32 حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ ° ، قَالَ : ثنا أَسَدٌ ° ، قَالَ : ثنا هُشَيْمٌ ° ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ° ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : " بَيْنَ الْمَلائِكَةِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ سَبْعُونَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ ، وَحِجَابٌ مِنْ ظُلْمَةٍ ، وَحِجَابٌ مِنْ نُورٍ ، وَحِجَابٌ مِنْ ظُلْمَةٍ "
قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمْ أُخَرِّجْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْمُقَطَّعَاتِ ، لأَنَّ هَذَا مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي نَقُولُ : إِنَّ عِلْمَ هَذَا لا يُدْرَكُ إِلا بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . لَسْتُ أَحْتَجُّ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ خَالِقِي عَزَّ وَجَلَّ إِلا بِمَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي الْكِتَابِ أَوْ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ . أَقُولُ وَبِاللَّهِ تَوْفِيقِي ، وَإِيَّاهُ اسْتَرْشِدُ : قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ الَّذِي هُوَ مُثْبَتٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ أَنَّ لَهُ وَجْهًا ، وَصَفَهُ بِالْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وَالْبَقَاءِ ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلا : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ سورة الرحمن آية 27 وَنَفَى رَبُّنَا جَلَّ وَعَلا عَنْ وَجْهِهِ الْهَلاكَ فِي قَوْلِهِ : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ سورة القصص آية 88 وَزَعَمَ بَعْضُ جَهَلَةِ الْجَهْمِيَّةِ : أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الآيَةَ نَفْسَهُ ، الَّتِي أَضَافَ إِلَيْهَا الْجَلالَ ، بِقَوْلِهِ : تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ سورة الرحمن آية 78 وَزَعَمَتْ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ : ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ، لا الْوَجْهُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَقُولُ وَبِاللَّهِ تَوْفِيقِي : هَذِهِ دَعْوَى ، يَدَّعِيهَا جَاهِلٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، لأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ سورة الرحمن آية 27 ، فَذُكِرَ الْوَجْهُ مَضْمُومًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، مَرْفُوعًا ، وَذُكِرَ الرَّبُّ بِخَفْضِ الْبَاءِ بِإِضَافَةِ الْوَجْهِ ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ : ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ مَرْدُودًا إِلَى ذِكْرِ الرَّبِّ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ : ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ مَخْفُوضًا , كَمَا كَانَ الْبَاءُ مَخْفُوضًا فِي ذِكْرِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلا ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ سورة الرحمن آية 78 , فَلَمَّا كَانَ الْجَلالُ وَالإِكْرَامُ فِي هَذِهِ الآيَةِ صِفَةً لِلرَّبِّ ، خُفِضَ ذِي خَفْضَ الْبَاءِ الَّذِي ذُكِرَ فِي قَوْلِهِ : رَبِّكِ , وَلَمَّا كَانَ الْوَجْهُ فِي تِلْكَ الآيَةِ مَرْفُوعَةً , الَّتِي كَانَتْ صِفَةُ الْوَجْهِ مَرْفُوعَةً ، فَقَالَ : ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ سورة الرحمن آية 27 . فَتَفَهَّمُوا يَا ذَوِي الْحِجَا هَذَا الْبَيَانَ ، الَّذِي هُوَ مَفْهُومٌ فِي خِطَابِ الْعَرَبِ ، وَلا تَغَالَطُوا فَتَتْرُكُوا سَوَاءَ السَّبِيلِ ، وَفِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ دَلالَةٌ أَنَّ وَجْهَ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، صِفَاتُ الذَّاتِ ، لا أَنَّ وَجْهَ اللَّهِ هُوَ : اللَّهُ ، وَلا أَنَّ وَجْهَهُ غَيْرُهُ ، كَمَا زَعَمَتِ الْمُعَطِّلَةُ الْجَهْمِيَّةُ ، لأَنَّ وَجْهَ اللَّهِ لَوْ كَانَ اللَّهَ لَقُرِئَ : " وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكِ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ " فَمَا لِمَنْ لا يَفْهَمُ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ ، وَوَضْعَ الْكُتُبِ عَلَى عُلَمَاءِ أَهْلِ الآثَارِ ، الْقَائِلِينَ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَزَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ ، أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَمُتَّبِعِي الآثَارِ , الْقَائِلِينَ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الْمُثْبِتِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ صِفَاتِهِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ ، فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ الْمُثْبَتِ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ مَوْصُولا إِلَيْهِ مُشَبِّهَةً ، جَهْلا مِنْهُمْ بِكِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، الَّذِينَ بِلُغَتِهِمْ خُوطِبْنَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي ذِكْرِ وَجْهِ رَبِّنَا بِمَا فِيهِ الْغِنْيَةُ وَالْكِفَايَةُ , وَنُزِيدُهُ شَرْحًا ، فَاسْمَعُوا الآنَ أَيُّهَا الْعُقَلاءُ , مَا نَذْكُرُ مِنْ جِنْسِ اللُّغَةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْعَرَبِ ، هَلْ يَقَعُ اسْمُ الْمُشَبِّهَةِ عَلَى أَهْلِ الآثَارِ وَمُتَّبِعِي السُّنَنِ ؟ نَحْنُ نَقُولُ : وَعُلَمَاؤُنَا جَمِيعًا فِي جَمِيعِ الأَقْطَارِ : إِنَّ لِمَعْبُودِنَا عَزَّ وَجَلَّ وَجْهًا كَمَا أَعْلَمَنَا اللَّهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ ، فَذَوَّاهُ بِالْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ، وَحَكَمَ لَهُ بِالْبَقَاءِ ، وَنَفَى عَنْهُ الْهَلاكَ ، وَنَقُولُ : إِنَّ لِوَجْهِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنَ النُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالْبَهَاءِ مَا لَوْ كَشَفَ حِجَابَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ ، مَحْجُوبٌ عَنْ أَبْصَارِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، لا يَرَاهُ بَشَرٌ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ . وَنَقُولُ : إِنَّ وَجْهَ رَبِّنَا الْقَدِيمِ لا يَزَالُ بَاقِيًا ، فَنَفَى عَنْهُ الْهَلاكَ وَالْفَنَاءَ , وَنَقُولُ : إِنَّ لِبَنِي آدَمَ وُجُوهًا كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْهَلاكَ ، وَنَفَى عَنْهَا الْجَلالَ وَالإِكْرَامَ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ بِالنُّورِ وَالضِّيَاءِ وَالْبَهَاءِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ . تُدْرِكُ وُجُوهُ بَنِي آدَمَ أَبْصَارَ أَهْلِ الدُّنْيَا ، لا تُحْرَقُ لأَحَدٍ شَعْرَةٌ فَمَا فَوْقَهَا ، لِنَفْيِ السُّبُحَاتِ عَنْهَا ، الَّتِي بَيَّنَهَا نَبِيُّنَا الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَجْهِ خَالِقِنَا . وَنَقُولُ : إِنَّ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ مُحْدَثَةٌ مَخْلُوقَةٌ ، لَمْ تَكُنْ ، فَكَوَّنَهَا اللَّهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَخْلُوقَةً ، أَوْجَدَهَا بَعْدَ مَا كَانَتْ عَدَمًا ، وَإِنَّ جَمِيعَ وُجُوهِ بَنِي آدَمَ فَانِيَةٌ غَيْرُ بَاقِيَةٍ ، تَصِيرُ جَمِيعًا مَيْتًا ، ثُمَّ تَصِيرُ رَمِيمًا ، ثُمَّ يُنْشِئُهَا اللَّهُ بَعْدَ مَا قَدْ صَارَتْ رَمِيمًا ، فَتَلْقَى مِنَ النُّشُورِ وَالْحَشْرِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِهَا فِي الْقِيَامَةِ ، وَمِنَ الْمُحَاسَبَةِ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَكَسْبِهُ فِي الدُّنْيَا مَا لا يَعْلَمُ صِفَتَهُ غَيْرُ الْخَالِقِ الْبَارِئِ . ثُمَّ تَصِيرُ إِمَّا إِلَى جَنَّةٍ مُنَعَمَّةً فِيهَا ، أَوْ إِلَى النَّارِ مُعَذَّبَةً فِيهَا ، فَهَلْ يَخْطِرُ يَا ذَوِي الْحِجَا بِبَالِ عَاقِلٍ مُرَكَّبٍ فِيهِ الْعَقْلُ ، يَفْهَمُ لُغَةَ الْعَرَبِ ، وَيَعْرِفُ خِطَابَهَا ، وَيَعْلَمُ التَّشْبِيهَ ، أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ شَبِيهٌ بِذَاكَ الْوَجْهِ ؟ وَهَلْ هَا هُنَا أَيُّهَا الْعُقَلاءُ , تَشْبِيهُ وَجْهِ رَبِّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِي كَمَا وَصَفْنَا وَبَيَّنَا صِفَتَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِتَشْبِيهِ وُجُوهِ ابْنِ آدَمَ ، الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَوَصَفْنَاهَا ؟ غَيْرُ اتِّفَاقِ اسْمِ الْوَجْهِ ، وَإِيقَاعِ اسْمِ الْوَجْهِ عَلَى وَجْهِ بَنِي آدَمَ ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ وَجْهَهُ وَجْهًا ، وَلَوْ كَانَ تَشْبِيهًا مِنْ عُلَمَائِنَا لَكَانَ كُلُّ قَائِلٍ : أَنَّ لِبَنِي آدَمَ وَجْهًا , وَلِلْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ ، وَالْكِلابِ ، وَالسِّبَاعِ ، وَالْحَمِيرِ ، وَالْبِغَالِ ، وَالْحَيَّاتِ ، وَالْعَقَارِبِ ، وُجُوهًا ، قَدْ شَبَّهَ وُجُوهَ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ ، وَالْكِلابِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذَكَرْتُ . وَلَسْتُ أَحْسَبُ أَنَّ عَقْلَ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلَةِ عِنْدَ نَفْسِهِ ، لَوْ قَالَ لَهُ أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيْهِ : وَجْهُكَ يُشْبِهُ وَجْهَ الْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ ، وَالدُّبِّ ، وَالْكَلْبِ ، وَالْحِمَارِ ، وَالْبَغْلِ وَنَحْوَ هَذَا إِلا غَضِبَ ، لأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ سُوءِ الأَدَبِ فِي الْفُحْشِ فِي الْمِنْطَقِ مِنَ الشَّتْمِ لِلْمُشَبَّهِ وَجْهِهِ بِوَجْهِ مَا ذَكَرْنَا ، وَلَعَلَّهُ بَعْدُ يَقْذِفُهُ , وَيَقْذِفُ أَبَوَيْهِ . وَلَسْتُ أَحْسَبُ أَنَّ عَاقِلا يَسْمَعُ هَذَا الْقَائِلَ الْمُشَبِّهَ وَجْهَ ابْنَ آدَمَ بِوُجُوهِ مَا ذَكَرْنَا إِلا وَيَرْمِيهِ بِالْكَذِبِ ، وَالزُّورِ ، وَالْبَهْتِ أَوْ بِالْعَتَهِ ، وَالْخَبَلِ ، أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِزَوَالِ الْعَقْلِ ، وَرَفْعِ الْقَلَمِ ، لِتَشْبِيهِ وَجْهِ ابْنِ آدَمَ بِوُجُوهِ مَا ذَكَرْنَا . فَتَفَكَّرُوا يَا ذَوِي الأَلْبَابِ ، أَوُ وُجُوهُ مَا ذَكَرْنَا أَقْرَبُ شَبَهًا بِوُجُوهِ بَنِي آدَمَ , أَوْ وَجْهُ خَالِقِنَا بِوُجُوهِ بَنِي آدَمَ ؟ فَإِذَا لَمْ تُطْلِقِ الْعَرَبُ تَشْبِيهَ وُجُوهِ بَنِي آدَمَ بِوُجُوهِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ السِّبَاعِ وَاسْمِ الْوَجْهِ , قَدْ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ وجُوهِهَا كَمَا يَقَعُ اسْمُ الْوَجْهِ عَلَى وجُوهِ بَنِي آدَمَ , فَكَيْفَ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ لَنَا : أَنْتُمْ مُشَبِّهَةٌ ؟ . وَوُجُوهُ بَنِي آدَمَ وَوُجُوهُ مَا ذَكَرْنَا مِنَ السِّبَاعِ وَالْبَهَائِمِ مُحْدَثَةٌ ، كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ ، قَدْ قَضَى اللَّهُ فَنَاءَهَا وَهَلاكَهَا ، وَقَدْ كَانَتْ عَدَمًا , فَكَوَّنَهَا اللَّهُ وَخَلَقَهَا وَأَحْدَثَهَا , وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالْبَهَائِمِ لِوُجُوهِهَا أَبْصَارٌ , وَخُدُودٌ وَجُبَاةٌ ، وَأُنُوفٌ وَأَلْسِنَةٌ ، وَأَفْوَاهٌ ، وَأَسْنَانٌ ، وَشِفَاهٌ . وَلا يَقُولُ مُرَكَّبٌ فِيهِ الْعَقْلُ لأَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ : وَجْهُكَ شَبِيهٌ بِوَجْهِ الْخِنْزِيرِ ، وَلا عَيْنُكَ شَبِيهٌ بِعَيْنِ قِرْدٍ ، وَلا فَمُكَ فَمُ دُبٍّ ، وَلا شَفَتَاكَ كَشَفَتَيْ كَلْبٍ ، وَلا خَدُّكَ خَدُّ ذِئْبٍ إِلا عَلَى الْمُشَاتَمَةِ ، كَمَا يَرْمِي الرَّامِي الإِنْسَانَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ . فَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا عَلَى مَا وَصَفْنَا ثَبَتَ عِنْدَ الْعُقَلاءِ وَأَهْلِ التَّمْيِيزِ ، أَنَّ مَنَ رَمَى أَهْلَ الآثَارِ الْقَائِلِينَ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّشْبِيهِ فَقَدَ قَالَ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ ، وَالزُّورَ وَالْبُهْتَانَ ، وَخَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ , وَخَرَجَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ . وَزَعَمَتِ الْمُعَطِّلَةُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ : أَنَّ مَعْنَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي الآيِ : الَّتِي تَلَوْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَفِي الأَخْبَارِ الَّتِي رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ : وَجْهُ الْكَلامِ ، وَوَجْهُ الثَّوْبِ ، وَوَجْهُ الدَّارِ ، فَزَعَمَتْ لِجَهْلِهَا بِالْعِلْمِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَجْهُ اللَّهِ : كَقَوْلِ الْعَرَبِ : وَجْهُ الْكَلامِ ، وَوَجْهُ الدَّارِ ، وَوَجْهُ الثَّوْبِ ، وَزَعَمَتْ أَنَّ الْوُجُوهَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ . وَهَذِهِ فَضِيحَةٌ فِي الدَّعْوَى ، وَوُقُوعٌ فِي أَقْبَحِ مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَهْرَبُونَ مِنْهُ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : أَفَلَيْسَ كَلامُ بَنِي آدَمَ ، وَالثِّيَابُ وَالدُّورُ مَخْلُوقَةً ؟ فَمَنْ زَعَمَ مِنْكُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَجْهُ اللَّهِ : كَقَوْلِ الْعَرَبِ : وَجْهُ الْكَلامِ ، وَوَجْهُ الْكَلامِ ، وَوَجْهُ الثَّوْبِ ، وَوَجْهُ الدَّارِ ، أَلَيْسَ قَدْ شَبَّهَ عَلَى أَصْلِكُمْ وَجْهَ اللَّهِ بِوَجْهِ الْمُوتَانِ ؟ لِزَعْمِكُمْ يَا جَهَلَةُ أَنَّ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالآثَارِ , الْقَائِلِينَ بِكِتَابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّهِ وَجْهٌ وَعَيْنَانِ ، وَنَفَسٌ ، وَأَنْ يُبْصِرَ وَيَرَى وَيَسْمَعَ : أَنَّهُ مُشَبِّهٌ عِنْدَكُمْ خَالِقَهُ بِالْمَخْلُوقِينَ ، حَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالأَثَرِ شَبَّهَ خَالِقَهُ بأَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ . فَإِذَا كَانَ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ بِجَهْلِكُمْ ، فَأَنْتُمْ شَبَّهْتُمْ مَعْبُودَكُمْ بِالْمُوتَانِ . نَحْنُ نُثْبِتُ لِخَالِقِنَا جَلَّ وَعَلا صِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا ثَبَتَ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنِ الْعَدْلِ مَوْصُولا إِلَيْهِ . وَنَقُولُ كَلامًا مَفْهُومًا مَوْزُونًا ، يَفْهَمُهُ كُلُّ عَاقِلٍ نَقُولُ : لَيْسَ إِيقَاعُ اسْمِ الْوَجْهِ لِلْخَالِقِ الْبَارِئِ بِمُوجِبٍ عِنْدَ ذَوِي الْحِجَا وَالنُّهَى أَنَّهُ يُشَبِّهُ وَجْهَ الْخَالِقِ بِوُجُوهِ بَنِي آدَمَ . قَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ جَلَّ وَعَلا فِي الآيِ الَّتِي تَلَوْنَاهَا قَبْلُ أَنَّ اللَّهَ وَجْهًا ، ذَوَّاهُ بِالْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ، وَنَفَى الْهَلاكَ عَنْهُ ، وَخَبَّرْنَا فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى ، فَقَالَ جَلَّ وَعَلا لِكَلِيمِهِ مُوسَى وَلأَخِيهِ هَارُونَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى سورة طه آية 46 ، وَمَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ كَالأَصْنَامِ , الَّتِي هِيَ مِنَ الْمُوتَانِ . أَلَمْ تَسْمَعْ مُخَاطَبَةَ خَلِيلِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَبَاهُ : يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا سورة مريم آية 42 ؟ أَفَلا يَعْقِلُ يَا ذَوِي الْحِجَا مَنْ فَهِمَ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذَا : أَنَّ خَلِيلَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ لا يُوَبِّخُ أَبَاهُ عَلَى عِبَادَةِ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ , ثُمَّ يَدْعُو إِلَى عِبَادَةِ مَنْ لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ، وَلَوْ قَالَ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لأَبِيهِ : أَدْعُوكَ إِلَى رَبِّي الَّذِي لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ ، لأَشْبَهَ أَنْ يَقُولَ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَعْبُودِكَ وَمَعْبُودِي ؟ . وَاللَّهُ قَدْ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى ، وَالْمُعَطِّلَةُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ تُنْكِرُ كُلَّ صِفَةٍ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلا وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَهْلِهِمْ بِالْعِلْمِ ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا { 43 } أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا سورة الفرقان آية 43-44 . فَأَعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ مَنْ لا يَسْمَعُ وَلا يَعْقِلُ كَالأَنْعَامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا ، فَمَعْبُودُ الْجَهْمِيَّةِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ كَالأَنْعَامِ الَّتِي لا تَسْمَعُ وَلا تُبْصِرُ وَاللَّهُ قَدْ ثَبَتَ لِنَفْسِهِ : أَنَّهُ يَسْمَعُ وَيَرَى ، وَالْمُعَطِّلَةُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ تُنْكِرُ كُلَّ صِفَةٍ لِلَّهِ وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَهْلِهِمْ بِالْعِلْمِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْقُرْآنِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْقَعَ أَسْمَاءً مِنْ أَسْمَاءِ صِفَاتِهِ عَلَى بَعْضِ خَلْقِهِ ، فَتَوَهَّمُوا لِجَهْلِهِمْ بِالْعِلْمِ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ ، قَدْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ ، فَاسْمَعُوا يَا ذَوِي الْحِجَا مَا أُبَيِّنُ مِنْ جَهْلِ هَؤُلاءِ الْمُعَطِّلَةِ . أَقُولُ : وَجَدْتُ اللَّهَ وَصَفَ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ ، فَأَعْلَمَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ , فَقَالَ : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ سورة الشورى آية 11 ، وَذَكَرَ عَزَّ وَجَلَّ الإِنْسَانَ فَقَالَ : فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا سورة الإنسان آية 2 ، وَأَعْلَمَنَا جَلَّ وَعَلا أَنَّهُ يَرَى ، فَقَالَ : وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ سورة التوبة آية 105 ، وَقَالَ لِمُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى سورة طه آية 46 , فَأَعْلَمَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ يَرَى أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ ، وَأَنَّ رَسُولَهُ وَهُوَ بَشَرٌ يَرَى أَعْمَالَهُمْ أَيْضًا ، وَقَالَ : أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ سورة النحل آية 79 ، وَبَنُو آدَمَ يَرَوْنَ أَيْضًا الطَّيْرَ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ , وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا سورة هود آية 37 ، وَقَالَ : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا سورة القمر آية 14 , وَقَالَ : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا سورة الطور آية 48 , فَثَبَّتَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ عَيْنًا ، وَثَبَّتَ لِبَنِي آدَمَ أَعْيُنًا ، فَقَالَ : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ سورة المائدة آية 83 فَقَدْ خَبَّرَنَا رَبُّنَا : أَنَّ لَهُ عَيْنًا ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ لِبَنِيَ آدَمَ أَعْيُنًا ، وَقَالَ لإِبْلِيسَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 , وَقَالَ : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ سورة المائدة آية 64 , وَقَالَ : وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سورة الزمر آية 67 ، فَثَبَّتَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلا لِنَفْسِهِ يَدَيْنِ ، وَخَبَّرَنَا أَنَّ لِبَنِيَ آدَمَ يَدَيْنِ ، فَقَالَ : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ سورة آل عمران آية 182 ، وَقَالَ : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ سورة الحج آية 10 , وَقَالَ : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ سورة الفتح آية 10 , وَقَالَ : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى سورة طه آية 5 . وَخَبَّرَنَا : أَنَّ رُكْبَانَ الدَّوَابِّ يَسْتَوُونَ عَلَى ظُهُورِهَا ، وَقَالَ فِي ذِكْرِ سَفِينَةِ نُوحٍ : وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ سورة هود آية 44 ، أَفَيَلْزَمُ ذَوِي الْحِجَا عِنْدَ هَؤُلاءِ الْفَسَقَةِ أَنَّ مَنْ ثَبَّتَ لِلَّهِ مَا يُثَبِّتُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الآيِ أَنْ يَكُونَ مُشَبِّهًا خَالِقَهُ بِخَلْقِهِ ، حَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَشْبِيهًا كَمَا ادَّعَوْا لِجَهْلِهِمْ بِالْعِلْمِ ، نَحْنُ نَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ كَمَا أَعْلَمَنَا خَالِقُنَا وَبَارِئُنَا ، وَنَقُولُ مَنْ لَهُ سَمْعٌ وَبَصَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ : فَهُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، وَلا نَقُولُ : إِنَّ هَذَا تَشْبِيهُ الْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ . وَنَقُولُ : إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدَيْنِ ، يَمِينَيْنِ لا شِمَالَ فِيهِمَا ، قَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ لَهُ يَدَيْنِ ، وَخَبَّرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا : يَمِينَانِ لا شِمَالَ فِيهِمَا ، وَنَقُولُ : إِنَّ مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ سَلِيمُ الْجَوَارِحِ وَالأَعْضَاءِ فَلَهُ يَدَانِ : يَمِينٌ وَشِمَالٌ . وَلا نَقُولُ : إِنَّ يَدَ الْمَخْلُوقِينَ كَيَدِ الْخَالِقِ , عَزَّ رَبُّنَا عَنْ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ كَيَدِ خَلْقِهِ ، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ لَنَا نَفْسَهُ عَزِيزًا ، وَسَمَّى بَعْضَ الْمُلُوكِ عَزِيزًا ، فَقَالَ : وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ سورة يوسف آية 30 ، وَسَمَّى أُخُوَّةُ يُوسُفَ أَخَاهُمْ يُوسُفَ : عَزِيزًا ، فَقَالُوا : يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا سورة يوسف آية 78 ، وَقَالَ : قَالُوا يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ سورة يوسف آية 88 ، فَلَيْسَ عِزَّةُ خَالِقِنَا الْعِزَّةَ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ ، كَعِزَّةِ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِينَ أَعَزَّهُمُ اللَّهُ بِهَا ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ اسْمٍ سَمَّى اللَّهُ لَنَا بِهِ نَفْسَهُ وَأَوْقَعَ ذَلِكَ الاسْمَ عَلَى بَعْضِ خَلْقِهِ : كَانَ ذَلِكَ تَشْبِيهَ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ عَلَى مَا تَوَهَّمَ هَؤُلاءِ الْجَهَلَةُ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ ، لَكَانَ كُلُّ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَصَدَّقَهُ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ قُرْآنٌ وَوَحْيٌ ، وَتَنْزِيلٌ ، قَدْ شَبَّهَ خَالِقَهُ بِخَلْقِهِ . وَقَدْ أَعْلَمَنَا رَبُّنَا تَبَارَكَ تَعَالَى أَنَّهُ الْمَلِكُ ، وَسَمَّى بَعْضَ عَبِيدِهِ مَلِكًا فَقَالَ : وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ سورة يوسف آية 50 ، وَأَعْلَمَنَا جَلَّ جَلالُهُ أَنَّهُ الْعَظِيمُ ، وَسَمَّى بَعْضَ عَبِيدِهِ عَظِيمًا ، فَقَالَ : وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ سورة الزخرف آية 31 ، وَسَمَّى اللَّهُ بَعْضَ خَلْقِهِ عَظِيمًا فَقَالَ : وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سورة التوبة آية 129 ، فَاللَّهُ الْعَظِيمُ ، وَأَوْقَعَ اسْمَ الْعَظِيمِ عَلَى عَرْشِهِ ، وَالْعَرْشُ مَخْلُوقٌ ، وَرَبُّنَا الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ , فَقَالَ : السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سورة الحشر آية 23 ، وَسَمَّى بَعْضَ الْكُفَّارِ مُتَكَبِّرًا جَبَّارًا ، فَقَالَ : كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ سورة غافر آية 35 وَبَارِئُنَا عَزَّ وَجَلَّ الْحَفِيظُ الْعَلِيمُ ، وَخَبَّرَنَا أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ لِلْمَلِكِ : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ سورة يوسف آية 55 ، وَقَالَ : وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ سورة الذاريات آية 28 ، وَقَالَ : بِغُلامٍ حَلِيمٍ سورة الصافات آية 101 ، فَالْحَلِيمُ وَالْعَلِيمُ اسْمَانِ لِمَعْبُودِنَا جَلَّ وَعَلا ، قَدْ سَمَّى اللَّه بِهِمَا بَعْضَ بَنِي آدَمَ ، وَلَوْ لَزِمَ يَا ذَوِي الْحِجَا أَهْلَ السُّنَّةِ وَالآثَارِ إِذًا أَثْبَتُوا لِمَعْبُودِهِمْ يَدَيْنِ كَمَا ثَبَّتْهُمَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَثَبَّتُوا لَهُ نَفْسًا عَزَّ رَبُّنَا وَجَلَّ ، وَإِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، يَسْمَعُ وَيَرَى ، مَا ادَّعَى هَؤُلاءِ الْجَهَلَةُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مُشَبِّهَةٌ ، لَلَزِمَ كُلُّ مَنْ سَمَّى اللَّهُ مَلِكًا ، أَوْ عَظِيمًا , وَرَءُوفًا ، وَرَحِيمًا ، وَجَبَّارًا ، وَمُتَكَبِّرًا ، أَنَّهُ قَدْ شَبَّهَ خَالِقَهُ عَزَّ وَجَلَّ بِخَلْقِهِ ، حَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ مَنْ وَصَفَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلا بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ ، فِي كِتَابِهِ ، أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشَبِّهًا خَالِقَهُ بِخَلْقِهِ . فَأَمَّا احْتِجَاجُ الْجَهْمِيَّةِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالآثَارِ فِي هَذَا النَّحْوِ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ سورة الشورى آية 11 ، فَمَنِ الْقَائِلُ إِنَّ لِخَالِقِنَا مِثْلًا ؟ أَوْ إِنَّ لَهُ شَبِيهًا ؟ وَهَذَا مِنَ التَّمْوِيهِ عَلَى الرِّعَاعِ وَالسُّفْلِ ، يُمَوِّهُونَ هَذَا عَلَى الْجُهَّالِ , يُوهِمُونَهُمْ أَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ شَبَّهَ الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ ، وَكَيْفَ يَكُونُ يَا ذَوِي الْحِجَا خَلْقُهُ مِثْلَهُ ؟ . نَقُولُ : اللَّهُ الْقَدِيمُ لَمْ يَزَلْ ، وَالْخَلْقُ مُحْدَثٌ مَرْبُوبٌ ، وَاللَّهُ الرَّازِقُ ، وَالْخَلْقُ مَرْزُوقُونَ ، وَاللَّهُ الدَّائِمُ الْبَاقِي وَخَلْقُهُ هَالِكٌ غَيْرُ بَاقٍ ، وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ ، وَالْخَلْقُ فُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ خَالِقِهِمْ ، وَلَيْسَ فِي تَسْمِيَتِنَا بَعْضَ الْخَلْقِ بِبَعْضِ أَسَامِي اللَّهِ بِمُوجِبٍ عِنْدَ الْعُقَلاءِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ خِطَابَهُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّكُمْ شَبَّهْتُمُ اللَّهَ بِخَلْقِهِ ، إِذْ أَوْقَعْتُمْ أَسَامِيَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ , وَهَلْ يُمْكِنُ عِنْدَ هَؤُلاءِ الْجُهَّالِ حَلُّ هَذِهِ الأَسَامِي مِنَ الْمَصَاحِفِ أَوْ مَحْوُهَا مِنْ صُدُورِ أَهْلِ الْقُرْآنِ ؟ أَوْ تَرْكُ تِلاوَتِهَا فِي الْمَحَارِيبِ وَفِي الْجُدُورِ وَالْبُيُوتِ ؟ أَلَيْسَ قَدْ أَعْلَمَنَا مُنَزِّلُ الْقُرْآنِ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْمَلِكُ ؟ وَسَمَّى بَعْضَ عَبِيدِهِ مَلِكًا ، وَخَبَّرَنَا أَنَّهُ السَّلامُ ، وَسَمَّى تَحِيَّةَ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَهُمْ سَلامًا فِي الدُّنْيَا وَفِي الْجَنَّةِ ، فَقَالَ : تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ سورة الأحزاب آية 44 ، وَنَبِيُّنَا الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ يَقُولُ يَوْمَ فَرَاغِهِ مِنْ تَسْلِيمِ الصَّلاةِ : " اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ , وَمِنْكَ السَّلامُ " ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا سورة النساء آية 94 . فَثَبَتَ بِخَبَرِ اللَّهِ : أَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلامُ , كَمَا فِي قَوْلِهِ : السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ سورة الحشر آية 23 , وَأَوْقَعَ هَذَا الاسْمَ عَلَى غَيْرِ الْخَالِقِ الْبَارِئِ ، وَأَعْلَمَنَا عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ الْمُؤْمِنُ ، وَسَمَّى بَعْضَ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ سورة الأنفال آية 2 ، وَقَالَ : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ سورة النور آية 62 الآيَةَ , وَقَالَ : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا سورة الحجرات آية 9 ، وَقَالَ : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ سورة الأحزاب آية 35 ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ اللَّهَ خَبَّرَ أَنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّهُ جَعَلَ الإِنْسَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ، فَقَالَ : هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ سورة الإنسان آية 1 إِلَى قَوْلِهِ : فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا سورة الإنسان آية 2 . وَاللَّهُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ ، وَخَبَّرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَنْزِلُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ حَكَمًا عَدْلا وَإِمَامًا مُقْسِطًا ، وَالْمُقْسِطُ أَيْضًا اسْمٌ مِنْ أَسَامِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ