ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى بِزِقٍّ فَأُلْفِيَ مَمْلُوءًا عَسَلًا أَوْ سَمْنًا دُفِعَ لَهُ بِمَا فِيهِ انْتَهَى .
ص ( وَدَخَلَ الْفَقِيرُ فِي الْمِسْكَيْنِ كَعَكْسِهِ )
ش : تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ .
ص ( وَدَخَلَ الْفَقِيرُ فِي الْمِسْكَيْنِ كَعَكْسِهِ )
ش : تَصَوُّرُهُ وَاضِحٌ .
المدونة
اقرأ →
قُلْتُ : أَرَأَيْتَ إنْ رَفَعَ بُنْيَانَهُ فَسَدَّ عَلَى جَارِهِ كُوَاهُ ، أَظْلَمَتْ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَكُوَاهَا ، وَمَنَعَهُ الشَّمْسَ أَنْ تَقَعَ فِي حُجْرَتِهِ ؟
قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ جَارِهِ ، وَلَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ هَذَا مِنْ الْبِنَاءِ تَمَّ كِتَابُ الْقِسْمَةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيهِ كِتَابُ الْوَصَايَا الْأَوَّلُ
قَالَ : لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ضَرَرِ جَارِهِ ، وَلَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ هَذَا مِنْ الْبِنَاءِ تَمَّ كِتَابُ الْقِسْمَةِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيهِ كِتَابُ الْوَصَايَا الْأَوَّلُ
المدونة
اقرأ →
356 كِتَابُ الْوَصَايَا الثَّانِي فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ بِالثُّلُثِ لِرَجُلٍ وَيَشْهَدُ وَارِثَانِ بِعِتْقِ عَبْدٍ وَالْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثُ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِثُلُثِ مَالِهِ ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ مَنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَنَّ وَالِدَهُمَا أَعْتَقَ هَذَا الْعَبْدَ فِي مَرَضِهِ وَالْعَبْدُ هُوَ الثُّلُثُ ؟
قَالَ : إنْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ بِجَرِّ وَلَائِهِ إلَيْهِمَا صُدِّقَا فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ وَبُدِئَ بِالْعِتْقِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ بِجَرِّ وَلَائِهِ لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ النِّسَاءِ ، فَإِذَا لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى النِّسَاءِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا ، وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ جَائِزَةً . وَإِنْ شَهِدَا وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَنْ الْوَرَثَةِ نِسَاءٌ ، وَإِنَّمَا الْوَرَثَةُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ كُلُّهُمْ ، فَأَرَى شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْعِتْقِ جَائِزَةً ، وَيُبْدَأُ بِالْعِتْقِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ الَّذِي شَهِدَا بِعِتْقِهِ لَيْسَ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَائِهِ ; لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ أَنْ يُبْطِلَا وَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ وَلَاءُ الْعَبْدِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْعِتْقِ يُرْغَبُ فِي وَلَائِهِ وَيُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ . وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ ، أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا وَمَعَهُمَا نِسَاءٌ فَكَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا ، فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ لِدَنَاءَتِهِ وَلَا يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَائِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا ، فَشَهَادَتُهُمَا مَعَ النِّسَاءِ وَمَعَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا لَمْ يُتَّهَمَا .
قُلْتُ : وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؟
قَالَ : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي النِّسَاءِ وَهُوَ رَأْيِي فِي الْوَصِيَّةِ .
قَالَ : إنْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ بِجَرِّ وَلَائِهِ إلَيْهِمَا صُدِّقَا فِي ذَلِكَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ وَبُدِئَ بِالْعِتْقِ ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ بِجَرِّ وَلَائِهِ لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ مِنْ النِّسَاءِ ، فَإِذَا لَمْ يُصَدَّقَا عَلَى النِّسَاءِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا ، وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوَصِيَّةِ جَائِزَةً . وَإِنْ شَهِدَا وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَنْ الْوَرَثَةِ نِسَاءٌ ، وَإِنَّمَا الْوَرَثَةُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ كُلُّهُمْ ، فَأَرَى شَهَادَتَهُمَا عَلَى الْعِتْقِ جَائِزَةً ، وَيُبْدَأُ بِالْعِتْقِ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ الَّذِي شَهِدَا بِعِتْقِهِ لَيْسَ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَائِهِ ; لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ أَنْ يُبْطِلَا وَصِيَّةَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ إذَا كَانَ وَلَاءُ الْعَبْدِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالْعِتْقِ يُرْغَبُ فِي وَلَائِهِ وَيُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ . وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى ذَلِكَ ، أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا وَمَعَهُمَا نِسَاءٌ فَكَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ فِي جَرِّ الْوَلَاءِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا ، فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمَانِ عَلَيْهِ لِدَنَاءَتِهِ وَلَا يُتَّهَمَانِ عَلَى جَرِّ وَلَائِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا ، فَشَهَادَتُهُمَا مَعَ النِّسَاءِ وَمَعَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا لَمْ يُتَّهَمَا .
قُلْتُ : وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ؟
قَالَ : هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي النِّسَاءِ وَهُوَ رَأْيِي فِي الْوَصِيَّةِ .
الذخيرة
اقرأ →
كتاب الوصايا
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
2 كِتَابُ الْوَصَايَا ) قِيلَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يُوصِي ، ثُمَّ يَمُوتُ ، ثُمَّ تُقَسَّمُ تَرِكَتُهُ ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ عِلْمَ قِسْمَةِ الْوَصَايَا وَدَوْرِيَّاتِهَا مُتَأَخِّرٌ عَنْ عِلْمِ الْفَرَائِضِ وَتَابِعٌ لَهُ فَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُ الْفَرَائِضِ كَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ أَكْثَرُهُمْ جَمْعُ وَصِيَّةٍ مَصْدَرٌ أَوْ اسْمُهُ وَمِنْهُ { حِينَ الْوَصِيَّةِ } ، وَبِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ وَمِنْهُ { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ } مِنْ وَصَيْت الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ بِالتَّخْفِيفِ وَصَلْته ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَصَى كَوَعَى وَصَلَ وَاتَّصَلَ و { يُوصِيكُمْ اللَّهُ } يَفْرِضُ عَلَيْكُمْ وَتَوَاصَوْا بِهِ أَوْصَى بِهِ أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ ا هـ وَيُقَالُ وَصَى وَأَوْصَى بِكَذَا لِفُلَانٍ بِمَعْنَى وَأَوْصَى إلَيْهِ وَوَصَّاهُ وَأَوْصَاهُ تَوْصِيَةً وَوَصِيَّةً عَهِدَ إلَيْهِ ، وَجَعَلَهُ وَصِيَّةً فَعُلِمَ إطْلَاقُ الْوَصِيَّةِ عَلَى التَّبَرُّعِ الْآتِي قَرِيبًا وَالْعَهْدِ الْآتِي آخِرَ الْبَابِ 3 وَأَنَّهَا لُغَةً الْإِيصَالُ ؛ لِأَنَّ الْمُوصِيَ وَصَلَ خَيْرَ دُنْيَاهُ بِخَيْرِ عُقْبَاهُ ، كَذَا وَقَعَ فِي عِبَارَةٍ وَفِي عِبَارَةِ شَارِحٍ وَصَلَ الْقُرْبَةَ الْوَاقِعَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالْقُرُبَاتِ الْمُنَجَّزَةِ فِي حَيَاتِهِ ، وَهَذَا أَوْضَحُ ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْوَصِيَّةِ إيصَالُ ثَوَابِهَا إلَى مَا قَدَّمَهُ مُنَجَّزًا فِي حَيَاتِهِ ، وَشَرْعًا لَا بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ لِمَا يَأْتِي فِيهِ تَبَرُّعٌ بِحَقٍّ مُضَافٍ وَلَوْ تَقْدِيرًا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِتَدْبِيرٍ وَلَا تَعْلِيقِ عِتْقٍ بِصِفَةٍ ، وَإِنْ الْتَحَقَا بِهَا حُكْمًا كَتَبَرُّعٍ نُجِّزَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ ، أَوْ مَا أُلْحِقَ بِهِ
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ بِصِحَّةٍ فَمَرَضٌ أَفْضَلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُغْفَلَ عَنْهَا سَاعَةً كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ } أَيْ مَا الْحَزْمُ أَوْ الْمَعْرُوفُ شَرْعًا إلَّا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَؤُهُ الْمَوْتُ ، وَقَدْ تُبَاحُ كَمَا يَأْتِي وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ إنَّهَا لَيْسَتْ عَقْدَ قُرْبَةٍ أَيْ دَائِمًا بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ ، وَتَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِهِ نَحْوُ مَرَضٍ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لَكِنْ يَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَطَلْقُ حَامِلٍ مَا يُصَرِّحُ بِتَقْيِيدِ الْوُجُوبِ بِالْمَخُوفِ وَنَحْوِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا ضَيَاعُ حَقٍّ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ وَلَا يُكْتَفَى بِعِلْمِ الْوَرَثَةِ أَوْ ضَيَاعِ 4 نَحْوِ أَطْفَالِهِ لِمَا يَأْتِي فِي الْإِيصَاءِ وَتَحْرُمُ لِمَنْ عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ لَهُ شَيْءٌ فِي تَرِكَةٍ أَفْسَدَهَا ، وَتُكْرَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ حِرْمَانَ وَرَثَتِهِ ، وَإِلَّا حَرُمَتْ عَلَى مَا يَأْتِي وَأَرْكَانُهَا مُوصٍ وَمُوصًى لَهُ وَمُوصًى بِهِ وَصِيغَةٌ
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ بِصِحَّةٍ فَمَرَضٌ أَفْضَلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُغْفَلَ عَنْهَا سَاعَةً كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ الصَّحِيحُ { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ } أَيْ مَا الْحَزْمُ أَوْ الْمَعْرُوفُ شَرْعًا إلَّا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَؤُهُ الْمَوْتُ ، وَقَدْ تُبَاحُ كَمَا يَأْتِي وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ الرَّافِعِيِّ إنَّهَا لَيْسَتْ عَقْدَ قُرْبَةٍ أَيْ دَائِمًا بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ ، وَتَجِبُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ بِهِ نَحْوُ مَرَضٍ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لَكِنْ يَأْتِي قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَطَلْقُ حَامِلٍ مَا يُصَرِّحُ بِتَقْيِيدِ الْوُجُوبِ بِالْمَخُوفِ وَنَحْوِهِ بِحَضْرَةِ مَنْ يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ إنْ تَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا ضَيَاعُ حَقٍّ عَلَيْهِ أَوْ عِنْدَهُ وَلَا يُكْتَفَى بِعِلْمِ الْوَرَثَةِ أَوْ ضَيَاعِ 4 نَحْوِ أَطْفَالِهِ لِمَا يَأْتِي فِي الْإِيصَاءِ وَتَحْرُمُ لِمَنْ عُرِفَ مِنْهُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ لَهُ شَيْءٌ فِي تَرِكَةٍ أَفْسَدَهَا ، وَتُكْرَهُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ إنْ لَمْ يَقْصِدْ حِرْمَانَ وَرَثَتِهِ ، وَإِلَّا حَرُمَتْ عَلَى مَا يَأْتِي وَأَرْكَانُهَا مُوصٍ وَمُوصًى لَهُ وَمُوصًى بِهِ وَصِيغَةٌ
الأم
اقرأ →
كتاب الوصايا
الأم
اقرأ →
باب الوصايا
الأم
اقرأ →
كتاب الوصايا
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
185 كِتَابُ الْوَصَايَا
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لِخَلْقِهِ آجَالًا وَبَسَطَ لَهُمْ فِيهَا آمَالًا ، ثُمَّ أَخْفَى عَلَيْهِمْ حُلُولَ آجَالِهِمْ وَحَذَّرَهُمْ غُرُورَ آمَالِهِمْ ، فَحَقِيقٌ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مُبَاهِيًا لِلْوَصِيَّةِ حَذِرًا مِنْ حُلُولِ الْمَنِيَّةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ : 180 ] ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ [ الْبَقَرَةِ : 181 ] . إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْبَقَرَةِ : 182 ] .
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ فَيَعْنِي : فُرِضَ عَلَيْكُمْ . وَقَوْلُهُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ، يَعْنِي : أَسْبَابَ الْمَوْتِ . " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا " يَعْنِي : مَالًا . قَالَ مُجَاهِدٌ : الْخَيْرُ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ الْمَالُ : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ الْعَادِيَاتِ : 8 ] الْمَالُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [ ص : 32 ] الْمَالُ . فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [ النُّورِ : 33 ] الْمَالُ .
وَقَالَ شُعَيْبٌ : إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [ هُودٍ : 184 ] ، يَعْنِي : الْغِنَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْخَيْرُ كَلِمَةٌ تُعْرَفُ مَا أُرِيدَ بِهَا الْمُخَاطَبَةُ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ الْبَيِّنَةِ : 7 ] . فَقُلْنَا : إِنَّهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَا بِالْمَالِ . وَقَالَ تَعَالَى : أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ فَقُلْنَا إِنَّ الْخَيْرَ الْمَنْفَعَةُ بِالْأَجْرِ وَقَالَ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [ الْبَقَرَةِ : 180 ] . فَقُلْنَا : إِنَّهُ إِنْ تَرَكَ مَالًا : لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ الْمَتْرُوكُ ، ثُمَّ قَالَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي الْأَقْرَبِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُمُ الْأَوْلَادُ الَّذِينَ لَا يَسْقُطُونَ فِي الْمِيرَاثِ ، دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ يَسْقُطُونَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمُ الْوَرَثَةُ مِنَ الْأَقَارِبِ كُلِّهِمْ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُمْ كُلُّ الْأَقَارِبِ مِنْ وَارِثٍ وَغَيْرِ وَارِثٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ حُكْمِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ حُكْمُهَا ثَابِتًا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ حَقًّا وَاجِبًا ، وَفَرْضًا لَازِمًا ، فَلِمَا نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ نُسِخَ مِنْهَا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَكُلُّ 186 وَارِثٍ ، وَبَقِيَ فَرْضُ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْوَرَثَةِ فِي الْأَقْرَبِينَ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ .
فَإِنْ وَصَّى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ طَاوُسٌ : يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلَى قَرَابَتِهِ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : يَرُدُّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلَى قَرَابَتِهِ وَثُلُثَا الثُّلُثِ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ .
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : رَدَّ ثُلُثَا الثُّلُثِ عَلَى قَرَابَتِهِ وَثُلُثَ الثُّلُثِ لِمَنْ أَوْصَى بِهِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْمَالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ مِنْهُ عَلَى أَقَاوِيلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا [ الْبَقَرَةِ : 183 ] أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَالثَّانِي : خَمْسُمِائَةٍ ، وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ .
وَالثَّالِثُ : يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، فَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ حُكْمَ الْآيَةِ ثَابِتًا . وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْمَوَارِيثِ . وَاخْتَلَفُوا بِأَيَّةِ آيٍ نُسِخَتْ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : نُسِخَتْ بِآيَةِ الْوَصَايَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ [ النِّسَاءِ : 7 ] وَقَالَ آخَرُونَ : نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [ الْأَنْفَالِ : 75 ] . وَسَنَذْكُرُ دَلِيلَ مَنْ أَثْبَتَهَا وَمَنْ نَسَخَهَا فِيمَا بَعْدُ .
ثُمَّ قَالَ : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [ الْبَقَرَةِ : 182 ] وَأَصْلُ الْجَنَفِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْجَوْرُ وَالْعُدُولُ عَنِ الْحَقِّ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ هُمُ الْمَوْلَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ ﴿﴾
وَفِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : جَنَفًا أَوْ إِثْمًا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الْجَنَفَ : الْمَيْلُ وَالْإِثْمُ : أَنْ يَأْثَمَ فِي إِثْرَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَابْنِ دُرَيْدٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْجَنَفَ : الْخَطَأُ ، وَالْإِثْمَ : الْعَمْدُ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ الرَّجُلَ يُوصِي لِوَلَدِ بَنِيهِ وَهُوَ يَرُدُّ بَنِيهِ ، وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [ الْبَقَرَةِ : 182 ] عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصِي عِنْدَ إِشْرَافِهِ عَلَى الْمَوْتِ ، فَخَافَ أَنْ يُخْطِئَ فِي وَصِيَّتِهِ ، فَيَفْعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ يَعْمِدَ جَوْرًا فِيهَا فَيَأْمُرَ بِمَا لَيْسَ لَهُ ، فَلَا حَرَجَ 187 عَلَى مَنْ حَضَرَهُ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَتِهِ ، بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ فِي وَصِيَّتِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ خَافَ مِنْ أَوْصِيَاءِ الْمَيِّتِ جَنَفًا فِي وَصِيَّتِهِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ ، فَأَصْلَحَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ فِيمَا أَوْصَى لَهُمْ بِهِ ، فَيَرُدُّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فِي عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ ، فَأَعْطَى بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، فَلَا إِثْمَ عَلَى مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فِي وَصِيَّتِهِ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ لَمْ يَرْجِعْ نَفْعُهُ عَلَى مَنْ يَرِثُهُ فَأَصْلَحَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ .
وَقَالَ تَعَالَى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [ النِّسَاءِ : 12 ] ، فَلَا ضِرَارَ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ ، وَالْإِضْرَارُ فِي الدَّيْنِ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَيَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ .
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ .
وَقَالَ تَعَالَى : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [ الْبَقَرَةِ : 132 ] الْآيَةَ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ مَكْتُوبَةٌ .
وَرَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يُوصِي فَيَجْنَفُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يُوصِي فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ .
وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالُوا : 188 هَلَكَ وَأَوْصَى لَكَ بِثُلُثِ مَالِهِ ، فَقَبِلَهُ وَرَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ . وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ ، وَأَوَّلَ مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُدْفَنَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ صَارَا جَمِيعًا سُنَّةً مَتْبُوعَةً .
وَالْوَصِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ لَا يَجُوزُ ، وَقِسْمٌ يَجُوزُ وَلَا يَجِبُ ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهَا .
فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ : فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ .
وَرَوَى شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ .
وَأَمَّا الَّتِي تَجُوزُ وَلَا تَجِبُ فَالْوَصِيَّةُ لِلْأَجَانِبِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَوْصَى الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَبِلَهُ ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ .
وَأَمَّا الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا : فَالْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ .
ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ مَعَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ إِلَى وُجُوبِهَا لِلْأَقَارِبِ ، تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ : 180 ] وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً .
وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوصِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشْرَفْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا ، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَبِالشَّطْرِ . قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ . وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرًا مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ
فَاقْتَصَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا جَعَلَهُ خَارِجًا مَخْرَجَ الْجَوَازِ لَا مَخْرَجَ الْإِيجَابِ ، ثُمَّ بَيْنَ أَنَّ غِنَى الْوَرَثَةِ بَعْدَهُ أَوْلَى مِنْ فَقْرِهِمْ .
189 وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ ، تَأْمَلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ
فَلَمَّا جَعَلَ الصَّدَقَةَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَفْضَلَ مِنْهَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَاجِبَةً فَأَوْلَى أَلَّا تَكُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَاجِبَةً .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَوْ وَجَبَتْ لَا جَبْرَ عَلَيْهَا ، وَلَأُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ إِنِ امْتَنَعَ مِنْهَا كَالدُّيُونِ وَالزَّكَوَاتِ ، وَلِأَنَّ الْوَصَايَا عَطَايَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ .
فَأَمَّا الْآيَةُ فَمَنْعُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْوَصِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ ذِكْرِهَا فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً فَمَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ .
وَأَمَّا عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونُ حُقُوقٍ لَا يُوصَلُ إِلَى أَرْبَابِهَا إِلَّا بِالْوَصِيَّةِ ، فَتَصِيرُ الْوَصِيَّةُ ذِكْرُهَا وَأَدَاؤُهَا وَاجِبَةً .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ فَهَذَا خَارِجٌ مِنْهُ مَخْرَجَ الِاحْتِيَاطِ ، وَمَعْنَاهُ : مَا الْحَزْمُ لِامْرِئٍ . عَلَى أَنَّ نَافِعًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ : هَلَّا أَوْصَيْتَ ؟ قَالَ : أَمَّا مَالِي فَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَفْعَلُ فِيهِ فِي حَيَاتِي ، وَأَمَّا رِبَاعِي وَدُورِي فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُشَارِكَ وَلَدِي فِيهَا أَحَدٌ . فَلَوْ عَلِمَ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ لَمَا رَوَاهُ وَلَمَا تَرَكَهَا .
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لِخَلْقِهِ آجَالًا وَبَسَطَ لَهُمْ فِيهَا آمَالًا ، ثُمَّ أَخْفَى عَلَيْهِمْ حُلُولَ آجَالِهِمْ وَحَذَّرَهُمْ غُرُورَ آمَالِهِمْ ، فَحَقِيقٌ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ مُبَاهِيًا لِلْوَصِيَّةِ حَذِرًا مِنْ حُلُولِ الْمَنِيَّةِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ : 180 ] ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ [ الْبَقَرَةِ : 181 ] . إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْبَقَرَةِ : 182 ] .
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ فَيَعْنِي : فُرِضَ عَلَيْكُمْ . وَقَوْلُهُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ، يَعْنِي : أَسْبَابَ الْمَوْتِ . " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا " يَعْنِي : مَالًا . قَالَ مُجَاهِدٌ : الْخَيْرُ فِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ الْمَالُ : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ الْعَادِيَاتِ : 8 ] الْمَالُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي [ ص : 32 ] الْمَالُ . فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [ النُّورِ : 33 ] الْمَالُ .
وَقَالَ شُعَيْبٌ : إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ [ هُودٍ : 184 ] ، يَعْنِي : الْغِنَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْخَيْرُ كَلِمَةٌ تُعْرَفُ مَا أُرِيدَ بِهَا الْمُخَاطَبَةُ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ الْبَيِّنَةِ : 7 ] . فَقُلْنَا : إِنَّهُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ بِالْإِيمَانِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لَا بِالْمَالِ . وَقَالَ تَعَالَى : أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ فَقُلْنَا إِنَّ الْخَيْرَ الْمَنْفَعَةُ بِالْأَجْرِ وَقَالَ : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [ الْبَقَرَةِ : 180 ] . فَقُلْنَا : إِنَّهُ إِنْ تَرَكَ مَالًا : لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ الْمَتْرُوكُ ، ثُمَّ قَالَ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي الْأَقْرَبِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُمُ الْأَوْلَادُ الَّذِينَ لَا يَسْقُطُونَ فِي الْمِيرَاثِ ، دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأَقَارِبِ الَّذِينَ يَسْقُطُونَ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُمُ الْوَرَثَةُ مِنَ الْأَقَارِبِ كُلِّهِمْ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُمْ كُلُّ الْأَقَارِبِ مِنْ وَارِثٍ وَغَيْرِ وَارِثٍ ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ حُكْمِهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ حُكْمُهَا ثَابِتًا فِي الْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ حَقًّا وَاجِبًا ، وَفَرْضًا لَازِمًا ، فَلِمَا نَزَلَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ نُسِخَ مِنْهَا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَكُلُّ 186 وَارِثٍ ، وَبَقِيَ فَرْضُ الْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْوَرَثَةِ فِي الْأَقْرَبِينَ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ .
فَإِنْ وَصَّى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرَابَتِهِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا ، فَقَالَ طَاوُسٌ : يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلَى قَرَابَتِهِ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : يَرُدُّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلَى قَرَابَتِهِ وَثُلُثَا الثُّلُثِ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ .
وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : رَدَّ ثُلُثَا الثُّلُثِ عَلَى قَرَابَتِهِ وَثُلُثَ الثُّلُثِ لِمَنْ أَوْصَى بِهِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِ الْمَالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ مِنْهُ عَلَى أَقَاوِيلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ ، وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا [ الْبَقَرَةِ : 183 ] أَلْفَ دِرْهَمٍ ، وَهَذَا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَالثَّانِي : خَمْسُمِائَةٍ ، وَهَذَا قَوْلُ النَّخَعِيِّ .
وَالثَّالِثُ : يَجِبُ فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ، فَهَذَا قَوْلُ مَنْ جَعَلَ حُكْمَ الْآيَةِ ثَابِتًا . وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ إِلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالْمَوَارِيثِ . وَاخْتَلَفُوا بِأَيَّةِ آيٍ نُسِخَتْ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : نُسِخَتْ بِآيَةِ الْوَصَايَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ [ النِّسَاءِ : 7 ] وَقَالَ آخَرُونَ : نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [ الْأَنْفَالِ : 75 ] . وَسَنَذْكُرُ دَلِيلَ مَنْ أَثْبَتَهَا وَمَنْ نَسَخَهَا فِيمَا بَعْدُ .
ثُمَّ قَالَ : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [ الْبَقَرَةِ : 182 ] وَأَصْلُ الْجَنَفِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْجَوْرُ وَالْعُدُولُ عَنِ الْحَقِّ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ هُمُ الْمَوْلَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ ﴿﴾
وَفِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : جَنَفًا أَوْ إِثْمًا ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الْجَنَفَ : الْمَيْلُ وَالْإِثْمُ : أَنْ يَأْثَمَ فِي إِثْرَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَابْنِ دُرَيْدٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْجَنَفَ : الْخَطَأُ ، وَالْإِثْمَ : الْعَمْدُ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ الرَّجُلَ يُوصِي لِوَلَدِ بَنِيهِ وَهُوَ يَرُدُّ بَنِيهِ ، وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [ الْبَقَرَةِ : 182 ] عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ حَضَرَ مَرِيضًا وَهُوَ يُوصِي عِنْدَ إِشْرَافِهِ عَلَى الْمَوْتِ ، فَخَافَ أَنْ يُخْطِئَ فِي وَصِيَّتِهِ ، فَيَفْعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ أَوْ يَعْمِدَ جَوْرًا فِيهَا فَيَأْمُرَ بِمَا لَيْسَ لَهُ ، فَلَا حَرَجَ 187 عَلَى مَنْ حَضَرَهُ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَتِهِ ، بِأَنْ يَأْمُرَهُ بِالْعَدْلِ فِي وَصِيَّتِهِ ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ خَافَ مِنْ أَوْصِيَاءِ الْمَيِّتِ جَنَفًا فِي وَصِيَّتِهِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا الْمَيِّتُ ، فَأَصْلَحَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ فِيمَا أَوْصَى لَهُمْ بِهِ ، فَيَرُدُّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ وَالْحَقِّ ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فِي عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِهِ ، فَأَعْطَى بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ ، فَلَا إِثْمَ عَلَى مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّ تَأْوِيلَهَا : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فِي وَصِيَّتِهِ لِمَنْ لَا يَرِثُهُ لَمْ يَرْجِعْ نَفْعُهُ عَلَى مَنْ يَرِثُهُ فَأَصْلَحَ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ .
وَقَالَ تَعَالَى : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [ النِّسَاءِ : 12 ] ، فَلَا ضِرَارَ فِي الْوَصِيَّةِ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ ، وَالْإِضْرَارُ فِي الدَّيْنِ أَنْ يَبِيعَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَيَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ .
وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ .
وَقَالَ تَعَالَى : وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ [ الْبَقَرَةِ : 132 ] الْآيَةَ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَالَ : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَ رَأْسِهِ مَكْتُوبَةٌ .
وَرَوَى شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يُوصِي فَيَجْنَفُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ سَبْعِينَ سَنَةً ، ثُمَّ يُوصِي فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : أَعَجَزَ الْمُوصِي أَنْ يُوصِيَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ .
وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ سَأَلَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالُوا : 188 هَلَكَ وَأَوْصَى لَكَ بِثُلُثِ مَالِهِ ، فَقَبِلَهُ وَرَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ . وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ ، وَأَوَّلَ مَنْ وَصَّى بِأَنْ يُدْفَنَ إِلَى الْقِبْلَةِ ، ثُمَّ صَارَا جَمِيعًا سُنَّةً مَتْبُوعَةً .
وَالْوَصِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : قِسْمٌ لَا يَجُوزُ ، وَقِسْمٌ يَجُوزُ وَلَا يَجِبُ ، وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهَا .
فَأَمَّا الَّذِي لَا يَجُوزُ : فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ .
وَرَوَى شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ .
وَأَمَّا الَّتِي تَجُوزُ وَلَا تَجِبُ فَالْوَصِيَّةُ لِلْأَجَانِبِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، فَقَدْ أَوْصَى الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَبِلَهُ ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى وَرَثَتِهِ .
وَأَمَّا الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا : فَالْوَصِيَّةُ لِلْأَقَارِبِ .
ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ مَعَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ إِلَى وُجُوبِهَا لِلْأَقَارِبِ ، تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ : 180 ] وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً .
وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِلْأَقَارِبِ وَالْأَجَانِبِ ، مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوصِ . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ مَرَضًا أَشْرَفْتُ مِنْهُ عَلَى الْمَوْتِ ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعُودُنِي ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ : إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا ، وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنِي ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَبِالشَّطْرِ . قَالَ : لَا ، قُلْتُ : فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ . وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إِنَّكَ إِنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرًا مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ
فَاقْتَصَرَ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى مَا جَعَلَهُ خَارِجًا مَخْرَجَ الْجَوَازِ لَا مَخْرَجَ الْإِيجَابِ ، ثُمَّ بَيْنَ أَنَّ غِنَى الْوَرَثَةِ بَعْدَهُ أَوْلَى مِنْ فَقْرِهِمْ .
189 وَرَوَى أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : أَنْ تَتَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ ، تَأْمَلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ ، وَلَا تُمْهِلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ
فَلَمَّا جَعَلَ الصَّدَقَةَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَفْضَلَ مِنْهَا عِنْدَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَاجِبَةً فَأَوْلَى أَلَّا تَكُونَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَاجِبَةً .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ عَنْ شُرَحْبِيلَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لِأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِائَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لَوْ وَجَبَتْ لَا جَبْرَ عَلَيْهَا ، وَلَأُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ إِنِ امْتَنَعَ مِنْهَا كَالدُّيُونِ وَالزَّكَوَاتِ ، وَلِأَنَّ الْوَصَايَا عَطَايَا فَأَشْبَهَتِ الْهِبَاتِ .
فَأَمَّا الْآيَةُ فَمَنْعُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْوَصِيَّةِ مَعَ تَقْدِيمِ ذِكْرِهَا فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً فَمَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ .
وَأَمَّا عَلَى مَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونُ حُقُوقٍ لَا يُوصَلُ إِلَى أَرْبَابِهَا إِلَّا بِالْوَصِيَّةِ ، فَتَصِيرُ الْوَصِيَّةُ ذِكْرُهَا وَأَدَاؤُهَا وَاجِبَةً .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ فَهَذَا خَارِجٌ مِنْهُ مَخْرَجَ الِاحْتِيَاطِ ، وَمَعْنَاهُ : مَا الْحَزْمُ لِامْرِئٍ . عَلَى أَنَّ نَافِعًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ : هَلَّا أَوْصَيْتَ ؟ قَالَ : أَمَّا مَالِي فَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا كُنْتُ أَفْعَلُ فِيهِ فِي حَيَاتِي ، وَأَمَّا رِبَاعِي وَدُورِي فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُشَارِكَ وَلَدِي فِيهَا أَحَدٌ . فَلَوْ عَلِمَ وُجُوبَ الْوَصِيَّةِ لَمَا رَوَاهُ وَلَمَا تَرَكَهَا .
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
136 الْخَصِيصَةُ الثَّالِثَةُ : امْتِنَاعُ الْعِتْقِ بِالْمَرَضِ ، سَبَقَ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا أَنَّ التَّبَرُّعَاتِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ تُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَأَنَّ الْعِتْقَ مِنَ التَّبَرُّعَاتِ وَقَدْ يَنْدَفِعُ لِوُقُوعِهِ فِي الْمَرَضِ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ بَعْدَ حَطِّ قَدْرِ الدَّيْنِ ، فَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا ، لَمْ يَعْتِقْ شَيْءٌ مِنْهُ ، فَإِنْ أَعْتَقَ عَبْدٌ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ ، لَمْ يَعْتِقْ إِلَّا ثُلُثُهُ ، وَإِنْ مَاتَ هَذَا الْعَبْدُ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، مَاتَ ، وَثُلُثُهُ حُرٌّ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، فَهَلْ يَمُوتُ كُلُّهُ رَقِيقًا ، أَمْ كُلُّهُ حُرًّا ، أَمْ ثُلُثُهُ حُرًّا وَبَاقِيهِ رَقِيقًا ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ . أَصَحُّهَا عِنْدَ الصَّيْدَلَانِيِّ : الْأَوَّلُ ، وَبِهِ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ فِي مَجْلِسِ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الْمَحْمُودِيِّ ، فَرَضِيَهُ وَحَمِدَهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَا يَعْتِقُ يَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ ، وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ هُنَا شَيْءٌ ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَوْ وَهَبَ فِي الْمَرَضِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ، وَأَقْبَضَهُ ، وَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ السَّيِّدِ ، فَإِنْ قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ ، يَمُوتُ رَقِيقًا مَاتَ هُنَا عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ ، وَيَلْزَمُهُ مَئُونَةُ تَجْهِيزِهِ . وَإِنْ قُلْنَا : يَمُوتُ حُرًّا ، مَاتَ هُنَا عَلَى مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، فَعَلَيْهِ تَجْهِيزُهُ . وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ ، وُزِّعَتِ الْمَئُونَةُ عَلَيْهِمَا .
الثَّانِي : إِذَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ وَلَدٌ مِنْ مُعْتِقِهِ ، كَانَ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي أُمِّهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَمُوتُ حُرًّا ، أُنْجِزَ الْوَلَاءُ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَعْتِقُ ثُلُثُهُ ، أُنْجِزَ وَلَاءُ ثُلُثِهِ . وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ سِوَاهُ ، وَمَاتَ الْعَتِيقُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، قَالَ الْإِمَامُ : قَالَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ : لَا يَجِبُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ ، فَإِذَا لَمْ تَبْقَ إِلَى الْمَوْتِ ، لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحِسَابِ ، قَالَ : وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا حُكْمُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَحُكْمِهِ لَوْ عَاشَ ، أَنْ يُحْسَبَ 137 مِنَ الثُّلُثِ . وَلَوْ وَهَبَ عَبْدًا ، وَأَقْبَضَهُ ، وَلَهُ مَالٌ آخَرُ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ ، كَمَا أَنَّ هِبَتَهُ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ كَإِعْتَاقِهِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ . وَلَوْ أَتْلَفَهُ الْمُتَّهِبُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ ، يُحْسَبُ الْمَوْهُوبُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ ، يَغْرَمُ الْمَوْهُوبُ لِلْوَرَثَةِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَلِفَ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً ، وَالْإِتْلَافُ مُضَمَّنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ فِي إِلْحَاقِ التَّلَفِ بِالْإِتْلَافِ وَعَكْسِهِ .
فَرْعٌ
أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ فِرَقُ الْأَصْحَابِ : أَنَّ الْمَيِّتَ يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ أَنْ يُجْعَلَ الْفَائِتُ كَالْمَعْدُومِ ، وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا ، وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَجْهًا ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْأَوَّلِ ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ، بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا مَوْرُوثًا عَنْهُ ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ ، لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَالَ ، وَيُحْتَسَبُ بِهِ عَنِ الْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ الثَّوَابَ ، وَتُعَادُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَبْدَانِ ، فَأَعْتَقَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ ، وَرَقَّ ثُلُثُهُ مَعَ الْعَبْدِ الْآخَرِ . وَلَوْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ أَوَّلًا عَلَى أَحَدِ الْحَيَّيْنِ ، فَكَذَلِكَ يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ . وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَبْلَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إِلَى التَّرِكَةِ ، فَالْحُكْمُ كَمَا 138 لَوْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، وَلَفْظُ الصَّيْدَلَانِيِّ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْمَيِّتُ فِي يَدِهِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ . وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إِلَى التَّرِكَةِ ، وَقَبْلَ الْإِقْرَاعِ ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَارِثِ ، حَتَّى لَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ ، عَتَقَ كُلُّهُ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ دَخَلَ فِي يَدِهِ وَضَمَانِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى التَّرِكَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَى التَّصَرُّفِ . وَلَوْ مَاتَ اثْنَانِ مِنْهُمْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِ الْمَيِّتَيْنِ ، صَحَّ عِتْقُ نِصْفِهِ ، وَجُعِلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ ، وَهُوَ الْعَبْدُ الْحَيُّ . وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَيْهِ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمَيِّتِ الْآخَرِ وَالْحَيِّ ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْآخَرِ ، أَعْتَقْنَا نِصْفَهُ ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَيْهِ ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَأَعْتَقْنَا ثُلُثَ الْحَيِّ . وَلَوْ قُتِلَ أَحَدُ الْعَبِيدِ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَهُ ، دَخَلَ الْقَتِيلُ فِي الْقُرْعَةِ قَطْعًا ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ تَقُومُ مَقَامَهُ ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَلِوِرْثَةِ الْآخَرِ قِيمَةُ الْقَتِيلِ ، وَإِنْ خَرَجَ لِلْقَتِيلِ ، بَانَ أَنَّهُ قُتِلَ حُرًّا ، وَعَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ لِوَرَثَتِهِ ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِنْ كَانَ قَاتِلُهُ حُرًّا ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إِنْ جَرَحَكَ أَحَدٌ ، فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ ، فَجَرَحَهُ حُرٌّ ، وَمَاتَ بِالْجِرَاحَةِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُتَعَيِّنَةٌ فِيهِ ، وَهُنَا التَّعْيِينُ بِالْقُرْعَةِ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنِ اعْتَقَدَ رِقَّهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ عَرَفَهُ رَقِيقًا فَبَانَ عَتِيقًا ، فَفِي الْقِصَاصِ قَوْلَانِ .
الثَّانِي : إِذَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ وَلَدٌ مِنْ مُعْتِقِهِ ، كَانَ وَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي أُمِّهِ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَمُوتُ حُرًّا ، أُنْجِزَ الْوَلَاءُ إِلَى مُعْتِقِ الْأَبِ ، وَإِنْ قُلْنَا : يَعْتِقُ ثُلُثُهُ ، أُنْجِزَ وَلَاءُ ثُلُثِهِ . وَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ عَبْدًا ، وَلَهُ مَالٌ سِوَاهُ ، وَمَاتَ الْعَتِيقُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، قَالَ الْإِمَامُ : قَالَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ : لَا يَجِبُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ إِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ ، فَإِذَا لَمْ تَبْقَ إِلَى الْمَوْتِ ، لَمْ يَدْخُلْ فِي الْحِسَابِ ، قَالَ : وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِنَا حُكْمُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَحُكْمِهِ لَوْ عَاشَ ، أَنْ يُحْسَبَ 137 مِنَ الثُّلُثِ . وَلَوْ وَهَبَ عَبْدًا ، وَأَقْبَضَهُ ، وَلَهُ مَالٌ آخَرُ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ قَبْلَ مَوْتِ الْوَاهِبِ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ ، كَمَا أَنَّ هِبَتَهُ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ كَإِعْتَاقِهِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ . وَلَوْ أَتْلَفَهُ الْمُتَّهِبُ ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ بَاقِيًا ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ ، يُحْسَبُ الْمَوْهُوبُ مِنَ الثُّلُثِ ، وَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ ، يَغْرَمُ الْمَوْهُوبُ لِلْوَرَثَةِ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا تَلِفَ ; لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ مُضَمَّنَةً ، وَالْإِتْلَافُ مُضَمَّنٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ فِي إِلْحَاقِ التَّلَفِ بِالْإِتْلَافِ وَعَكْسِهِ .
فَرْعٌ
أَعْتَقَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ ، فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ فِرَقُ الْأَصْحَابِ : أَنَّ الْمَيِّتَ يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ ، قَالَ الْإِمَامُ : وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ الْوَاحِدِ أَنْ يُجْعَلَ الْفَائِتُ كَالْمَعْدُومِ ، وَيُجْعَلَ كَأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُمَا ، وَجَعَلَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَجْهًا ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْأَوَّلِ ، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الْمَيِّتِ ، بَانَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا مَوْرُوثًا عَنْهُ ، وَرَقَّ الْآخَرَانِ ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ سَهْمُ الرِّقِّ ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ ، لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَالَ ، وَيُحْتَسَبُ بِهِ عَنِ الْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ الثَّوَابَ ، وَتُعَادُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَبْدَانِ ، فَأَعْتَقَهُمَا ، فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْعِتْقِ ، عَتَقَ ثُلُثَاهُ ، وَرَقَّ ثُلُثُهُ مَعَ الْعَبْدِ الْآخَرِ . وَلَوْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ أَوَّلًا عَلَى أَحَدِ الْحَيَّيْنِ ، فَكَذَلِكَ يَعْتِقُ ثُلُثَاهُ . وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ وَقَبْلَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إِلَى التَّرِكَةِ ، فَالْحُكْمُ كَمَا 138 لَوْ مَاتَ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، وَلَفْظُ الصَّيْدَلَانِيِّ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْمَيِّتُ فِي يَدِهِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ . وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ امْتِدَادِ يَدِ الْوَارِثِ إِلَى التَّرِكَةِ ، وَقَبْلَ الْإِقْرَاعِ ، فَوَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : يُحْسَبُ الْمَيِّتُ عَلَى الْوَارِثِ ، حَتَّى لَوْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ ، عَتَقَ كُلُّهُ ; لِأَنَّ الْمَيِّتَ دَخَلَ فِي يَدِهِ وَضَمَانِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ ثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى التَّرِكَةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَلَّطْ عَلَى التَّصَرُّفِ . وَلَوْ مَاتَ اثْنَانِ مِنْهُمْ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ ، قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ عَلَى أَحَدِ الْمَيِّتَيْنِ ، صَحَّ عِتْقُ نِصْفِهِ ، وَجُعِلَ لِلْوَرَثَةِ مِثْلَاهُ ، وَهُوَ الْعَبْدُ الْحَيُّ . وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَيْهِ ، أَقْرَعْنَا بَيْنَ الْمَيِّتِ الْآخَرِ وَالْحَيِّ ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمَيِّتِ الْآخَرِ ، أَعْتَقْنَا نِصْفَهُ ، وَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الرِّقِّ عَلَيْهِ ، لَمْ يُحْسَبْ عَلَى الْوَرَثَةِ ، وَأَعْتَقْنَا ثُلُثَ الْحَيِّ . وَلَوْ قُتِلَ أَحَدُ الْعَبِيدِ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ أَوْ بَعْدَهُ ، دَخَلَ الْقَتِيلُ فِي الْقُرْعَةِ قَطْعًا ; لِأَنَّ قِيمَتَهُ تَقُومُ مَقَامَهُ ، فَإِنْ خَرَجَ سَهْمُ الْعِتْقِ لِأَحَدِ الْحَيَّيْنِ ، عَتَقَ كُلُّهُ ، وَلِوِرْثَةِ الْآخَرِ قِيمَةُ الْقَتِيلِ ، وَإِنْ خَرَجَ لِلْقَتِيلِ ، بَانَ أَنَّهُ قُتِلَ حُرًّا ، وَعَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ لِوَرَثَتِهِ ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِنْ كَانَ قَاتِلُهُ حُرًّا ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ : إِنْ جَرَحَكَ أَحَدٌ ، فَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَهُ ، فَجَرَحَهُ حُرٌّ ، وَمَاتَ بِالْجِرَاحَةِ ، وَجَبَ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مُتَعَيِّنَةٌ فِيهِ ، وَهُنَا التَّعْيِينُ بِالْقُرْعَةِ . قَالَ الْبَغَوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجْهَانِ ; لِأَنَّهُ قَتَلَ مَنِ اعْتَقَدَ رِقَّهُ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ عَرَفَهُ رَقِيقًا فَبَانَ عَتِيقًا ، فَفِي الْقِصَاصِ قَوْلَانِ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
55 كِتَابُ الْوَصَايَا الْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ ، مِثْلُ الْعَطَايَا جَمْعُ عَطِيَّةٍ . وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التَّبَرُّعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ . وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ; أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ } . وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } وَأَمَّا السُّنَّةُ فَرَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، قَالَ { : جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي ، فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ بَلَغَ بِي مِنْ الْوَجَعِ مَا تَرَى ، وَأَنَا ذُو مَالٍ ، وَلَا يَرِثُنِي إلَّا ابْنَةٌ ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : لَا . قُلْت : فَبِالشَّطْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لَا . قُلْت : فَبِالثُّلُثِ ؟ قَالَ : الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ ، إنَّك أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَك أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ } . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا . وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ } . رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ : { مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ } . وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنَّ الدَّيْنَ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ } . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ عَلَى جَوَازِ الْوَصِيَّةِ .
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
335 ( كِتَابُ الْوَصَايَا ) يُقَالُ : وَصَّى تَوْصِيَةً وَأَوْصَى إيصَاءً وَالِاسْمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوَصَاةُ وَالْوِصَايَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَالْوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ كَقَضَايَا جَمْعُ قَضِيَّةٍ وَأَصْلُهُ وَصَائِي بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الْمَدِّ يَلِيهَا يَاءٌ مُتَحَرِّكَةٌ هِيَ لَامُ الْكَلِمَةِ فُتِحَتْ هَذِهِ الْهَمْزَةُ الْعَارِضَةُ فِي الْجَمْعِ وَقُلِبَتْ الْيَاءُ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا فَصَارَ وَصَاءَا ، فَكَرِهُوا اجْتِمَاعَ أَلِفَيْنِ بَيْنَهُمَا هَمْزَةٌ فَقَلَبُوهَا يَاءً فَصَارَ وَصَايَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ : وَلَوْ قِيلَ : إنَّ وَزْنَهُ فَعَالَى وَإِنَّ جَمْعَ الْمُعْتَلِّ خِلَافُ جَمْعِ الصَّحِيحِ لَكَانَ حَسَنًا انْتَهَى وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ وَصَيْتُ الشَّيْءَ أَصِيهِ إذَا وَصَلْتُهُ فَإِنَّ الْمَيِّتَ وُصِلَ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ حَيَاتِهِ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ مَمَاتِهِ ( الْوَصِيَّةُ لُغَةً الْأَمْرُ ) قَالَ تَعَالَى { : وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } وَقَالَ { : ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ } وَمِنْهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ : " أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ " وَشَرْعًا ( الْأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ ) كَأَنْ يُوصِي إلَى إنْسَانٍ بِتَزْوِيجِ بَنَاتِهِ أَوْ غُسْلِهِ أَوْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَامًا أَوْ الْكَلَامِ عَلَى صِغَارِ أَوْلَادِهِ أَوْ تَفْرِقَةِ ثُلُثِهِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى { : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ } وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ ، وَوَصَّى بِهَا عُمَرُ إلَى أَهْلِ الشُّورَى وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ : " بَعْدَ الْمَوْتِ " الْوَكَالَةُ .
الإنصاف
اقرأ →
كتاب الوصايا
الفروع
اقرأ →
657 كِتَابُ الْوَصَايَا ( مَسْأَلَةٌ 1 ) قَوْلُهُ : وَلَنَا خِلَافٌ هَلْ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ مَا لَمْ يُعَايِنْ الْمِلْكَ أَوْ مَا دَامَ مُكَلَّفًا أَوْ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ؟ فِيهِ [ ثَلَاثَةُ ] أَقْوَالٍ .
( أَحَدُهَا ) تُقْبَلُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ، لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ } قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ اللَّطَائِفِ : فَمَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، وَقَدَّمَهُ ، لِأَنَّ الرُّوحَ تُفَارِقُ الْقَلْبَ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ فَلَا يَبْقَى لَهُ نِيَّةٌ وَلَا قَصْدٌ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) تُقْبَلُ مَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَلَكَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا . وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : { سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَتَى تَنْقَطِعُ مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ مِنْ النَّاسِ ؟ قَالَ : إذَا عَايَنَ } يَعْنِي الْمِلْكَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : " لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي مُهْلَةٍ مِنْ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يَأْتِهِ مَلَكُ الْمَوْتِ يَقْبِضُ رُوحَهُ ، فَإِذَا نَزَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَلَا تَوْبَةَ حِينَئِذٍ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : " التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ مَا لَمْ يَنْزِلْ سُلْطَانُ الْمَوْتِ " .
وَرَوَى فِي كِتَابِ الْمَوْتِ عَنْ أَبِي مُوسَى 658 قَالَ : " إذَا عَايَنَ الْمَيِّتُ الْمَلَكَ ذَهَبَتْ الْمَعْرِفَةُ " . وَعَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الرِّعَايَتَيْنِ ، وَنِهَايَةِ الْمُبْتَدِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ كُتَيْلَةُ فِي كِتَابِ الْعُدَّةِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مَا دَامَ مُكَلَّفًا ، وَهُوَ قَوِيٌّ ، وَالصَّوَابُ قَبُولُهَا مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا وَإِلَّا فَلَا . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ سَرِيعًا ، وَتَأْتِي هَذِهِ الْأَقْوَالُ اسْتِطْرَادًا فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ ، وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ .
( أَحَدُهَا ) تُقْبَلُ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ، لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ } قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ اللَّطَائِفِ : فَمَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُغَرْغِرَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، وَقَدَّمَهُ ، لِأَنَّ الرُّوحَ تُفَارِقُ الْقَلْبَ عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ فَلَا يَبْقَى لَهُ نِيَّةٌ وَلَا قَصْدٌ .
( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) تُقْبَلُ مَا لَمْ يُعَايِنْ الْمَلَكَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمَا . وَقَدْ خَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : { سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَتَى تَنْقَطِعُ مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ مِنْ النَّاسِ ؟ قَالَ : إذَا عَايَنَ } يَعْنِي الْمِلْكَ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : " لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي مُهْلَةٍ مِنْ التَّوْبَةِ مَا لَمْ يَأْتِهِ مَلَكُ الْمَوْتِ يَقْبِضُ رُوحَهُ ، فَإِذَا نَزَلَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَلَا تَوْبَةَ حِينَئِذٍ " وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : " التَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ مَا لَمْ يَنْزِلْ سُلْطَانُ الْمَوْتِ " .
وَرَوَى فِي كِتَابِ الْمَوْتِ عَنْ أَبِي مُوسَى 658 قَالَ : " إذَا عَايَنَ الْمَيِّتُ الْمَلَكَ ذَهَبَتْ الْمَعْرِفَةُ " . وَعَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوُهُ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الرِّعَايَتَيْنِ ، وَنِهَايَةِ الْمُبْتَدِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، وَالْمُصَنِّفُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْوُسْطَى ، وَالشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ كُتَيْلَةُ فِي كِتَابِ الْعُدَّةِ .
( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مَا دَامَ مُكَلَّفًا ، وَهُوَ قَوِيٌّ ، وَالصَّوَابُ قَبُولُهَا مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا وَإِلَّا فَلَا . وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ سَرِيعًا ، وَتَأْتِي هَذِهِ الْأَقْوَالُ اسْتِطْرَادًا فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ ، وَالْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الوصايا
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الوصايا
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
349 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْوَصَايَا 1751 - مَسْأَلَةٌ : الْوَصِيَّةُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مَنْ تَرَكَ مَالًا ، لِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ } قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُذْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي .
وَرُوِّينَا إيجَابَ الْوَصِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ طَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ يُشَدِّدَانِ فِي الْوَصِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَطَلْحَةَ بْنِ مُطَرِّفٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا . 350 وَقَالَ قَوْمٌ : لَيْسَتْ فَرْضًا ، وَاحْتَجُّوا : بِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِيهِ { لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ } .
قَالُوا : فَرَدَّ الْأَمْرَ إلَى إرَادَتِهِ ؟ وَقَالُوا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ ، وَرَوَوْا : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَهُوَ رَاوِي الْخَبَرِ - لَمْ يُوصِ ، وَأَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ لَمْ يُوصِ ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِيمَنْ تَرَكَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ : قَلِيلٌ ، لَيْسَ فِيهَا وَصِيَّةٌ ، وَأَنَّ عَلِيًّا نَهَى مَنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا مِنْ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِيمَنْ تَرَكَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ : فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ .
وَعَنْ النَّخَعِيِّ لَيْسَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ - : أَمَّا مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ " يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ " فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَوَاهُ كَمَا أَوْرَدْنَا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ ، لَكِنْ بِلَفْظِ الْإِيجَابِ فَقَطْ .
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ .
وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ .
وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَيُونُسُ عَنْ نَافِعٍ - وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ .
فَإِذْ هُمَا صَحِيحَانِ فَقَدْ وَجَبَتْ الْوَصِيَّةُ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَهَا وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 351 وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ فَقَدْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَا تَرَكَ بِقَوْلِهِ الثَّابِتِ يَقِينًا { إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ } وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ بِلَا شَكٍّ ، لِأَنَّهُ أَوْصَى بِصَدَقَةِ كُلِّ مَا يَتْرُكُ إذَا مَاتَ ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْأَثَرُ بِنَفْيِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي تَدَّعِيهَا الرَّافِضَةُ إلَى عَلِيٍّ فَقَطْ .
وَأَمَّا مَا رَوَوْا مِنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُوصِ ، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَشْهَلَ بْنِ حَاتِمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ - وَهُوَ لَا شَيْءَ - وَالثَّابِتُ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ إيجَابِهِ الْوَصِيَّةَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ لَيْلَتَهُ مُذْ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ حَاطِبٍ وَعُمَرَ : فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَهِيَ أَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهَا .
وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ حَدُّ الْقَلِيلِ بِمَا بَيْنَ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بَيَانٌ بِمَا ادَّعَوْا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ ذَلِكَ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُمْ صَحَابَةٌ ، كَمَا أَوْرَدْنَا ، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ طَائِفَةٍ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أُخْرَى ، وَالْفَرْضُ حِينَئِذٍ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ فَرْضَ الْوَصِيَّةِ ، أَمَّا السُّنَّةُ : فَكَمَا أَوْرَدْنَا ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ : فَكَمَا نُورِدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؟
وَرُوِّينَا إيجَابَ الْوَصِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ : كَانَ طَلْحَةُ ، وَالزُّبَيْرُ يُشَدِّدَانِ فِي الْوَصِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَطَلْحَةَ بْنِ مُطَرِّفٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَغَيْرِهِمْ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَجَمِيعِ أَصْحَابِنَا . 350 وَقَالَ قَوْمٌ : لَيْسَتْ فَرْضًا ، وَاحْتَجُّوا : بِأَنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ فِيهِ { لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ } .
قَالُوا : فَرَدَّ الْأَمْرَ إلَى إرَادَتِهِ ؟ وَقَالُوا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ ، وَرَوَوْا : أَنَّ ابْنَ عُمَرَ - وَهُوَ رَاوِي الْخَبَرِ - لَمْ يُوصِ ، وَأَنَّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ بِحَضْرَةِ عُمَرَ لَمْ يُوصِ ، وَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِيمَنْ تَرَكَ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ : قَلِيلٌ ، لَيْسَ فِيهَا وَصِيَّةٌ ، وَأَنَّ عَلِيًّا نَهَى مَنْ لَمْ يَتْرُكْ إلَّا مِنْ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ فِيمَنْ تَرَكَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ : فِي هَذَا فَضْلٌ عَنْ وَلَدِهِ .
وَعَنْ النَّخَعِيِّ لَيْسَتْ الْوَصِيَّةُ فَرْضًا .
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : كُلُّ هَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُ - : أَمَّا مَنْ زَادَ فِي رِوَايَتِهِ " يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ " فَإِنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ رَوَاهُ كَمَا أَوْرَدْنَا بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ ، لَكِنْ بِلَفْظِ الْإِيجَابِ فَقَطْ .
وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ .
وَرَوَاهُ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ .
وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَيُونُسُ عَنْ نَافِعٍ - وَكِلَا الرِّوَايَتَيْنِ صَحِيحٌ .
فَإِذْ هُمَا صَحِيحَانِ فَقَدْ وَجَبَتْ الْوَصِيَّةُ بِرِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيدَهَا وَلَا بُدَّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 351 وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوصِ فَقَدْ كَانَتْ تَقَدَّمَتْ وَصِيَّتُهُ بِجَمِيعِ مَا تَرَكَ بِقَوْلِهِ الثَّابِتِ يَقِينًا { إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ } وَهَذِهِ وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ بِلَا شَكٍّ ، لِأَنَّهُ أَوْصَى بِصَدَقَةِ كُلِّ مَا يَتْرُكُ إذَا مَاتَ ، وَإِنَّمَا صَحَّ الْأَثَرُ بِنَفْيِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي تَدَّعِيهَا الرَّافِضَةُ إلَى عَلِيٍّ فَقَطْ .
وَأَمَّا مَا رَوَوْا مِنْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يُوصِ ، فَبَاطِلٌ ; لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَشْهَلَ بْنِ حَاتِمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - .
وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ - وَهُوَ لَا شَيْءَ - وَالثَّابِتُ عَنْهُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ إيجَابِهِ الْوَصِيَّةَ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبِتْ لَيْلَتَهُ مُذْ سَمِعَ هَذَا الْخَبَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ .
وَأَمَّا حَدِيثُ حَاطِبٍ وَعُمَرَ : فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَهِيَ أَسْقَطُ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِهَا .
وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَفِيهِ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - .
وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ فَإِنَّهُ حَدُّ الْقَلِيلِ بِمَا بَيْنَ السَّبْعِمِائَةِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا - وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بَيَانٌ بِمَا ادَّعَوْا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ كُلُّ ذَلِكَ لَمَا كَانَتْ فِيهِ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُمْ صَحَابَةٌ ، كَمَا أَوْرَدْنَا ، وَإِذَا وَقَعَ التَّنَازُعُ لَمْ يَكُنْ قَوْلُ طَائِفَةٍ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ أُخْرَى ، وَالْفَرْضُ حِينَئِذٍ هُوَ الرُّجُوعُ إلَى الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، وَكِلَاهُمَا يُوجِبُ فَرْضَ الْوَصِيَّةِ ، أَمَّا السُّنَّةُ : فَكَمَا أَوْرَدْنَا ، وَأَمَّا الْقُرْآنُ : فَكَمَا نُورِدُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؟
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كتاب الوصايا