73 حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ ° ، حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الأصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ ° ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الفَخَّارِ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى ° ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ° ، نَا يَحْيَى ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَيْنِ ° ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ ° مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ ، أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَة ° رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ، يَقُولُ : " صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ "
وَفِي الرّوَايَة الأخْرَى : " ما قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ " الْحَدِيث بِقِصَّتِه فأخْبَر بِنَفْي الحَالَتَيْن وَأنَّهَا لَم تَكُن ، وَقَد كَان أَحَد ذَلِك كَمَا قَال ذُو اليَدَيْن قَد كَان بَعْض ذَلِك يَا رَسُول اللَّه ، فاعْلَم وَفَّقَنَا اللَّه وَإيَّاك أَنّ الْعُلمَاء فِي ذَلِك أجْوبَة بَعْضُهَا بِصَدَد الإنْصَاف وَمِنْهَا مَا هُو بِنِيَّة التَّعَسُّف والاعْتِسَاف ، وها أَنَا أقُول : أَمَّا عَلَى القَوْل بِتَجْوِيز الْوَهْم وَالغَلَط مِمَّا لَيْس طَرِيقُه مِن القَوْل الْبَلَاغ ، وَهُو الَّذِي زَيَّفْنَاه مِن القَوْلَيْن فَلَا اعْتِرَاض بَهَذَا الْحَدِيث وَشِبْهِه ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَب من يَمْنَع السَّهْو وَالنّسْيَان فِي أفْعَالِه جُمْلَة ، وَيَرَى أنَّه فِي مثل هَذَا عَامِد لِصُورَة النّسْيَان لِيَسُنّ فَهُو صَادِق فِي خَبَره لِأَنَّه لَم يَنْس وَلَا قَصُرَت وَلكِنه عَلَى هَذَا القول تَعَمَّد هَذَا الفِعْل هَذِه الصورة لِيَسُنَّا لِمَن اعْتَرَاه مِثْلُه ، وَهُو قَوْل مَرْغُوب عَنْه نَذْكُرُه فِي مَوْضِعِه وَأَمَّا عَلَى إحَالَة السَّهْو عَلَيْه فِي الْأَقْوَال ، وَتَجْويز السَّهْو عَلَيْه فَمَا لَيْس طَرِيقُه القَوْل كَمَا سَنَذْكُرُه فَفيه أجْوِبَة مِنْهَا ، أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أخْبَر عَن اعْتِقَادِه وَضَمِيره أَمَّا إنْكار القَصْر فَحَقّ وصِدْق بَاطنًا وَظَاهِرًا ، وَأَمَّا النّسْيَان فأخْبَر صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن اعْتِقَادِه وَأنَّه لَم يَنْس فِي ظَنّه ، فَكأنه قَصَد الخبر بَهَذَا عَن ظَنّه وإن لَم يَنْطِق بِه وَهَذَا صِدْق أيْضًا ، وَوَجْه ثَان : أَنّ قَوْلَهُ وَلَم أنْس رَاجِع إِلَى السَّلَام ، أَي أَنّي سَلَّمْت قَصْدًا وَسَهَوْت عَن العدد أَي لَم أسْه فِي نَفْس السَّلَام وَهَذَا مُحْتَمل وَفِيه بَعْد ، وَوَجْه ثَالِث : وَهُو أبْعَدُهَا مَا ذَهَب إليْه بَعْضُهُم وَإِنِ احْتَمَله اللَّفْظ من قوله كل ذلك لم يكن أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كلن احدهما ومفهوم اللفظ خِلافُه مَع الرّوَايَة الْأُخْرَى الصحيحة وَهُو قَوْله مَا قَصُرَت الصَّلَاة وَمَا نَسِيت ، هَذَا مَا رَأَيْت فِيه لأئمَّتَنَا ، وَكُلّ من هَذِه الْوُجُوه مُحْتَمِل لِلَّفْظ عَلَى بَعْد بَعْضَهَا وَتَعَسُّف الآخَر مِنْهَا ، قَال الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل وَفَّقَه اللَّه والذي أقُول وَيَظْهَر لِي أنَّه أقْرَب من هَذِه الْوُجُوه كلها ، أن قَوْله لَم أنْس إنْكار لِلَّفْظ الذي نَفَاه عَن نَفْسِه وَأنْكَرَه عَلَى غَيْرِه ، بِقَوْلِه : " بِئْسَمَا لأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ " ، وَبِقَوْلِه فِي بَعْض رِوَايات الْحَدِيث الآخَر " لَسْتُ أَنْسَى وَلكِنْ أُنَسَّى " ، فَلَمّا قَال لَه السَّائِل : أقَصَرْتَ الصَّلَاةَ أَمْ نَسِيتَ ؟ أنْكَر قَصْرَهَا كَمَا كَان ، وَنِسْيَانُه هومن قَبْل نَفْسِه وَأنَّه إنّ كَان جَرَى شَيْء من ذَلِك فَقَد نُسّي ، حَتَّى سَأل غَيْرِه فَتَحَقَّق أنَّه نُسّي وَأُجْري عَلَيْه ذَلِك ليَسُنّ ، فَقَوْلُه عَلَى هَذَا لَم أنْس وَلَم تُقْصَر وَكُلّ ذَلِك لَم يَكُن صِدْق وَحَق لَم تُقْصَر وَلَم يَنْس حَقِيقَة وَلَكِنَّه نُسّي . وَوَجْه آخَر : اسْتَثَرْتُه من كَلَام بَعْض المَشَايخ ، وَذَلِك أنَّه قَال : إنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَان يَسْهُو وَلَا يَنْسى ، وَلِذَلِك نَفى عَن نَفْسِه النّسْيَان ، قَال : لِأَنّ النّسْيَان غَفْلَة وَآفَة وَالسَّهْو إنَّمَا هُو شُغْل ، قَال فكان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يَسْهُو فِي صَلاتِه وَلَا يَغْفُل عَنْهَا وكان يَشْغَلُه عَن حَرَكات الصَّلَاة مَا فِي الصَّلَاة شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَة عَنْهَا ، فَهَذَا إن تَحَقَّق عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَم يَكن فِي قَوْلِه " مَا قَصَرْتُ وَمَا نَسِيتُ " خُلْف فِي قول وَعِنْدِي ، أَنّ قَوْله : " مَا قَصَرْتُ الصَّلَاةَ وَمَا نَسِيتُ " ، بِمَعْنَي التَّرْك الَّذِي هُو أَحَد وَجْهَي النّسْيَان أرَاد والله أعْلَم أَنّي لَم أُسَلّم من رَكْعَتَيْن تَارِكًا لإكمَال الصَّلَاة ولكِنّي نَسِيت ، وَلَم يَكُن ذَلِك من تِلْقَاء نَفْسِي وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِك ، قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الْحَدِيث الصَّحِيح : " إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ ، وَأَمَّا قِصَّةُ كَلِمَاتِ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورَةُ أَنَّهُ كَذِباتُهُ الثَّلَاث المَنْصُوصَة فِي الْقُرْآن مِنْهَا اثْنَتَان ، قَوْله : إِنِّي سَقِيمٌ سورة الصافات آية 89 ، بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا سورة الأنبياء آية 63 ، وَقَوْلُه لِلْمَلِك عَن زَوْجَتِه : إنَّهَا أُخْتي ، فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أن هذه كلها خَارِجَة عَن الكَذِب لَا فِي القَصْد وَلَا فِي غَيْرِه ، وَهِي دَاخِلَة فِي باب المعاريض التي فِيهَا مَنْدُوحَة عَن الكَذِب ، أَمَّا قَوْلُه : إِنِّي سَقِيمٌ سورة الصافات آية 89 ، فَقَال الْحَسَن وَغَيْرُه مَعْنَاه : سَأسْقَم أَي : أَنّ كُلّ مَخْلُوق مُعَرَّض لِذَلِك ، فاعْتَذَر لِقَوْمِه مِن الخُرُوج مَعَهُم إِلَى عِيدِهِم بِهَذا ، وَقِيل : بَل سَقِيم بِمَا قُدّر عَلِيّ مِن المَوْت ، وَقِيل : سَقِيم القَلْب بِمَا أُشاهِدُه من كُفْرِكُم وَعِنَادِكُم ، وَقِيل : بَل كانت الحُمّى تَأْخُذُه عِنْد طُلُوع نَجْم مَعْلُوم فَلَمّا رَآه اعْتَذَر بِعَادتِه وَكُلّ هَذَا لَيْس فِيه كَذِب بَل خَبَر صحيح صِدْق ، وَقِيل : بَل عَرَّض بِسَقَم حُجَّتِه عَلَيْهِم ، وَضَعْف مَا أَرَاد بَيَانَه لَهُم من جِهَة النُّجُوم التي كَانُوا يَشْتَغلُون بِهَا ، وَأنَّه أثْنَاء نَظَرِه فِي ذَلِك وَقَبْل اسْتِقَامَة حُجَّتِه عَلَيْهِم فِي حال سَقْم وَمَرَض مَع أنَّه لَم يَشُكّ هُو وَلَا ضَعُف إيمَانُه وَلكِنَّه ضَعُف فِي اسْتدْلالِه وَصِحّة حُجَّته عَلَيْهِم بالكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر مَا نَصَّه اللَّه تَعَالَى وَقَدَّمْنَا بَيَانَه ، وَأَمَّا قَوْله : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا سورة الأنبياء آية 63 الآيَة ، فَإنَّه عَلَّق خَبَرَه بِشَرْط نُطْقِه ، كأنه قَال : إنّ كَان يَنْطِق فَهُو فِعْلُه عَلَى طَرِيق التَّبْكِيت لِقَوْمِه وَهَذَا صِدْق أيْضًا وَلَا خُلْف فِيه ، وَأَمَّا قَوْله : أُخْتِي فَقَد بَيْن فِي الْحَدِيث ، وَقَال : فإنك أُخْتِي فِي الْإِسْلَام وَهُو صِدْق والله تَعَالَى ، يَقُول : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ سورة الحجرات آية 10 فإن قُلْت : فَهَذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَد سَمّاهَا كَذِبَات وَقَال لَم يَكْذِب إبْرَاهِيم إلَّا ثَلَاث كَذِبَات ، وَقَال فِي حَدِيث الشَّفَاعَة : وَيَذْكُر كَذِباتِه فَمَعناه أنَّه لَم يَتَكَلَّم بِكَلَام صُورَتُه صُورَة الْكَذِب وإن كَان حَقًّا فِي الْبَاطِن إلَّا هَذِه الْكَلِمَات ، ولما كَان مَفْهُوم ظَاهِرهَا خِلَاف باطنِهَا أشْفَق إبْرَاهِيم عَلَيْه السَّلَام بِمُؤَاخَذَتِه بِهَا ، وَأَمَّا الْحَدِيث كَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم " إِذَا أَرَادَ غَزَوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا " فَلَيْس فِيه خُلْف فِي الْقَوْل إنَّمَا هُو سَتْر مَقْصِدِه لِئَلَّا يَأْخُذ عَدُوُّه حِذْرَه وَكَتَم وَجْهض ذَهَابِه بِذِكْر السُّؤال عَن موْضِع آخَر ، والْبَحْث عَن أخْبَارِه وَالتَّعْرِيض بِذِكْرِه ، لَا أنَّه يَقُول تَجَهَّزُوا إِلَى غزوة كذا أو وِجْهَتُنَا إلى موضع كذا خِلَاف مَقْصَدِه ، فَهَذَا لَم يَكُن والأول لَيْس فِيه خَبَر يَدْخُلُه الخُلْف . فإن قُلْت : فَمَا مَعْنَي قَوْل مُوسَى عَلَيْه السَّلَام ، وَقَد سُئِل أَي النَّاس أعْلَم ؟ فَقَال : أَنَا أعْلَم فَعَتَب اللَّه عَلَيْه ذَلِك إِذ لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه الْحَدِيث ، وَفِيه قَال : بَل عَبْد لَنَا بِمَجْمع الْبَحْرَين أعْلَم مِنْك وهذا خبر قد أنبأ اللَّه أنه ليس كذلك فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصَّحِيحَة ، عَن ابن عَبَّاس هَل تَعْلَم أحَدًا أعْلَم مِنْك ؟ فَإِذَا كَان جُوَابُه عَلَى عِلْمِه فَهُو خَبَر حَق وَصِدْق لَا خُلْف فِيه ولا شبهة ، وعلى الطريق الآخر ، فمحمله على ظنه ، ومعتقده كما لو صرح به لأن حاله في النبوة ، ولاصطفاء يقتضي ذلك فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده ، وحسبانه صدقا لاخلف فيه وَقَد يُرِيد بِقَوْلِه أَنَا أعْلَم بِمَا يَقْتَضِيه وَظَائِف النُّبُوَّة من عُلُوم التَّوْحِيد وَأمُور الشَّرِيعَة وَسِيَاسَة الْأُمَّة ، وَيَكُون الخَضر أَعْلَم مِنْه بِأُمُور أخَر مِمَّا لَا يَعْلَمُه أحَد إلَّا بإعْلام اللَّه من عُلُوم غَيْبِه كَالقِصَص المَذْكُورَة فِي خَبَرِهِمَا ، فكان مُوسَى عَلَيْه السَّلَام أعْلَم عَلَى الْجُمْلَة بِمَا تَقَدَّم وَهَذَا أَعْلَم ، عَلَى الْخُصُوص بِمَا أُعْلِم وَيَدُلّ عَلَيْه قَوْله تَعَالَى : وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا سورة الكهف آية 65 ، وَعَتْب اللَّه ذَلِك عَلَيْه ، فِيمَا قَالَه الْعُلمَاء إنْكَار هَذَا القَوْل عَلَيْه لِأَنَّه لَم يَرُدّ الْعِلْم إليه ، كَمَا قَالَت الْمَلَائِكَة : لَا عِلم لَنَا إلَّا مَا عَلَّمْتنَا . أو لِأَنَّه لَم يَرْض قَوْله شَرْعًا ، وَذَلِك والله أعْلَم لِئَلَّا يَقْتَدي بِه فِيه من لَم يَبْلُغ كماله فِي تَزْكِيَة نَفْسِه وَعُلُوّ دَرَجته من أمَّتَه فَيَهْلِك ، لَمّا تَضَمَّنَه من مَدْح الْإِنْسَان نَفْسَه وَيُورثُه ذَلِك مِن الْكِبْر وَالعُجْب والتَّعَاطِي والدَّعْوَى ، وإن نُزّه عَن هَذِه الرَّذَائِل الْأَنْبِيَاء فَغَيْرُهُم بمَدْرَجَة سَبِيلِهَا وَدَرَك لَيلِها إلَّا من عَصَمَه اللَّه ، فالتّحَفُّظ مِنْهَا أوْلَى لِنَفْسِه وَلِيُقْتَدَى بِه ، ولهذا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم تَحَفُظًا من مثل هذا مما قَد عُلِم بِه : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ " ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إِحْدَى حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِنُبُوَّةِ الْخَضِرِ ، لِقَوْلِهِ فِيهِ : " أَنَا أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى ، وَلَا يَكُونُ الْوَلِيُّ أَعْلَمَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَيَفَاضَلُونَ فِي الْمَعَارِفِ وَبِقَوْلِهِ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ، فَدَلَّ أَنَّهُ بِوَحْيٍ ، وَمَنْ قَالَ : أَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ ، قَالَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ بِأَمْرِ نَبِيٍّ آخَرَ ، وَهَذَا يَضْعُفُ لِأَنَّهُ مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى نَبِيٌّ غَيْرُهُ إِلَّا أَخَاهُ هَارُونَ ، وَمَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ، وَإِذَا جَعَلْنَا أَعْلَمَ مِنْكَ لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ وَفِي قَضَايَا مُعَيَّنَةً لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ خِضْرٍ ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشَّيُوخِ : كَان مُوسَى أَعْلَم مِن الخَضر فِيمَا أخَذ عَن اللَّه ، وَالخَضِر أَعْلَم فِيمَا دُفِع إليْه من مُوسَى ، وَقَال آخَر إنَّمَا أُلجِئ مُوسَى إِلَى الخَضِر لِلتَّأْدِيب لَا لِلتَّعْلِيم . فصل وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بالجَوَارِح مِن الْأعْمَال وَلَا يَخْرُج من جُمْلَتِهَا القَوْل باللّسَان فِيمَا عَدَا الْخَبَر الَّذِي وَقَع فِيه الْكَلَام ، وَلَا الاعْتِقَاد بالْقَلْب فِيمَا عدا التَّوْحِيد ، وَمَا قَدَّمْنَاه من مَعَارِفِه الْمُخْتَصة بِه ، فأجْمَع الْمُسْلِمُون عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَاحِش وَالْكَبَائِر الْمُوبِقات ، وَمُسْتَنَد الْجُمْهُور فِي ذَلِك الإجْماع الَّذِي ذَكَرَنَاه وَهُو مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي بَكْر ، وَمَنَعَهَا غَيْرِه بِدَلِيل الْعَقْل مَع الإجْماع وَهُو قَوْل الكَافة ، وَاخْتَارَه الْأَسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق وَكَذَلِك لَا خِلَاف أَنَّهُم مَعْصُومُون من كِتْمَان الرِّسَالَة وَالتَّقْصِير فِي التَّبْلِيغ ، لِأَنّ كُلّ ذلك يَقْتَضِي الْعِصْمَة مِنْه الْمُعْجِزَة مَع الإجْماع عَلَى ذَلِك مِن الْكَافَّة ، وَالْجُمْهُور قائل : بِأَنَّهُم مَعْصُومُون من ذَلِك من قَبْل اللَّه مُعَصِمُون معتصمون باخْتِيَارِهِم وَكَسبِهِم إلَّا حُسَيْنًا النَّجَار ، فَإنَّه قَال : لَا قُدْرَة لهم على المَعَاصِي أصْلًا ، وَأَمَّا الصَّغَائِر فَجَوَّزَهَا جَمَاعَة مِن السَّلَف وَغَيْرِهِم عَلَى الْأَنْبِيَاء ، وَهُو مَذْهب أبي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَغَيْرُه مِن الْفُقَهَاء وَالْمُحَدّثِين وَالْمُتَكَلّمِين ، وَسنُورِد بعد هذا ما احْتجوا بِه ، وذَهَبَت طَائِفَة أُخْرَى على الْوَقْف ، وقالوا : الْعَقْل لَا يُحِيل وُقُوعَها مِنْهُم يَأْت فِي الشّرْع قاطع بِأحد الْوَجهَين ، وذَهَبَت طَائِفَة أُخْرَى مِن المُحَقّقِين مِن الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلَّمِين إِلَى عِصْمَتِهم مِن الصَّغَائِر كعِصْمَتِهِم مِن الْكَبَائِر ، قَالُوا : لاخْتِلَاف النَّاس فِي الصَّغَائِر وَتَعْيينِها فِي الْكَبَائِر وَإشْكال ذَلِك ، وَقَوْل ابن عَبَّاس ، وَغَيْرُه : إنّ كُلّ مَا عُصِي اللَّه بِه فَهُو كَبِيرَة وَأنَّه إنَّمَا سُمّي مِنْهَا الصَّغِير بالإضَافَة إلى مَا هُو أكْبَر مِنْه ، وَمَخَالفة الْبَاري فِي أي أمْر كَان يَجِب كَوْنُه كَبيرَة ، قَال الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد عَبْد الوَهَّاب : لَا يُمْكِن أن يُقَال إنّ فِي مَعَاصِي اللَّه صَغِيرَة إلَّا عَلَى مَعْنَي أنَّهَا تُغُتَفَر باجْتِنَاب الكَبَائِر ، وَلَا يَكُون لَهَا حُكم مَع ذَلِك بِخِلَاف الكَبَائِر إذَا لَم يُتب مِنْهَا فَلَا يُحْبِطُهَا شَيْء ، والمَشِيئَة فِي العَفْو عَنْهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى ، وَهُو قَوْل الْقَاضِي أَبِي بَكْر ، وجماعة أئمة الأشْعَريَّة ، وَكَثِير من أئمَّة الفُقَهاء ، وَقَال بَعْض أئِمَّتنا : وَلَا يَجِب عَلَى القَوْلَيْن أن يَخْتَلِف أَنَّهُم مَعْصُومُون عَن تَكْرار الصَّغَائِر وَكَثْرَتِهِا ، إذ يُلْحِقُهَا ذَلِك بالكَبَائِر ، وَلَا فِي صَغِيرة أدَّت إِلَى إزَالة الحِشْمَة وأسْقَطَت المُرُوءة وَأوْجَبَت الإزْرَاء وَالخَسَاسَة ، فَهَذَا أيْضًا مِمَّا يُعْصَم عَنْه الْأَنْبِيَاء إجْماعًا ، لِأَنّ مثل هَذَا يَحُطّ مَنْصِب المُتَّسِم بِه وَيُزرِي بِصَاحِبه وَيُنَفّر القُلُوب عَنْه وَالْأَنْبِيَاء مُنَزَّهُون عَن ذَلِك ، بَل يَلْحَق بَهَذَا مَا كَان من قَبيل المُبَاح فَأدّى إِلَى مِثْلُه لخُرُوجِه بِمَا أدَّى إليْه عَن اسْم المُبَاح إِلَى الحَظْر ، وَقَد ذَهَب بَعْضُهُم إِلَى عِصْمَتِهم من مُوَاقَعَة المَكْرُوه قَصْدًا ، وَقَد اسْتَدَلّ بَعْض الْأَئِمَّة عَلَى عصمتهم مِن الصَّغَائِر بالمَصِير إِلَى امْتِثَال أْعالِهِم واتَّبَاع آثارِهِم وسِيرَهِم مُطْلَقًا ، وَجُمْهُور الفُقَهَاء عَلَى ذَلِك من أصْحَاب مَالِك ، والشافعي ، وَأَبِي حَنِيفَة من غَيْر الْتِزَام قَرِينَة بَل مُطْلَقًا عِنْد بَعْضُهُم ، وَإِنّ اخْتَلَفُوا فِي حُكْم ذَلِك ، وَحَكى ابن خُويْزمنْدَاذ ، وَأَبُو الفَرَج ، عَن مَالِك التِزام ذَلِك وُجُوبًا ، وَهُو قَوْل الأبْهَرِيّ ، وَابْن القَصّار ، وأكْثَر أصْحَابِنا ، وَقَوْل أكْثَر أَهْل العِرَاق ، وَابْن سُرَيْج ، والإصْطَخْرِيّ ، وَابْن خَيْران مِن الشَّافِعِيَّة ، وَأكْثَر الشَّافعِيَّة عَلَى أَنّ ذَلِك نَدْب ، وذهبت طائِفَة إِلَى الإبَاحَة ، وَقَيَّد بَعْضُهُم الاتّبَاع فِيمَا كَان مِن الْأُمُور الدينِيَة وعُلِم بِه مَقْصِد الْقُرْبَة ، وَمِن قَال بالإبَاحَة فِي أفْعَالِه لَم يُقَيّد ، قَال : فَلَو جَوَّزْنَا عَلَيْهِم الصَّغَائِر لَم يُمْكِن الاقْتِدَاء بهم فِي أفْعَالِهِم ، إِذ لَيْس كُلّ فِعْل مِن أفْعَالِه يَتَمَيَّز مَقْصدُه مِن القُرْبَة أَو الإبَاحَة أَو الحَظَر أَو المَعْصِيَة ، وَلَا يَصِحّ أن يُؤْمَر المَرء بِامْتِثال أمْر لَعَلَّه مَعْصِيَة لَا سِيمَّا عَلَى من يَرَى مِن الأُصُولِيّين تَقْدِيم الفِعْل عَلَى القَوْل إذَا تعَارضَا ، نَزِيد هَذَا حُجَّة بأن نَقُول من جَوَّز الصَّغَائِر وَمِن نَفَاها عَن نَبِيّنا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، مُجْمِعُون عَلَى أنَّه لَا يُقِرّ عَلَى مُنْكَر من قَوْلُ أَو فِعْل وَأنَّه مَتَى رَأَى شَيْئًا فَسَكَت عَنْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم دَلّ عَلَى جَوَازِه ، فَكَيف يَكُون هَذَا حالُه فِي حَقّ غَيْرِه ثُمّ يُجَوَّز وُقُوعُه مِنْه فِي نَفْسِه ، وَعَلَى هَذَا المَأْخَذ تَجِب عِصْمَتُه من مُوَاقَعَة المَكْرُوه ، كَمَا قِيل إِذ الحظْر أَو النَّدْب عَلَى الاقْتِدَاء بِفِعْلِه يُنَافي الزَّجْر وَالنَّهْي عَن فِعْل المكْرُوه ، وأيضا فَقَد علم من دين الصَّحَابَة قَطْعًا الاقْتِدَاء بِأفْعَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَيْف تَوَجَّهَت وَفِي كُلّ فَنّ كالاقْتِدَاء بِأمْوَالِه فَقَد نَبَذُوا خَواتيمَهُم حِين نَبَذ خَاتَمَه ، وَخَلَعُوا نِعَالَهُم حِين خَلَع وَاحْتِجَاجُهُم بِرُؤْيَة ابن عُمَر إيّاه جَالسًا لِقَضَاء حَاجَتِه مُسْتَقْبلًا بَيْت الْمَقْدِس ، وَاحْتَجّ غَيْر وَاحِد مِنْهُم فِي غَيْر شَيْء مِمَّا بابُه العِبَادة أَو العَادَة ، بِقَوْلِه : رَأَيْت رَسُول اللَّه يَفْعَلُه ، وَقَال : " هَلا خَبَّرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ " ، وَقَالَت عَائِشَةُ مُحْتَجَّةً : " كُنْتُ أَفْعَلُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، وغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِي أَخْبَرَ بِمِثْلِ هَذَا عَنْهُ فَقَالَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا يَشَاءُ " ، وَقَالَ : " إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ " ، وَالآثَارُ فِي هَذَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ نُحِيطَ بِهَا لَكِنَّهُ يُعْلَم من مَجْمُوعِهَا عَلَى الْقَطْع اتّبَاعُهُم أفْعَالَه واقْتِدَاؤُهُم بِهَا لو جوزوا عليه المخالفة في شيء منها لما اتسق هذا ولنقل عنهم وظهر بحثهم عن ذلك ولما أنْكَر صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى الآخَر قَوْله وَاعْتِذَارُه بِمَا ذَكَرَنَاه ، وَأَمَّا الْمُبَاحَات فَجَائِز وُقُوعُهَا مِنْهُم إِذ لَيْس فِيهَا قَدْح بَل هِي مَأْذُون فِيهَا ، وَأيْدِيهم كَأَيْدِي غَيْرِهِم مُسَلَّطَة عَلَيْهَا إلَّا أَنَّهُم بِمَا خُصُّوا بِه من رَفِيع المَنْزلَة وَشُرحَت لَهُم صُدُورُهُم من أَنْوار الْمَعْرِفَة ، وَاصْطُفُوا بِه من تَعَلُّق بالهمْ بالله وَالدَّار الآخِرَة لَا يَأْخُذُون مِن المْبَاحات إلَّا الضَّرُورَات مِمَّا يَتَقَوَّوْن بِه عَلَى سُلُوك طَرِيقِهِم وَصَلَاح دِينِهِم وَضَرُورَة دُنْيَاهُم ، وَمَا أُخِذ عَلَى هذه السَّبِيل ، لْتَحَق طَاعَة وَصَار قُرْبَة كَمَا بَيَّنَا مِنْه أَوَّل الْكِتَاب طَرَفًا فِي خِصَال نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، فَبَان لَك عَظِيم فَضْل اللَّه عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَى سائِر أنْبِيَائِه عَلَيْهِم السَّلَام ، بأن جَعَل أفْعَالَهُم قُرُبات وَطَاعات بَعِيدَة عَن وَجْه المُخَالَفَة وَرَسْم المَعْصِيَة . فصل وَقَد اخْتُلِف فِي عصْمَتِهِم مِن الْمَعَاصِي قب النُّبُوَّة ، فمَنَعَهَا قَوْم وَجَوَّزَهَا آخَرُون وَالصَّحِيح إنّ شَاء اللَّه تَنْزِيهُهُم من كُلّ عَيْب وَعِصْمَتَهُم من كُلّ مَا يُوجِب الرَّيْب ، فَكَيْف وَالْمَسْأَلَة تَصَوُّرُهَا كَالْمُمْتَنِع فَإِنّ الْمَعَاصِي وَالنَّواهِي إنَّمَا تكون بَعْد تَقَرّر الشَّرْع ، وَقَد اخْتُلِف النَّاس فِي حال نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قَبْل أن يُوحى إليْه هَل كَان مُتَّبعًا لِشَرْع من قَبْلَه أم لَا ؟ فَقَال جَمَاعَة لم يَكُن مُتَّبعًا لِشَيْء وَهَذَا قَوْل الجُمْهُور ، فالْمَعَاصِي عَلَى هَذَا الْقَوْل غَيْر مَوْجُودَة ، وَلَا مُعْتَبَرَة فِي حَقَّه حِينَئذ ، إِذ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إنَّمَا تَتَعَلَّق الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي وَتَقَرُّر الشَّرِيعَة ثُمّ اخْتَلَفَت حُجَج الْقَائِلِين بِهَذِه الْمَقَالَة عَلَيْهَا ، فَذَهَب سَيْف السُّنَّة وَمُقْتَدَى فِرَق الْأُمَّة الْقَاضِي أَبُو بَكْر إِلَى أن طَرِيق الْعِلْم بِذَلِك النَّقْل وَمَوَارِد الخَبَر من طريق السَّمْع ، وَحُجَّتُه أنَّه لَو كان ذَلِك لَنُقل ولما أمْكَن كَتْمُه وَسَتْرُه فِي الْعَادَة ، إِذ كَان من مُهِمّ أَمْرِه وَأَوْلى مَا اهْتُبِل بِه من سِيرَتِه وَلَفَخَر بِه أَهْل تِلْك الشَّريعَة وَلَا احْتَجّوا بِه عَلَيْه وَلَم يُؤْثَر شَيْء من ذَلِك جُمْلَة ، وَذَهبَت طَائِفَة إِلَى امْتنَاع ذَلِك عَقْلًا ، قَالُوا : لِأَنَّه يَبْعُد أن يَكُون متْبُوعًا من عُرِف تابعًا ، وَبَنَوْا هَذَا عَلَى التَّحْسِين وَالتَّقِْيح وَهِي طَريقة غَيْر سَدِيدَة ، وَاسْتِنَاد ذَلِك إِلَى النَّقْل كَمَا تَقَدَّم الْقَاضِي أَبِي بَكْر وَأظْهَر ، وَقَالَت فِرْقَة أُخْرى ، بالْوَقْف فِي أمْرِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَتَرْك قَطْع الْحُكْم عَلَيْه بِشَيْء فِي ذَلِك ، إِذ لَم يُحِل الْوَجْهَيْن مِنْهَا الْعَقْل وَلَا اسْتَبَان عندها فِي أحَدِهُمَا طَرِيق النَّقْل وَهُو مَذْهَب أَبِي المَعَالِي ، وَقَالَت فِرْقَة ثَالِثَة : إنَّه كَان عَامِلًا بِشَرْع من قَبْلَه ، ثُمّ اخْتَلَفُوا هَل يَتَعَيَّن ذَلِك الشَّرْع أم لَا فَوَقَف بَعْضُهُم عَن تَعْيينِه وَأَحْجَم وَجَسَر بَعْضُهُم عَلَى التَّعيِين وَصَمَّم ، ثُمّ اخْتلَفَت هَذِه الْمُعَيّنة فيمن كَان يَتَّبع ، فَقِيل : نُوح ، وَقِيل : إبْرَاهِيم ، وَقِيل : مُوسَى ، وَقِيل : عِيسَى صَلَوات اللَّه عَلَيْهِم ، فهذه جُمْلَة المَذَاهِب فِي هَذِه المَسْألَة ، وَالْأَظْهَر فِيهَا مَا ذَهَب إليْه الْقَاضِي أَبُو بَكْر وَأَبْعدُهَا مَذَاهِب الْمُعَيّنين ، إِذ لَو كَان شَيْء من ذَلِك لَنُقِل كَمَا قَدَّمْناه وَلَم يَخف جُمْلَة وَلَا حُجَّة لَهُم فِي أَنّ عِيسَى آخِر الْأَنْبِيَاء ، فَلَزمَت شَريعَتُه من جاء بَعْدَهَا إذ لَم يَثْبُت عُمُوم دَعْوة عِيسَى ، بل الصَّحِيح أنَّه لَم يَكُن لنبي دَعْوَة عامَّة إلَّا لِنَبِيَّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَلَا حُجَّة أيضا لِلآخَر ، فِي قَوْلِه : أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا سورة النحل آية 123 وَلَا للآخَرِين ، فِي قَوْلِه تَعَالَى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا سورة الشورى آية 13 فَمَحْمل هَذِه الآيَة عَلَى إتباعهم فِي التَّوْحِيد ، كَقَوْلِه تَعَالَى : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ سورة الأنعام آية 90 وَقَد سَمَّى اللَّه تَعَالَى فِيهِم من لَم يُبْعَث ، ولم تَكُن لَه شَريعَة تَخُصَّه كَيُوسُف بن يَعْقُوب عَلَى قَوْل من يَقُول إنَّه لَيْس بِرَسُول ، وَقَد سَمَّى اللَّه تَعَالَى جَمَاعَة مِنْهُم فِي هَذِه الآيَة شَرَائِعُهُم مُخْتَلِفَة لَا يُمْكِن الجَمْع بَيْنَهَا ، فَدَلّ أَنّ المُرَاد مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْه مِن التَّوْحِيد وَعِبَادَة اللَّه تَعَالَى وبعد هَذَا فَهَل يَلْزَم من قَال بِمَنْع الاتّبَاع هَذَا القَوْل فِي سَائِر الْأَنْبِيَاء غَيْر نَبِيّنَا ، صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو يُخَالِفُون بَيْنَهُم أَمَّا من مَنَع الاتّبَاع عَقْلًا فَيَطّرِد أصْلُه فِي كُلّ رَسُول بِلَا مِرْيَة ، وَأَمَّا من مال إِلَى النَّقْل فأيْنَمَا تُصُوّر لَه وتُقُرّر اتَّبَعَه ، وَمِن قَال بالوَقْف فَعَلَى اصْلِه ، وَمِن قَال بِوُجُوب الاتَّبَاع لِمَن قَبْلَه يَلْتَزِمُه بِمَسَاق حُجّتِه فِي كُلّ نَبِيّ . فصل هَذَا حُكْم ما تكون المُخَالَفَة فِيه مِن الأعمال عَن قَصْد وَهُو مَا يُسَمَّى مَعْصيَة وَيَدْخُل تَحْت التَّكْلِيف ، وَأَمَّا مَا يَكُون بِغَيْر قَصْد وَتَعَمُّد كالسَّهْو وَالنّسْيَان فِي الوَظَائِف الشَّرْعِيَّة ، مِمَّا تَقَرَر الشَّرْع بِعَدَم تَعَلُّق الخِطَاب بِه وَتَرْك المُؤَاخَذَة عَلَيْه ، فأحْوَال الْأَنْبِيَاء فِي تَرَك المُؤَاخَذَة بِه وَكَونه لَيْس بِمَعْصِيَة لَهُم مَع أُمَمهم سواء ، ثُمّ ذَلِك عَلَى نَوْعَيْن مَا طَرِيقُه البَلَاغ وَتَقْرِير الشَّرْع وَتَعَلُّق الأحْكام وَتَعْلِيم الْأُمَّة بالفعْل وَأخْذُهُم باتّبَاعِه فِيه ، وَمَا هُو خَارِج عَن هَذَا مِمَّا يَخْتَصّ بِنَفْسِه ، أَمَّا الأوّل فَحُكْمُه عِنْد جَمَاعَة مِن الْعُلمَاء حُكْم السَّهْو فِي القَوْل فِي هَذَا الْبَاب ، وَقَد ذَكَرَنا الاتّفَاق عَلَى امْتنَاع ذَلِك فِي حَقّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَعِصْمَتِه من جَوَازِه قَصْدًا أو سَهْوًا ، فكذلك قَالُوا : الأفْعَال فِي هَذَا الْبَاب لَا يَجُوز طُرُوّ المُخَالَفَة فِيهَا لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا ، لِأَنّهَا بِمَعْنَي القَوْل من جهة التَّبْلِيغ وَالأَداء وَطُرُوّ هَذِه العَوَارِض عَلَيْهَا يُوجِب التَّشكِيك وَيُسَبَّب المَطَاعِن ، وَاعْتَذَرُوا عَن أحَاديث السَّهْو بِتَوْجِيهَات نَذْكُرُها بَعْد هَذَا ، وإلى هَذَا مال أبو إسحاق ، وذهب الأكَثْر مِن الفُقَهاء وَالمُتَكَلمِين إِلَى أَنّ المُخَالَفَة فِي الأفْعَال البَلاغِيَّة وَالأحْكَام الشَّرْعِيّة سَهْوًا وَعَن غَيْر قَصْد مِنْه جَائز عَلَيْه ، كَمَا تَقَرَّر من أحَاديث السَّهْو فِي الصَّلَاة وَفَرَّقُوا بَيْن ذَلِك وَبَيْن الأقْوَال البَلاغِيَّة لِقِيَام الْمُعْجِزَة عَلَى الصّدْق فِي القَوْل ، وَمُخَالَفَة ذَلِك تُناقِضُهَا ، وَأَمَّا السَّهْو فِي الأفْعَال فَغَيْر مُنَاقِض لَهَا وَلَا قادِح فِي النُّبُوَّة بَل غَلَطَات الفعْل وَغَفَلات القَلْب من سِمَات البشر ، كَمَا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي " ، نَعَمْ بَلْ حَالَهُ النِّسْيَانُ وَالسَّهْو هُنَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَبُ إِفَادَةِ عِلْمٍ وَتَقْرِيرِ شَرْعٍ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ " ، بَلْ وَقَدْ رُوِيَ : " لَسْتُ أَنْسَى وَلَكِنْ أُنسَّى لِأَسُنَّ " ، وَهَذِه الحالة زيادة لَه فِي التبليغ وتمام عليه فِي النّعْمَة بعيدة عَن سمات النقص وأغراض الطعن ، فإن القائلين بتجويز ذَلِك يشترطون أَنّ الرُّسُل لَا تُقَر عَلَى السهو والغلط ، بَل ينبهون عَلَيْه ويعرفون حكمه بالفور عَلَى قَوْل بَعْضُهُم وَهُو الصَّحِيح وَقَبْل انقراضهم عَلَى قَوْل الآخرين ، وَأَمَّا مَا لَيْس طريقه الْبَلَاغ وَلَا بيان الأحكام مِن أفعاله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَمَا يختص بِه مِن أمور دينه وأذكار قلبه مِمَّا لَم يفعله ليتبع فِيه ، فالأكثر من طبقات علماء الْأُمَّة عَلَى جواز السهو والغلط عَلَيْه فِيهَا ، ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وَذَلِك بِمَا كلفه من مقاساة الْخَلْق وسياسات الْأُمَّة ومعاناة الأهل وملاحظة الاعداء ، وَلَكِن لَيْس عَلَى سبيل التكرار وَلَا الاتصال بَل عَلَى سبيل الندور كَمَا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ " ، وَلَيْس فِي هَذَا شَيْء يحط من رتبته ويناقض معجزته ، وذهبت طائفة إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات فِي حقه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم جملة ، وهو مذهب جَمَاعَة المتصوفة ، وأصحاب علم القلوب والمقامات ، ولهم فِي هَذِه الأحاديث مذاهب نذكرها بَعْد هَذَا أن شَاء اللَّه . فصل فِي الْكَلَام عَلَى الْأَحَادِيث المذكور فِيهَا السهو مِنْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَقَد قَدَّمْنَا فِي الْفُصُول قَبْل هَذَا مَا يَجُوز فِيه عَلَيْه السَّهْو صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَمَا يَمْتَنِع ، وَأَحَلْنَاه فِي الْأَخْبَار جُمْلَة ، وَفِي الأقْوَال الدينية قَطْعًا ، وَأجزْنَا وَقُوعَه فِي الْأَفْعَال الدّينِية عَلَى الْوَجْه الَّذِي رَتَّبْنَاه وَأشَرْنَا إلى مَا وَرَد فِي ذَلِك وَنَحْن نَبْسُط القَوْل فِيه ، وَالصَّحِيح مِن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي سَهْوِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الصَّلَاة ثَلَاثَة أحاديث أولها حديث ذي الْيَدَيْن فِي السَّلَام مِن اثْنَتَيْن ، الثَّاني حَدِيث ابن بُحَيْنة فِي القيَام مِن اثْنَتْين ، الثَالِث حَدِيث ابن مَسْعُود رَضِي اللَّه عَنْه : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا " ، وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّهْوِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ ، وَحِكْمَةُ اللَّهِ فِيهِ لِيُسْتَنَّ بِهِ إِذِ الْبَلَاغُ بالْفِعْلِ أَجْلَى مِنْهُ بِالْقَوْلِ وَأَرْفَعُ لِلاحْتِمَالِ ، وَشَرْطُهُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى السَّهْوِ بَلْ يُشْعَرُ بِهِ لِيَرْتَفِعَ الالْتِبَاسُ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْحِكْمَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَأَنَّ النِّسْيَانَ وَالسَّهْوَ فِي الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْمُعْجِزَةِ وَلَا قَادِحٍ فِي التَّصْدِيقِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي " ، وَقَالَ : " رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُسْقِطُهُنَّ " ، وَيُرْوَى : " أُنْسِيتُهُنَّ " ، وَقَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ " ، قِيل : هَذَا اللَّفْظ شَكّ مِن الرَّاوي ، وَقَد رُوِي : " إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِأُسُنَّ " ، وذهب ابن نافِع ، وَعِيسَى بن دِينَار ، أنَّه لَيْس بِشَكّ وَأَنّ مَعْنَاه التقسيم أَي : أنْسى أَنَا أَو يُنْسِينِي اللَّه ، قَال الْقَاضِي أَو الْوَلِيد الْبَاجِي : يَحْتَمِل مَا قالاه أن يُريد إنّي أنْسى فِي الْيَقْظَة وَأُنَسّى فِي النَّوْم أَو أنْسى عَلَى سبيل عَادَة الْبَشَر مِن الذُّهُول عَن الشَّيْء وَالسَّهْو أَو أنَسّى مَع إقْبَالِي عَلَيْه وَتَفرُّغي لَه ، فأضَاف أحَد النَّسْيَانَيْن إِلَى نَفْسِه إِذ كَان لَه بَعْض السَّبَب فِيه وَنَفى الآخَر عَن نَفْسِه إِذ هُو فِيه كَالمُضْطَرّ ، وَذَهَبَت طَائِفَة من أصْحَاب المعاني والكلام عَلَى الْحَدِيث إِلَى أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم " كَانَ يَسْهُو فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَنْسَى " لِأَنّ النّسْيَان ذُهُول وَغَفْلَة وَآفة ، قَال : وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مُنَزّة عَنْهَا وَالسَّهْو شُغْل فكان صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم يَسْهُو فِي صلاته وَيُشْغِلُه عَن حَرَكَات الصَّلَاة مَا فِي الصَّلَاة شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَة عَنْهَا ، وَاحْتَجّ بِقَوْلِه فِي الرّوَايَة الْأُخْرَى إنّي لَا أنْسى ، وَذَهَبَت طَائِفَة إِلَى مَنْع هَذَا كُلّه عَنْه ، وقالوا : إنّ سَهْوَة عَلَيْه السَّلَام كَان عَمْدًا وَقَصْدًا لِيَسُنّ ، وَهَذَا قَوْل مَرْغُوب عَنْه مُتَنَاقِض المَقَاصِد لَا يُحْلَى مِنْه بِطائِل ، لِأَنَّه كَيْف يَكُون مُتَعْمّدًا سَاهِيًا فِي حَال وَلَا حُجَّة لَهُم فِي قَوْلِهِم إنَّه أمِر بِتَعَمُّد صُورَة النّسْيَان ليَسُنّ لِقَوْلِه : " إِنِّي لأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى " وَقَد أثبتت أَحَد الوصفين وَنَفَى مناقضة التَّعَمُّد وَالقَصْد ، وَقَال : " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ " ، وَقَد مال إِلَى هَذَا عَظِيم مِن المُحَقّقِين من أئِمَّتِنَا ، وَهُو أبو المُظَفَّر الاسْفِرَائنيّ وَلَم يَرْتَضِه غَيْرِه مِنْهُم وَلَا أرْتَضِيه وَلَا حُجَّة لِهَاتَيْن الطّائِفَتَيْن ، فِي قَوْلِه : " إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى " ، إِذ لَيْس فِيه نَفْي حُكْم النّسْيَان بالْجُمْلَة وَإِنَّمَا فِيه نَفْي لَفْظِه وَكَرَاهَة لَقَبِه ، كَقَوْلِه : " بَئْسَمَا لأَحَدِكُمْ ، أَنْ يَقُولَ : نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَلكِنَّهُ نُسِّيَ " ، أَو نَفْي الغَفْلَة وقله الاهْتِمَام بِأمْر الصَّلَاة عَن قَلْبِه لَكِن شغل بِهَا عَنْهَا ونسى بَعْضَهَا ببعضها ، كَمَا تَرَك الصَّلَاة يَوْم الخَنْدَق حَتَّى خَرَج وَقْتُهَا وَشُغِل بالتَّحَرُّز مِن العَدُوّ عَنْهَا فَشُغِل بِطاعَة عَن طَاعَة ، وَقِيل : إنّ الَّذِي تُرِك يَوْم الخَنْدُق ارْبَع صَلَوات : الظُّهْر ، وَالعَصْر ، والمَغْرِب ، وَالعِشَاء ، وَبِه احْتَجّ من ذهب إلى جواز تأخير الصَّلَاة فِي الخوف إذَا لَم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن ، وَهُو مذهب الشاميين ، والصحيح : أَنّ حكم صَلَاة الخوف كَان بَعْد هَذَا فَهُو ناسخ لَه ، فَإِنّ قُلْت : فَمَا تقول نَوْمِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن الصَّلَاة يَوْم الْوادِي ، وَقَد قَال : " إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي " ، فاعْلَمْ أَنَّ الْعُلمَاءَ عَنْ ذَلِكَ أَجْوِبَةٌ مِنْهَا ، أَنّ الْمُرَاد بأن هَذَا حُكْم قَلْبِه عِنْد نَوْمِه وَعَيْنَيْه فِي غالِب الْأوْقات ، وَقَد يَنْدر مِنْه غَيْر ذَلِك ، كَمَا يَنْدُر من غَيْرِه خِلاف عادته وَيُصَحَّح هَذَا التّأْوِيل ، قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي الْحَدِيث نَفْسِه : " إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا " ، وقول بِلَال فِيه : مَا أُلْقِيَت عَلِيّ نَوْمَه مثلها قط ، وَلَكِن مثل هَذَا إنَّمَا يَكُون مِنْه لأمر يُرِيدُه اللَّه من إثْبَات حُكْم وَتَأْسِيس سُنَّة وإظْهَار شَرْع ، وكما قَال فِي الْحَدِيث الآخَر : " لَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَيْقَظَنَا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ " ، الثاني : أَنّ قَلْبَه لَا يَسْتَغْرِقُه النَّوْم حَتَّى يَكُون مِنْه الْحَدِث فِيه ، لَمّا رُوِي أنَّه كَان مَحْرُوسًا وَأنَّه كَان يَنَام حَتَّى يَنْفُخ وحتى يُسْمَع غطِيطُه ثُمّ يُصَلّي وَلَا يَتَوَضَّأ ، وَحَدِيث ابن عَبَّاس المَذْكُور فِيه وُضُوءُه عِنْد قِيامه مِن النَّوْم فِيه نَوْمُه مَع أهْله ، فَلَا يُمْكِن الاحْتِجَاج بِه عَلَى وُضُوئِه بمُجَرَّد النَّوْم إِذ لَعَلّ ذَلِك لِمُلامَسَة الْأَهْل أَو لِحَدَث آخر ، فَكَيف وَفِي آخِر الْحَدِيث نفسه ثُمّ نام حَتَّى سَمِعْت غَطِيطَه ثُمّ أقيمت الصَّلَاة فَصَلّى وَلَم يَتَوَضَّأ ، وَقِيل : لَا يَنَام قَلْبُه من أجْل أنَّه يُوحى إليْه فِي النَّوْم ، وَلَيْس فِي قِصَّة الْوَادي إلَّا نَوْم عَيْنَيْه عَن رؤية الشمس وَلَيْس هَذَا من فِعْل القَلْب ، وَقَد قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِليْنَا فِي حِينِ غَيْرُ هَذَا " ، فَإِن قِيل : فَلَوْلَا عَادَتُه مِن اسْتِغْرَاق النَّوْم ، لَمّا قَال لِبِلال : أكْلَأ لَنَا الصُّبْح ، فَقِيل : فِي الجَوَاب إنَّه كَان من شَأْنه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم التَّغْلِيس بالصُّبْح ، وَمُرَاعاة أَوَّل الفَجْر لَا تَصِحّ مِمَّن نَامَت عَيْنُه إذ هُو ظَاهر يُدْرَك بالجَوَارِح الظّاهِرَة ، فَوَكَّل بلالًا بمُرَاعاة أوَّلِه لِيُعْلِمَه بِذَلِك ما لَو شُغل بِشُغْل غَيْر النَّوْم عَن مُرَاعاتِه ، فَإِنّ قِيل : فَمَا مَعْنَي نَهِيه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن القَوْل نَسيت ؟ وَقَد قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " إِنِّي أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي " ، وَقَال : " لَقَد أذْكَرَني كَذَا وكَذَا آيَة كُنْت أُنْسِيتُها " ، فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أنَّه لَا تَعَارُض فِي هَذِه الْأَلْفَاظ ، أَمَّا نَهْيُه عَن أَنّ يُقَال : نَسِيت آيَة كَذَا ، فَمَحْمُول عَلَى مَا نُسِخ نَقْلُه مِن الْقُرْآن أَي أَنّ الْغَفْلَة فِي هذا لَم تَكُن مِنْه وَلَكِن اللَّه تَعَالَى اضْطَرَّه إِلَيْهَا لِيَمْحُوا مَا يَشَاء وَيُثبت ، وَمَا كان من سَهْو أَو غَفْلَة من قِبَلِه تَذَكَّرَهَا صَلُح أن يُقَال فِيه أنْسى ، وَقَد قِيل : إنّ هَذَا مِنْه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَلَى طريق الاستحباب أَنّ يُضِيف الْفِعْل إِلَى خَالِقِه ، وَالآخَر عَلَى طريق الجَوَاز لاكْتِسَاب الْعَبْد فِيه وَإسْقَاطُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَمّا أسْقَط من هَذِه الآيات جَائز عَلَيْه ، بَعْد بَلَاغ مَا أُمِر بِبَلَاغَة وَتَوصِيله إِلَى عِبَادِه ، ثُمّ يَسْتَذْكِرُهَا من أمَّتَه أَو من قَبْل نَفْسِه إلَّا ما قَضى اللَّه نَسْخَه وَمَحْوَه مِن الْقُلُوب وَتَرْك اسْتذْكَارِه ، وَقَد يجُوز أن يَنْسى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم مَا هَذَا سَبيلُه كَرَّة ، وَيَجُوز أن يُنَسّيَه مِنْه قَبْل الْبَلَاغ مَا لَا يُغَيّر نَظْمًا وَلَا يُخَلّط حُكْمًا مِمَّا لَا يُدْخِل خَلَلًا فِي الخَبَر ثُمّ يُذَكّرُه إيّاه ، وَيَسْتَحيل دَوَام نِسَيَانِه لَه لِحِفْظ اللَّه كِتَابِه وَتَكْلِيفِه بَلَاغَه . فصل فِي الرد عَلَى من أجاز عَلَيْهِم الصغائر والكلام عَلَى ما احتجوا بِه فِي ذَلِك اعْلَم أن الْمُجَوّزِين لِلصَّغَائِر عَلَى الْأَنْبِيَاء ، مِن الْفُقَهَاء ، وَالْمُحَدّثِين ، وَمِن شَايَعَهُم عَلَى ذَلِك مِن الْمُتَكَلَّمِين احْتَجُّوا عَلَى ذَلِك بِظوَاهِر كَثِيرَة مِن الْقُرْآن وَالْحَدِيث ، إن الْتَزَامُوا ظَوَاهِرَهَا أفْضَت بهم إِلَى تَجْوِيز الْكَبَائِر وَخَرْق الإجْماع وَمَا لَا يَقُول بِه مُسْلِم ، فَكيْف وَكُلّ مَا احْتَجُّوا بِه مِمَّا اخْتُلِف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه وَتَقَابَلَت الاحْتِمَالات فِي مُقْتَضَاه وَجَاءت أقاويل فِيهَا لِلسَّلَف بِخِلَاف مَا الْتَزَمُوه من ذَلِك ، فَإِذَا لَم يَكُن مَذْهَبُهُم إجْمَاعا وكان الخِلَاف فِيمَا احْتَجُّوا بِه قَدِيمًا وَقَامَت الدّلَالة عَلَى خَطَإ قَوْلِهِم وَصِحَّة غَيْرِه ، وَجَب تَرْكُه وَالمصِير إِلَى مَا صَحّ وَهَا نَحْن نَأْخُذ فِي النّظَر فِيهَا إنّ شَاء اللَّه ، فمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ، لِنَبِيّنا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ سورة الفتح آية 2 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ سورة محمد آية 19 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ { 2 } الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ سورة الشرح آية 2-3 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ سورة التوبة آية 43 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ سورة الأنفال آية 68 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : عَبَسَ وَتَوَلَّى { 1 } أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى سورة عبس آية 1-2 الآيَة ، وَمَا قَصّ من قِصَص غَيْرِه مِن الْأَنْبِيَاء ، كَقَوْلِه : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى سورة طه آية 121 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ سورة الأعراف آية 190 الآيَة ، وَقَوْلُه عَنْه : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا سورة الأعراف آية 23 ، وَقَوْلُه عَن يُونُس : سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ سورة الأنبياء آية 87 ، وَمَا ذَكَرَه من قِصَّة دَاوُد ، وَقَوْلُه : وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ، إِلَى قَوْله مَآبٍ سورة ص آية 24 - 25 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا سورة يوسف آية 24 ، وَمَا قَصّ من قصته مَع إخوتِه ، وَقَوْلُه عَن مُوسَى : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ سورة القصص آية 15 ، وَقَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي دُعَائِه : " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ " ، وَنَحْوَهُ من أدْعِيَتِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَذَكَر الْأَنْبِيَاء فِي المَوْقِف ذُنُوبَهُم فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ، وَقَوْلُه : " إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفَرُ اللَّهَ " وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة : " إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً " ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ، عَنْ نُوحٍ : وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي سورة هود آية 47 الآيَةَ ، وَقَدْ كَانَ قَالَ اللَّه لَه : وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ سورة هود آية 37 ، وَقَال عَن إبْرَاهِيم : وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ سورة الشعراء آية 82 ، وَقَوْلُه عَن مُوسَى : تُبْتُ إِلَيْكَ سورة الأعراف آية 143 ، وَقَوْلُه : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ سورة ص آية 34 ، إِلَى مَا أشْبَه هَذِه الظَّوَاهِر ، فأمَّا احْتِجَاجُهُم بِقَوْلِه : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ سورة الفتح آية 2 فَهَذَا قَد اخْتُلِف فِيه الْمُفَسِّرُون ، فَقِيل : المُرَاد مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَبَعْدَهَا ، وَقِيل : المُرَاد مَا وَقَع لَك من ذَنْب وَمَا لَم يَقَع أعْلَمَه أنَّه مغَفُور لَه ، وَقِيل : المُتَقَدّم مَا كَان قَبْل النُّبُوَّة وَالمُتأخّر عِصْمتُك بَعْدَهَا ، حَكَاه أَحْمَد بن نَصْر ، وَقِيل : المُرَاد بِذَلِك أمَّتَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَقِيل : المُرَاد مَا كَان عَن سَهو وَغَفْلَة وَتَأوِيل ، حَكاه الطَّبَرِيّ واخْتَارَه الْقُشَيْرِيّ ، وَقِيل : مَا تَقَدَّم لِأَبِيك آدَم وَمَا تَأخَّر من ذُنُوب أُمَّتِك ، حَكاه السَّمْرَقَنْدِيّ ، والسُّلَمِيّ ، عَن ابن عطاء وَبِمِثْلِه وَالَّذِي قَبْلَه يُتَأوّل ، قَوْله : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ سورة محمد آية 19 ، قَال مَكّيّ : مُخَاطَبَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ههُنَا هِي مُخَاطَبَة لُأمَّتَه ، وَقِيل : إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يَقُول : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ سورة الأحقاف آية 9 سُرّ بِذَلِك الكُفَّار ، فَأنْزَل اللَّه تَعَالَى : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ سورة الفتح آية 2 الآيَة ، وَبمآل الْمُؤْمِنين فِي الآية الْأُخْرَى بَعْدَهَا ، قاله ابن عَبَّاس ، فَمَقْصِد الآيَة أنك مَغْفُور لَك غَيْر مُؤَاخَذ بِذَنْب أَنّ لَو كَان ، قال بَعْضُهُم : المَغْفِرَة ههُنَا تَبْرِئَة مِن الْعُيُوب ، وَأَمَّا قَوْله : وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ { 2 } الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ سورة الشرح آية 2-3 ، فَقِيل : مَا سَلَف من ذَنْبَك قَبْل النُّبُوَّة ، وَهُو قَوْل ابن زَيْد ، والحسن ، وَمَعْنَي قَوْل قَتَادَة ، وَقِيل : مَعْنَاه أنَّه حُفِظ قَبْل نبوته مِنْهَا وعصمم ، ولولا ذَلِك لأثقلت ظهره ، حكى مَعْنَاه السَّمْرَقَنْدِيّ ، وَقِيل : المُرَاد بِذَلِك مَا أثقل ظهره من أعباء الرسالة حَتَّى بَلَّغهَا ، حكاه الْمَاوَردِيّ ، والسُّلَمِيّ ، وَقِيل : حَطَطنْا عنك ثِقَل أيّام الْجَاهِلِيَّة ، حَكاه مَكّيّ ، وَقِيل : ثِقَل شُغْل سِرّك وحَيْرتك وطلب شريعتك حَتَّى شرعنا ذَلِك لَن ، حكى مَعْنَاه الْقُشَيْرِيّ ، وَقِيل : مَعْنَاه خففنا عَلَيْك مَا حُمَّلْت بِحِفْظنَا لَمّا استحفظت وحفظ عَلَيْك ، ومعنى انقض ظهرك أَي كاد ينقضه ، فيكون الْمَعْنَى عَلَى من جَعَل ذَلِك لَمّا قَبْل النُّبُوَّة اهْتِمَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بِأُمُور فَعَلَهَا قَبْل النُّبُوَّة ، وحُرَّمَت عَلَيْه بَعْد النُّبُوَّة فَعَدَّها أوْزَارًا وَثَقُلَت عَلَيْه وأشْفَق مِنْهَا ، أَو يَكُون الْوَضْع عِصْمَة اللَّه وكِفَايَتَه من ذُنُوب لَو كَانَت لأنْقَضَت ظَهْرَه ، أَو يَكُون من ثِقَل الرَّسَالَة أَو مَا ثَقُل عَلَيْه وَشَغَل قَلْبه من أُمُور الْجَاهِلِيَّة وإعْلَام اللَّه تَعَالَى لَه بِحِفْظ مَا اسْتَحْفَظَه من وَحْيِه ، وَأَمَّا قَوْله : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ سورة التوبة آية 43 ، فَأمْر لَم يَتَقَدَّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِيه مِن اللَّه تَعَالَى نَهْي فَيُعَدّ معصية وَلَا عَدَّه اللَّه تَعَالَى عَلَيْه مَعْصِيَة بَل لَم يَعُدَّه أَهْل الْعِلْم مُعَاتَبَة ، وَغَلَّطُوا من ذَهَب إلى ذَلِك ، قَال نِفْطَويْه : وَقَد حَاشاه اللَّه تَعَالَى من ذَلِك بَل كَان مُخيَّرًا فِي أَمْرَيْن ، قَالُوا : وَقَد كَان لَه أن يَفْعَل مَا شَاء فِيمَا لَم يُنْزَل عَلَيْه فِيه وَحْي ، فَكَيْف . وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى : فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ سورة النور آية 62 فَلَمّا أذِن لَهُم أعْلَمَه اللَّه بِمَا لَم يَطَّلِع عَلَيْه من سِرّهم ، أنَّه لَو لَم يَأْذَن لَهُم لَقَعَدُوا وَأنَّه لَا حَرَج عَلَيْه فِيمَا فَعَل وَلَيْس : عَفَا سورة التوبة آية 43 ههُنَا بِمَعْنَي غَفَر ، بَل كَمَا قَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ " ، وَلَمْ تجِب عَلَيْهِم قَطّ أَي لَم يُلْزمْكُم ذَلِك ، وَنَحْوَه لِلْقُشَيْرِيّ ، قَال : وَإِنَّمَا يَقُول الْعَفْو لَا يَكُون إلَّا عَن ذَنْب من لَم يَعْرف كَلَام الْعَرَب ، قَال : وَمَعْنَي عفا اللَّه عنك أَي لَم يلزمك ذنبا ، قَال الدَّاوُديّ : رُوِي أنَّهَا كَانَت تَكْرِمه ، قَال مَكّيّ هُو اسْتفْتَاح كَلَام مثل أصْلَحَك اللَّه وَأعَزَّك ، وَحَكى السَّمْرَقَنْدِيّ أَنّ مَعْنَاه : عَافاك اللَّه ، وَأَمَّا قَوْلُه فِي أُسَارى بَدْر : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى سورة الأنفال آية 67 الآيَتَيْنِ ، فَلَيْس فِيه إلْزَام ذَنْب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، بَل فِيه بَيَان مَا خُصّ بِه وَفُضّل من بَيْن سائر الْأَنْبِيَاء ، فَكَأنه قَال مَا كَان هَذَا لِنبيّ غَيْرِه ، كَما قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لنَّبِيٍّ قَبْلِي " ، فَإِنّ قِيل : فَمَا مَعْنَي ، قَوْله تَعَالَى : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا سورة الأنفال آية 67 الآيَة قِيل الْمَعْنَى : الْخِطَاب لمن أرَاد ذَلِك مِنْهُم ، وَتَجَّرد غَرَضُه لِغرَض الدُّنْيَا وَحدَه وَالاسْتِكْثَار مِنْهَا وَلَيْس المراد بَهَذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَلَا عَلَيْه أصْحَابِه ، بَل قَد رُوِي عَن الضَّحَّاك أنَّما نزلت حِين انْهَزَم المُشْرِكُون يَوْم بَدْر وَاشْتَغَل النَّاس بالسَّلَب وَجَمْع الْغَنَائِم عَن القِتَال حَتَّى خَشِي عُمَر أن يَعْطِف عَلَيْهِم الْعَدُوّ ، ثُمّ قَال اللَّه تَعَالَى : لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ سورة الأنفال آية 68 ، فاخْتَلَف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَي الآيَة ، فَقِيل : مَعْنَاهَا لولا أنَّه سَبَق مني أَنّ لَا أُعَذّب أحَدًا إلَّا بَعْد النَّهْي لَعَذَّبْتُكُم ، فَهَذَا يَنْفِي أن يَكُون أمْر الأسْرى مَعْصِيَة ، وَقِيل الْمَعْنَى : لولا إيمَانُكُم بِالْقُرْآن ، وَهُو الْكِتَاب السابق فاستوجبتم بِه الصَّفْح لَعُوقبْتُم عَلَى الغنائم ، وَيُزَاد هَذَا القَوْل تَفْسِيرًا وَبَيَانًا ، بأن يُقَال : لَوْلَا مَا كُنْتُم مُؤْمِنين بالقرآن وَكُنْتُم مِمَّن أُحِلَّت لَهُم الْغَنَائِم لَعُوقِبْتُم كَمَا عُوقِب من تَعَدَّى ، وَقِيل : لَوْلَا أنَّه سَبَق فِي اللّوح المَحْفُوظ أنَّهَا حَلَال لكم لَعُوقِبْتُم ، فَهَذَا كله ينفي الذنب والمعصية ، لِأَنّ من فعل مَا أحل لَم يعص ، قَال اللَّه تَعَالَى : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا سورة الأنفال آية 69 ، وَقِيل : بَل كَان صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قد خير فِي ذَلِك ، وَقَد رُوِي عَن عَلِيّ رَضِي اله عَنْه ، قَال : " جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَقَالَ : خَيْرُ أَصْحَابِكَ فِي الأُسَارَى إِنْ شَاءُوا الْقَتْلَ وَإِنْ شَاءُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِثْلُهُمْ ، . فَقَالُوا : الْفِدَاءُ وَيَقْتَلُ مِنَّا ؟ ! " ، وَهَذَا دليل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا وَأَنَّهُم لَم يَفْعَلُوا إلَّا مَا أُذَن لَهُم فِيه ، لكِن بَعْضَهُم مال إلى أضْعَف الْوَجْهيْن مِمَّا كَان الْأَصْلَح غَيْرَه مِن الإثْخَان وَالقَتْل ، فَعُوتِبُوا عَلَى ذَلِك وَبَيْن لَهُم ضَعْف اخْتيارِهِم وَتَصَويب اخْتِيَار غَيْرِهِم وَكُلُّهُم غَيْر عُصَاة وَلَا مُذْنِبِين وَإِلَى نَحْو هَذَا أشَار الطَّبَرِيّ ، وَقَوْلُه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي هَذِه الْقَضيَّة : " لَو نزل مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ " ، إِشَارَةً إِلَى هَذَا مِنْ تَصْويِبِ رَأْيِهِ وَرَأْيِ مَنْ أَخَذَ بِمَأْخَذِهِ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ وَإظْهَار كَلِمَتِه وَإبادَة عَدُوّه ، وَأَنّ هَذِه القضية لو استوجبت عذابا نجا مِنْه عُمَر وعين عُمَر لِأَنَّه أَوَّل من أشَار بِقَتْلِهِم ، وَلَكِن اللَّه لَم يُقَدّر عَلَيْهِم فِي ذَلِك عَذَابًا لِحلّه لَهُم فِيمَا سَبَق ، وَقَال الدَّاوُدِيّ : والخَبَر بَهَذَا لَا يَثْبُت ، وَلَو ثَبَت لَمّا جَاز أن يُظَنّ أَنّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم حَكَم بِمَا لَا نَصّ فِيه وَلَا دَلِيل من نَصّ وَلَا جُعِل الْأَمْر فِيه إليْه وَقَد نَزَّهَه اللَّه تَعَالَى عَن ذَلِك ، وَقَال الْقَاضِي بَكْر بن الْعَلَاء : أخبر اللَّه تَعَالَى نَبِيَّه فِي هَذِه الآيَة أَنّ تَأْوِيلَه وَافق مَا كَتَبَه لَه من إحْلَال الغنائم وَالفداء وَقَد كان قبل هَذَا فادَوْا فِي سرية عَبْد اللَّه بن جَحْش التي قُتِل فِيهَا ابن الْحَضْرَمِيّ بِالْحَكَم بن كَيْسَان وَصَاحِبِه ، فَمَا عَتَب اللَّه ذَلِك عَلَيْهِم وَذَلِك بَدْر بأزْيَد من عَام ، فهذا كله يَدُلّ عَلَى أن فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي شَأْن الأسْرَى كَان عَلَى تأوِيل وَبَصِيرَة وَعَلَى مَا تَقَدّم قَبْل مِثْلُه ، فَلَم ينكره اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِم ، لَكِن اللَّه تَعَالَى أرَاد لِعِظَم أمْر بَدْر وَكَثْرَة أسْرَاهَا والله اعْلَم إظَهَار نِعْمَتِه وَتَأكِيد منَّتِه ، بِتَعْرِيفهِم مَا كَتَبَه فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ من حِلّ ذَلِك لَهُم لَا عَلَى وَجه عِتَاب وَإنْكَار وَتَذْنِيب ، هَذَا مَعْنَي كلامه ، وَأَمَّا قَوْله : عَبَسَ وَتَوَلَّى سورة عبس آية 1 الآيات ، فَلَيْس فِيه إثْبَات ذَنْب لَه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بَل إعْلَام اللَّه أَنّ ذَلِك المُتَصَدّي لَه مِمَّن لَا يَتَزَكَّى ، وأن الصَّوَاب وَالأوْلَى كَان لَو كُشِف لَك حَال الرَّجُلَيْن الإقْبَال عَلَى الأعْمَى ، وَفِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم لَمّا فَعَل وَتَصَدّيه لِذاك الكافِر طَاعَة لله وتَبْلِيغًا عَنْه وَاسْتِئْلَافًا لَه كَمَا شَرَعَه اللَّه لَه لَا مَعْصِيَة وَمُخَالَفَة لَه وَمَا قِصَّة اللَّه عَلَيْه من ذَلِك إعْلَام بِحال الرَّجُلَيْن وتَوْهِين أمر الكافِر عِنْدَه ، وَالإشَارَة إِلَى الإعْرَاض عَنْه بِقَوْلِه وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى سورة عبس آية 7 وَقِيل : أرَاد بِعَبَس وَتَوَلَّى الكافِر الَّذِي كَان مَع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم قالَه أَبُو تُمَّام . وَأَمَّا قِصَّة آدَم عَلَيْه السَّلَام ، وَقَوْلُه تَعَالَى : فَأَكَلا مِنْهَا سورة طه آية 121 ، بَعْد قَوْله تَعَالَى : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ سورة الأعراف آية 19 ، وَقَوْلُه تَعَالَى : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ سورة الأعراف آية 22 وَتَصْريحُه تَعَالَى عَلَيْه بالمَعْصِيَة ، بِقَوْلِه تَعَالَى : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى سورة طه آية 121 أَي جهل ، وَقِيل : أخْطَأ فإنّ اللَّه تَعَالَى قَد أخْبَر بِعُذْرِه ، بِقَوْلِه تَعَالَى : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا سورة طه آية 115 ، قَال ابن زَيْد : نَسِي عَدَاوَة إبْلِيس لَه وَمَا عَهِد اللَّه إليْه من ذَلِك ، بِقَوْلِه : هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ سورة طه آية 117 الآيَة ، قِيل : نَسِي ذَلِك بِمَا أظْهَر لهما ، وَقَال ابن عَبَّاس : إنَّمَا سُمّي الْإِنْسَان إنْسانًا لِأَنَّه عُهد إليْه فَنَسِي ، وَقِيل : لَم يَقْصِد الْمُخَالَفة اسْتِحْلالًا لَهَا ، وَلكِنَّهُمَا اغْتَرَّا بِحَلِف إبْلِيس لهما : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ سورة الأعراف آية 21 تَوَهَّمَا أَنّ أحَدًا لَا يَحْلِف بالله حانِثًا وَقَد رُوِي عُذْر آدَم بمثْل هَذَا فِي بَعْض الآثار ، وَقَال ابن جُبَيْر : حَلَف بالله لهما حَتَّى غَرَّهُمَا وَالْمؤْمِن يُخْدع ، وَقَد قِيل : نسِي وَلَم يَنْو الْمُخَالَفَة ، فَلِذَلِك قَال : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا سورة طه آية 115 ، أَي قَصْدًا لِلْمُخَالفَة وَأكْثَر الْمُفَسّرِين عَلَى أَنّ العَزْم هنا الْحَزْم وَالصّبْر ، وَقِيل : كَان عِنْد أكْلِه سَكْرَان ، لِأَنّ اللَّه تَعَالَى وَصَف خَمْر الْجَّنة أنَّهَا لَا تُسْكِر ، فَإِذَا كَان ناسِيًا لَم تكن مَعْصِيَة وَكَذَلِك إنّ كَان ملبسًا عَلَيْه غَالِطًا ، إِذ الاتّفَاق عَلَى خُرُوج النّاسِي والسَّاهي عَن حُكْم التَّكلِيف ، وَقَال الشَّيْخ أَبُو بَكْر بن فُورَك ، وعيره : إنَّه يُمْكن أن يَكُون ذَلِك قَبْل النُّبُوَّة ودليل ذَلِك ، قَوْله : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى { 121 } ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى سورة طه آية 121-122 ، فَذَكَر أَنّ الاجْتِبَاء والهِدَاية كَان بَعْد العِصْيَان ، وَقِيل : بَل أكَلَهَا متَأوّلًا وَهُو لَا يعلم أنَّهَا الشجرة التي نهي عَنْهَا ، لِأَنَّه تأول نهى اللَّه عَن شجرة مخصوصه لَا عَلَى الجنس ، ولهذا قِيل : إنَّمَا كَانَت التَّوْبَة من ترك الحفظ لَا مِن المخالفة ، وَقِيل تأول أَنّ اللَّه لَم ينه عَنْهَا نهي تحريم ، فَإِنّ قِيل : فعَلَى كُلّ حال ، فَقَد قَال اللَّه تَعَالَى : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى سورة طه آية 121 ، وَقَال تَعَالَى : فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى سورة طه آية 122 وَقَوْلُه فِي حَدِيث الشَّفَاعَة ويذكر ذنبه وإني نهيت عَن أكل الشجرة فعصيت ، فسيأتي الجواب عَنْه وَعَن أشاهه مجملًا آخر الْفَصْل إنّ شَاء اللَّه ، وَأَمَّا قِصَّة يُونُس فَقَد مَضَى الْكَلَام عَلَى بَعْضَهَا آنفا وليس فِي قِصَّة يونس نص عَلَى ذنب وِإنما فِيهَا أبق وذهب مغاضبًا وَقَد تكلمنا عَلَيْه ، وقيل إنَّمَا تقم اللَّه عَلَيْه خروجه عَن قومه فارا من نزول العذاب ، وَقِيل بَل لَمّا وعدهم العذاب ثُمّ عفا اللَّه عَنْهُم ، قَال : والله لَا ألقاهم بوجه كذاب ابدًا ، وَقِيل : بَل كَانُوا يقتلون من كذب فخاف ذَلِك ، وَقِيل : ضعف عَن حمل أعباء الرسالة . وَقَد تقدم الْكَلَام أنَّه لَم يكذبهم ، وَهَذَا كله لَيْس فِيه نص عَلَى معصية إلَّا عَلَى قَوْل مرغوب عَنْه ، وَقَوْلُه : أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ سورة الصافات آية 140 ، قَال الْمُفَسِّرُون : تباعد ، وَأَمَّا قَوْله : إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ سورة الأنبياء آية 87 ، فالظُّلم وضع الشَّيْء فِي غَيْر موضعه فَهَذَا اعتراف مِنْه عِنْد بَعْضُهُم بِذَنْبِه ، فإمَّا أَنّ يَكُون لِخُرُوجِه عَن قَومِه بِغَيْر إذْن رَبَّه أَو لِضَعْفِه عَمَّا حمَّلَه أَو لِدُعَائِه بالْعَذَاب عَلَى قومه ، وَقَد دَعَا نُوح بِهَلَاك قَوْمِه فَلَم يُؤاخَذ ، وَقَال الوَاسِطيّ فِي مَعْنَاه : نَزَّه رَبَّه عَن الظُّلْم وَأضَاف الظُّلْم إِلَى نَفْسِه اعْتِرَافًا وَاستِحْقَاقًا ومثل هَذَا ، قَوْل آدَم وَحوَاء : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا سورة الأعراف آية 23 ، إِذ كَان السَّبَب فِي وَضْعِهِمَا فِي غَيْر المَوْضِع الَّذِي انْزلا فِيه وَإخْرَاجِهِمَا مِن الْجَّنة وَإِنْزَالِهَمَا إلى الْأَرْض . وَأَمَّا قِصَّة دَاوُد عَلَيْه السَّلَام فَلَا يَجِب أن يُلْتَفَت إلى مَا سَطَّرَه فِيه الأخْبَارِيُّون ، عَن أَهْل الكاب الَّذِين بَدّلُوا وغَيَّرُوا ، وَنَقَلَه بَعْض الْمُفَسّرِين وَلَم يَنُصّ اللَّه عَلَى شَيْء من ذَلِك وَلَا وَرَد فِي حَدِيث صحيح والذي نَصّ اللَّه عَلَيْه ، قَوْله : وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ، إِلَى قَوْله تَعَالَى : وَحُسْنَ مَآبٍ سورة ص آية 24 - 25 ، وَقَوْلُه فِيه أوَّاب ، فَمَعْنَي فَتَنَّاه اختبَرْنَاه وأوَّاب ، قَال قتادة : مُطيع وَهَذَا التَّفْسِير أوْلى ، قَال ابن عَبَّاس ، وَابْن مَسْعُود : مَا زَاد دَاوُد عَلَى أَنّ قَال لِلرَّجُل أنزل لِي عَن امْرَأتِك وَأكْفِلْنِيهَا ، فَعَاتَبَه اللَّه عَلَى ذَلِك وَنَبَّهَه عَلَيْه ، وَأنْكَر عَلَيْه شُغْلَه بالدُّنْيَا وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أن يُعَوَّل عَلَيْه من أمْرِه ، وَقِيل : خَطَبَهَا عَلَى خِطْبَتِه ، وَقِيل : بَل أحَبّ بَقَلْبِه أن يُسْتَشْهَد ، وحَكَى السَّمْرَقَنْدِيّ : أَنّ ذَنْبَه الَّذِي اسْتَغْفَر مِنْه قَوْله لأحَد الخَصْمَيْن : لَقَدْ ظَلَمَكَ سورة ص آية 24 فَظَلَّمَه بَقَوْل خَصْمِه ، وَقِيل : بَل لَمّا خَشِي عَلَى نَفْسِه وظَنّ مِن الْفِتْنَة بِمَا بُسَط لَه مِن الْمُلْك وَالدُّنْيَا ، وَإِلَى نَفْي مَا أضِيف فِي الْأَخْبَار إِلَى دَاوُد ، ذَهَب أَحْمَد بن نَصْر ، وَأَبُو تَمَّام ، وَغَيْرِهِمَا ، مِن المُحَقّقِين ، قَال الدَّاوُدِيّ : لَيْس فِي قِصَّة دَاوُد وَأُورِيا خَبَر يثْبُت ، وَلَا يُظَنّ بِنَبِيّ مَحَبَّة قَتْل مُسْلِم ، وَقِيل : إنّ الخَصْمَيْن اللَّذِين اخْتَصَمَا إليْه رَجُلَان فِي نِتَاج غَنَم عَلَى ظَاهِر الآية . وَأَمَّا قِصَّة يُوسُف وَإخْوَتِه فَلَيْس عَلَى يُوسُف مِنْهَا تَعَقَّب ، وَأَمَّا إخْوَتُه فَلَم تَثْبُت نُبُوَّتُهُم فَيلْزَم الْكَلَام عَلَى أفْعَالِهِم ، وَذِكْر الْأَسْبَاط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ، قال المفسرون يريد من نبيء من أنباء الأسباط ، وَقَد قِيل : إنَّهُم كَانُوا حِين فَعَلُوا بِيُوسُف مَا فَعَلُوه صِغَار الأسْنَان ، ولهذا لَم يُمَيّزُوا يُوسُف حِين اجْتَمَعُوا بِه ، ولهذا قَالُوا : أَرْسِلْه معنا غَدًا نَرْتَع وَنَلْعَب وإن ثَبَتَت لَهُم نُبُوَّة فَبَعْد هَذَا والله أَعْلَم ، وَأَمَّا قَوْل اللَّه تَعَالَى عَزّ وَجَلّ فِيه : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ سورة يوسف آية 24 فَعَلى مَذْهَب كثير مِن الْفُقَهَاء ، وَالْمُحَدّثين أَنّ هَمّ النَّفْس لَا يُؤَاخُذ بِه وَلَيْسَت سَيّئة لِقَوْلِه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، عَن رَبَّه : " إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً " ، فَلَا مَعْصِيَة فِي هَمّه إذَا ، وَأمَّا عَلَى مَذْهَب المُحَقّقِين : مِن الفُقَهَاء ، وَالْمُتكلّمِين ، فَإِنّ الْهَمّ إذَا وُطّنَت عَلَيْه النَّفْس سَيّئَة وَأَمَّا مَا لَم تُوَطَّن عَلَيْه النَّفْس من هُمُومِهَا وَخَوَاطِرِهَا فَهُو الْمَعْفُوّ عَنه ، وَهَذَا هُو الْحَقّ فَيَكُون إن شَاء اللَّه همّ يُوسُف من هَذَا ، وَيَكُون قَوْله تَعَالَى : وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي سورة يوسف آية 53 ، الآيَة . أَي مَا أُبَرَّئُهَا من هَذَا الهَمّ ، أَو يَكُون ذَلِك مِنْه عَلَى طريق التّوَاضُع وَالاعْتِرَاف بِمُخَالَفَة النَّفْس لَمّا زُكّي قَبْل وَبُرّيء ، فَكَيْف وَقَد حكى أَبُو حَاتِم ، عَن أَبِي عَبِيدة ، أَنّ يُوسُف لَم يَهُم وَأَنّ الْكَلَام فِيه تقديم وتأخير : أَي وَلَقَد همت بِه ولولا أَنّ رَأَى برهان رَبَّه لَهُم بِهَا ، وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى ، عَن المرأة : وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ سورة يوسف آية 32 ، وَقَال تَعَالَى : كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ سورة يوسف آية 24 وَقَال تَعَالَى : وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ سورة يوسف آية 23 الآيَة ، قِيل : فِي رَبّي اللَّه ، وَقِيل : الْمُلْك ، وَقِيل : هَمّ بِهَا أَي بزجْرِهَا وَوَعظها ، وَقِيل : همّ بِهَا أَي غَمَّهَا امْتِنَاعُه عَنْه ، وَقِيل : همّ بِهَا نَظَر إِلَيْهَا ، وَقِيل : هُم بِضَرْبِهَا وَدَفعها ، وَقِيل : هَذَا كله كَان قَبْل نبوته ، وَقَد ذَكَر بَعْضُهُم مَا زال النّسَاء يملن إِلَى يُوسُف ميل شهوة ، حَتَّى نبأه اللَّه فألقى عَلَيْه هيبة النُّبُوَّة فشغلت هيبته كُلّ من رآه عَن حسنه . وَأَمَّا خبر مُوسَى عَلَيْه السَّلَام مَع قَتِيلِه الَّذِي وَكَزَه وَقَد نص اللَّه تَعَالَى أنَّه من عَدُوّه ، وَقِيل : كَان مِن القِبْط الَّذِين عَلَى دِين فِرْعَوْن ، وَدَلِيل السُّورَة فِي هَذَا كله أنَّه قَبْل نُبُوَّة مُوسَى ، وَقَال قَتَادَة : وَكَزَه بالعَصَا وَلَم يَتَعَمَّد قَتْلَه فَعَلَى هَذَا لَا مَعْصيَة فِي ذَلِك ، وَقَوْلُه : هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ سورة القصص آية 15 ، وَقَوْلُه : ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي سورة القصص آية 16 ، قَال ابن جُرَيج : قَال ذَلِك من أجل أنَّه لَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أن يَقْتُل حَتَّى يُؤْمَر ، وَقَال النَّقَّاش : لَم يَقْتُلْه عَن عَمْد مُرِيدًا لِلْقَتْل ، وَإِنَّمَا وَكَزَه وَكزَة يُريد بِهَا دَفْع ظُلْمِه ، قَال : وَقَد قِيل : إنّ هَذَا كَان قَبْل النُبُوَّة وَهُو مُقْتَضَى التّلَاوَة ، وَقَوْلُه تَعَالَى فِي قِصتِه : وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا سورة طه آية 40 ، أي ابْتَلَيْناك ابْتِلَاء بَعْد ابْتِلَاء ، قِيل : فِي هَذِه الْقِصَّة وَمَا جَرَى لَه مَع فِرْعَوْن ، وَقِيل : إلْقَاؤُه فِي التَّابُوت وَاليَمّ وَغَيْر ذَلِك إذَا خَلَّصْتَهَا أخْلَصْنَاك إخْلاصًا ، قَاله ابن جُبَيْر ، وَمُجَاهِد من قَوْلِهِم فَتَنْت الفِضَّة فِي النَّار إذَا خَلَّصْتَهَا ، وَأَصْل الفِتْنَة مَعْنَي الاخْتِبَار وإظْهَار مَا بَطَن ، إلَّا أنَّه اسْتُعْمِل فِي عَرْف الشَّرْع فِي اخْتِبَار أدَّى إلى مَا يُكْرَه ، وَكَذَلِك مَا رُوِي فِي الْخَبَر الصَّحِيح من أَنّ مَلَك الْمَوْت جاءَه فَلَطَم عَيْنَه فَفَقَأها الْحَدِيث ، لَيْس فِيه مَا يُحْكَم عَلَى مُوسَى عَلَيْه السَّلَام بالتَّعَدّي وَفِعْل مَا لَا يَجِب ، إِذ هُو ظَاهِر الأَمْر بَيْن الْوَجْه جائز الفِعْل لَأن مُوسَى دَافَع عَن نَفْسِه من أتاه لإتْلافِهَا ، وَقَد تُصُوّر لَه فِي صورة آدمِي ، وَلَا يُمْكِن أنَّه عَلِم حِينَئذ أنَّه مُلْك المَوْت فَدَافَعَه عَن نَفْسِه مُدَافَعَة ، أدّت إِلَى ذَهَاب عَيْن تِلْك الصُّورَة التي تَصَوَّر لَه فِيهَا المَلك امْتِحَانًا مِن اللَّه ، فَلَمّا جاءَه بَعْد وَأعْلَمَه اللَّه تَعَالَى أنَّه رَسُولُه إليْه اسْتَسْلَم ، وَلِلْمُتَقَدّمِين وَالمُتأخَرِين عَلَى هَذَا الْحَدِيث أجْوِبَة هَذَا أسَدُّها عِنْدِي ، وَهُو تَأْوِيل شَيْخِنَا الْإِمَام أَبِي عَبْد اللَّه المازِرِيّ ، وَقَد تَأوَّلَه قَدِيمًا بن عَائِشَة ، وَغَيْرِه : عَلَى صَكّه وَلَطْمِه بالحُجَّة وَفَقْء عَيْن حُجَّتِه ، وَهُو كَلَام مُسْتَعْمَل فِي هذا الْبَاب فِي اللُّغَة وَمَعْرُوف . وَأَمَّا قِصَّة سُلَيْمَان وَمَا حَكى فِيهَا أَهْل التَّفَاسِير من ذَنْبِه وَقَوْلُه : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ سورة ص آية 34 ، فَمَعْنَاه ابْتَلَيْنَاه وابْتِلاؤُه مَا حُكِي عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، أنَّه قَال : " لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ ، كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارسَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ : قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ فَلمتَحْمل منهن إلَّا وَاحِدَة جَاءَت بِشقّ رَجُل قَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ قَالَ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " ، قَال أَصْحَاب المَعَاني : وَالشَّقّ هُو الجَسَد الَّذِي أُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه حِين عُرِض عَلَيْه وَهِي عُقُوبَتُه وَمِحْنَتُه ، وَقِيل : بَل مات فَأُلْقِي عَلَى كُرْسِيّه مَيّتًا ، وَقِيل : ذَنْبُه حِرْصُه عَلَى ذَلِك وَتَمَنّيه ، وَقِيل : لِأَنَّه لَم يَسْتَثْن لَمّا اسْتَغْرَقَه مِن الْحِرْص وَغَلَب عَلَيْه مِن التَّمَنّي ، وَقِيل : عُقُوبَتُه أن سُلِب مُلْكه وَذَنْبُه أن أحَبّ بِقَلْبِه أن يَكُون الْحَقّ لأخْتَانِه عَلَى خَصْمِهِم ، وَقِيل : أوخِذ بِذَنْب قارَفَه بَعْض نِسَائِه ، وَلَا يَصِحّ مَا نَقَلَه الأخْبَارِيُّون من تشبه الشَّيْطَان بِه وَتَسَلُّطِه عَلَى مُلْكِه وَتَصرُّفِه فِي أُمَّتِه بالجَوْز فِي حُكْمِه ، لِأَنّ الشياطين لَا يُسَلَّطُون عَلَى مثل هَذَا ، وَقَد عُصِم الْأَنْبِيَاء من مِثِلِه ، وإن سُئِل لِمَ لَمْ يَقُل سُلَيْمَان فِي الْقِصَّة المَذْكُورَة إن شَاء اللَّه ؟ فَعَنْه أجْوبَة : أَحَدُهَا مَا رُوِي فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أنَّه نَسي أن يَقُولَهَا وَذَلِك لِيَنْفُذ مُرَاد اللَّه ، والثاني أنَّه لَم يَسْمَع صَاحِبَه وَشُغْل عَنْه ، وَقَوْلُه : وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي سورة ص آية 35 لَم يَفْعَل هَذَا سُلَيْمَان غَيْرِه عَلَى الدُّنْيَا وَلَا نَفَاسَة بِهَا وَلَكِن مَقْصِدُه فِي ذَلِك عَلَى مَا ذَكَرَه الْمُفَسِّرُون ، أن لَا يُسَلَّط عَلَيْه أَحَد كم سُلّط عَلَيْه الشَّيْطَان الَّذِي سَلَبَه إيَّاه مُدَّة امْتِحَانِه عَلَى قَوْل من قَال ذَلِك ، وَقِيل : بَل أرَاد أن يَكُون لَه مِن اللَّه فَضِيلَة وَخَاصَّة يَخْتَصّ بِهَا كاخْتِصَاص غَيْرِه من أنْبِيَاء اللَّه ورُسُلِه بِخَوَاصّ مِنْه ، وَقِيل : لِيَكُون دَليلًا وَحُجَّة عَلَى نُبُوَّتِه كَإِلانَة الحَدِيد لأبِيه ، وَإحْيَاء المَوْتى لِعِيسَى ، وَاخْتصَاص مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم بالشَّفَاعَة ونحو هَذَا . وَأَمَّا قِصَّة نوح عَلَيْه السَّلَام فَظَاهِرَة العُذْر وَأنَّه أخَذ فِيهَا بالتّأْوِيل ، وَظَاهِر اللّفْظ لِقَوْلِه تَعَالَى : وَأَهْلَك ، فَطَلَب مُقْتَضى هَذَا اللَّفْظ وَأَرَاد عِلْم مَا طُوِي عَنْه من ذَلِك ، لَا أنَّه شَكّ فِي وَعْد اللَّه فَبيَّن اللَّه عَلَيْه أنَّه لَيْس من أهله الَّذِين وَعَدَه بِنَجاتِهِم لِكُفْرِه وَعَمَلِه الَّذِي هُو غَيْر صَالِح ، وَقَد أعْلَمَه أنَّه مُغْرِق الَّذِين ظَلَمُوا وَنَهَاه عَن مُخَاطَبِتِه فِيهِم فَأُوخِذ بِهَذا التأويل وَعُتب عَلَيْه ، وَأشْفَق هُو من إِقْدامِه عَلَى رَبَّه لِسُؤَالِه مَا لَم يُؤْذَن لَه ، وَكَان نُوح فِيمَا حَكاه النَّقَّاش لَا يَعْلَم بِكُفْر ابْنِه ، وَقِيل : فِي الآيَة غَيْر هَذَا وَلَك هَذَا لَا يَقْضِي عَلَى نُوح بِمَعْصِيَة سِوَى مَا ذَكَرْنَاه من تَأْوِيلِه وَإقدامِه بالسُّؤَال فِيمَن لم يُؤْذَن لَه فِيه وَلَا نُهَي عَنْه ، وَمَا رُوِي فِي الصَّحِيح من أَنّ نَبِيًّا قَرَصَتْه نَمْلَة فَحَرَّق قَرْيَة النَّمْل فَأَوْحى اللَّه إليْه : " إِنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقَتْ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ " ، فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَتَى مَعْصَيةٌ بَلْ فَعَلَ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَصَوَابًا بِقَتْلِ مَنْ يُؤْذِي جِنْسُهُ وَيَمْنَعُ المنْفَعَةَ بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم كَان نازِلًا تحت الشَّجَرَة فَلَمّا آذَتْه النَّمْلَة ، تَحَوَّل بِرَحْلِه عَنْهَا مَخَافَة تكْرَار الأذَى عَلَيْه ، وَلَيْس فِيمَا أوْحى اللَّه إليْه مَا يُوجِب عَلَيْه مَعْصِيَة ، بَل نَدَبَه إِلَى احْتِمَال الصَّبْر وَتَرْك التَّشَفي ، كَمَا قَال تَعَالَى : وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ سورة النحل آية 126 ، إِذ ظَاهِر فِعْلِه إنَّمَا كَان لأجْل أنَّهَا آذَتْه هُو فِي خَاصَّتِه فكان انْتِقَامًا لِنَفْسِه وَقَطْع مَضَرّه يتَوَقَّعُهَا من بَقِيَّة النَّمْل هُنَاك وَلَم يَأْت فِي كُلّ هَذَا أمْرًا نُهِي عَنْه فَيُعَصَّى بِه ، وَلَا نَصّ فِيمَا أوْحى اللَّه إليْه بِذَلِك وَلَا بالتَّوْبَة والاسْتِغْفَار مِنْه والله أَعْلَم ، فَإِنّ قِيل : فَمَا مَعْنَي قَوْله عَلَيْه السَّلَام : مَا من أَحَد إلَّا أَلَمّ بِذَنْب ، أَو كَاد إلَّا يَحْيَى بن زَكَرِيَّا ، أَو كَمَا قَال عَلَيْه السَّلَام ؟ فالْجَوَاب عَنْه كَمَا تَقَدَّم من ذُنُوب الْأَنْبِيَاء التي وَقَعَت من غَيْر قَصْد وَعَن سَهْو وَغَفْلَة . فصل فَإِن قُلْت : فَإِذَا نَفيْت عَنْهُم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِم الذُّنُوب والمَعَاصِي بِمَا ذَكَرَتَه مِن اخْتِلَاف الْمُفَسّرِين وَتأوِيل المحققين فَمَا مَعْنَي قَوْله تَعَالَى : وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى سورة طه آية 121 وَمَا تكرر فِي الْقُرْآن والحديث الصَّحِيح مِن اعْتِرَاف الْأَنْبِيَاء بِذُنُوبِهِم وَتَوْبَتِهِم وَاسْتِغْفَارِهِم وَبُكائِهِم عَلَى مَا سَلَف وَمِنْهُم وَإشْفاقِهِم ، وَهَل يُشْفَق وَيُتَاب وَيُسْتَغْفَر من لَا شَيْء ؟ فاعلم وفقنا اللَّه وَإيَّاك أن دَرَجَة الْأَنْبِيَاء فِي الرّفْعَة وَالعُلُوّ والمعرفة بالله وَسُنَّتِه فِي عبادة وعظم سلطانه وقوة بطشه ، مِمَّا يحملهم عَلَى الخوف مِنْه جل جلاله والإشفاق مِن المؤاخذة بِمَا لَا يؤاخذ بِه غَيْرِهِم ، وَأَنَّهُم فِي تصرفهم بأمور لَم ينهوا عَنْهَا وَلَا أمروا بِهَا ثُمّ وخذوا عَلَيْهَا وعوتبوا بسببها ، وحذروا مِن المؤاخذة بِهَا وأتوها على وجه التأويل أَو السَّهْو أَو تزيد من أمور الدنيا المباحة خائفون وجلون ، وَهِي ذنوب بالإضافة إِلَى عَلِيّ منصبهم ، ومعاص بالنسبة إِلَى كَمَا طاعتهم لَا أنَّهَا كَذُنُوب غَيْرِهِم ومَعَاصِيهِم ، فَإِنّ الذنب مَأْخُوذ مِن الشَّيْء للدّنيء الرَّذْل وَمِنْه ذَنَب كُلّ شَيْء : أَي آخِرُه ، وَأذْناب النَّاس : رُذَّالُهُم ، فكان هَذِه أدْنى أفْعالِهِم وَأسْوَأ مَا يَجْرِي من أحْوَالِهِم لِتَطْهِيرِهِم وَتنْزِيههِم وَعِمَارة بَوَاطِنِهم وَظَوَاهِرِهم بالعَمَل الصالح والكلم الطيب والذّكْر الظَّاهِر والخَفَيّ والخَشْيَة لله وَإعْظَامِه فِي السّرّ والعَلَانِيَة ، وَغَيْرِهِم يَتَلوَّث مِن الكَبَائِر وَالقَبَائِح والفَوَاحِش مَا تَكُون بالإضَافَة إِلَى هَذَا الهَنَات فِي حَقَه كالحَسَنَات ، كَمَا قِيل : حَسَنَات الأبْرَار سَيّئَات المُقَربِين أَي يَرَوْنَهَا بالإضَافَة إلى عَلِيّ أحْوَالِهِم كالسَّيّئات ، وَكَذَلِك العِصْيَان التَّرْك وَالمُخَالَفَة فَعَلَى مُقْتَضى اللَّفْظَة كَيْفَمَا كانت من سَهْو أَو تَأويل فهي خالفة ، وترك وَقَوْلُه غوى : أَي جهل أَنّ تِلْك الشجرة هِي التي نهي عَنْهَا والغي الجهل ، وَقِيل : أخطأ مَا طلب مِن الخلود إِذ أكَلَهَا وخابَت أُمْنِيَّتُه ، وَهَذَا يُوسُف عَلَيْه السَّلَام قَد أُوخِذ بِقَوْلِه لأحد صاحِبَي السّجْن : اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ سورة يوسف آية 42 قِيل : أُنْسِي يُوسُف ذَكَر اللَّه ، وَقِيل : أُنْسِي صاحبُه أن يَذْكُرَه لِسَيَّده المَلك ، قَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " لَوْلَا كَلِمَةُ يُوسُفَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ " ، قَال ابن دِينَار : " لَمَّا قَال ذَلِكَ يُوسُفُ ، قِيلَ لَه : أخَذْت من دُونِي وَكِيلًا لَأُطِيلَنّ حَبْسَك . فَقَال : يَا رَبّ أنْسَى قَلْبي كَثْرَة البَلْوى " ، وَقَال بَعْضُهُم : يُؤَاخِذ الْأَنْبِيَاء بمثاقيل الذَّرّ لمَكانتهم عِنْد ويجاوز عَن سائر الْخَلْق لقلة مبالاته بهم فِي أضْعَاف مَا أتَوْا بِه من سُوء الأدَب ، وَقَد قَال المُحْتَجّ ، للْفِرْقَة الأُولَى عَلَى سِيَاق مَا قُلْنَاه : إذَا كَان الْأَنْبِيَاء يُؤاخَذُون بِهَذا مِمَّا لَا يُؤَاخَذ بِه غَيْرِهِم مِن السَّهْو وَالنّسْيَان وَمَا ذَكَرْتَه ، وَحَالُهُم ارْفَع فَحَالُهُم إذَا فِي هَذَا أسْوَأ حَالًا من غَيْرِهِم ، فاعْلَم أكْرَمَك اللَّه أَنَا لَا نُثْبِت لَك المُؤَاخَذَة فِي هَذَا عَلَى حد مُؤَاخَذَة غَيْرِهِم ، بَل نَقُول : إنَّهُم يُؤَاخَذُون بِذَلِك فِي الدُّنْيَا لِيكون ذَلِك زيادة فِي درجاتهم ، ويبتلون بِذَلِك ليكون استشعارهم لَه سببًا لمنماة رتبهم ، كَمَا قَال : ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى سورة طه آية 122 ، وَقَال لداود : فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ سورة ص آية 25 الآيَة ، وَقَال بَعْد قَوْل مُوسَى تُبْت إِلَيْك : إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ سورة الأعراف آية 144 ، وَقَال بَعْد ذِكْر فِتْنَة سُلَيْمَان وَإنابَتِه : فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ إِلَى : وَحُسْنَ مَآبٍ سورة ص آية 36 - 41 ، وَقَال بَعْض المُتَكلّمين : زَلَّات الْأَنْبِيَاء فِي الظَّاهِر زَلَّات وَفِي الْحَقِيقَة كَرَامَات وَزُلَف ، وَأشار إِلَى نَحْو مِمَّا قدمناه وأيضًا فلينبه غَيْرِهِم مِن البشر مِنْهُم أَو مِمَّن لَيْس فِي درجتهم بمؤاخذتهم بِذَلِك فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ، ليلتزموا الشكر عَلَى النعم ويعدوا الصبر عَلَى المحن بملاحظة مَا وَقَع بأهل هَذَا النصاب الرفيع المعصوم فكيف بمن سواهم ، ولهذا قَال صَالِح المري : ذِكْر دَاوُد بَسْطَة للتوابين ، قَال ابن عَطَاء : لَم يَكُن مَا نص اللَّه تَعَالَى من قِصَّة صَاحِب الحُوت نَقْصًا لَه ، وَلَكِن اسْتِزادة من نَبِيّنا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وأيضًا ، فَيُقَال لَهُم : فإنَّكُم وَمِن وَافَقَكُم ، تَقُولُون بِغُفْرَان الصَّغَائِر باجْتِنَاب الكبَائر ، وَلَا خِلَاف عَلَى عِصْمَة الْأَنْبِيَاء مِن الكبائر ، فَمَا جَوَّزْتُم من وُقُوع الصغائر عَلَيْهِم هِي مَغْفُورَة عَلَى هَذَا ، فَمَا مَعْنَي المُؤَاخَذَة بِهَا إذَا عِنْدَكُم وَخَوْف الْأَنْبِيَاء وَتَوْبَتِهُم مِنْهَا وَهِي مغفورة لو كانت فَمَا أجَابُوا بِه ، فَهُو جَوَابُنا عَن المُؤَاخَذَة بأَفْعَال السَّهْو وَالتَّأْوِيل ، وَقَد قِيل : إنّ كَثْرَة اسْتِغْفَار النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وَتَوبَتِه وَغَيْرُه مِن الْأَنْبِيَاء عَلَى وَجْه مُلازَمَة الخُضُوع وَالْعُبُودِيَّة والاعْتِراف بالتَّقْصِير شُكْرًا لله عَلَى نِعَمْه ، كَمَا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَقَد أمِن مِن المُؤَاخَذَة بِمَا تقدم وَمَا تَأخَّر : " أَفَلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا " ، وَقَال : " إِنِّي أَخْشاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِمَا أَتَّقِي " ، قَال الحَارِث بن أسَد : خَوْف الْمَلَائِكَة وَالْأَنْبِيَاء خَوْف إعْظَام وَتَعَبُّد لله لأنهم آمنُون ، وَقِيل فَعَلُوا ذَلِك ليُقْتَدَى بهم وَتَسْتَنَّ بهم أُمَمُهُم ، كَمَا قَال صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم : " لَو تَعَلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا " ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي التَّوْبَةِ وَالاسْتِغْفَارِ مَعْنَي آخر لطيفا أشار إليْه بَعْض الْعُلمَاء وَهُو استدعاء محبة اللَّه ، قَال اللَّه تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ سورة البقرة آية 222 فإحْدَاث الرُّسُل والأنبياء الاسْتِغْفَار وَالتَّوْبَة والإنابة والأوْبَة فِي كُلّ حِين اسْتِدْعَاء لِمَحَبَّة اللَّه وَالاسْتِغْفَار فِيه مَعْنَي التَّوْبَة ، وَقَد قَال اللَّه لِنَبّيه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، بَعْد أن غَفَر لَه مَا تَقَدَّم من ذَنْبِه وَمَا تَأخَّر : لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ سورة التوبة آية 117 الآيَة ، وَقَال تَعَالَى : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا سورة النصر آية 3 . فصل قَد استبان لَك أيُّهَا الناظر بِمَا قررناه مَا هُو الْحَقّ من عصمته صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم عَن الجهل بالله وصفاته ، أَو كونه عَلَى حالة تنافي الْعِلْم بِشَيْء من ذَلِك كله جملة بَعْد النُّبُوَّة عقلًا وإجماعًا وقبلها سماعًا ونقلًا ، وَلَا بِشَيْء مِمَّا قررناه من أمور الشرع وأداه عَن رَبَّه مِن الْوَحْي قَطْعًا وعقْلًا وشَرْعًا ، وَعِصْمَتِه عَن الكَذِب وَخُلْف القَوْل مُنْذ نَبَّأه اللَّه وأَرْسَلَه قَصْدًا أَو غَيْر قَصْد ، وَاسْتِحَالَة ذَلِك عَلَيْه شَرْعًا وَإجْمَاعًا وَنَظَرًا وَبُرْهانًا ، وتَنْزيهِه عَنْه قَبْل النُّبُوَّة قَطْعًا وَتَنْزِيهِه عَن الكبائر إجْمَاعًا وَعَن الصَّغَائِر تَحْقِيقًا وَعَن اسْتِدَامَة السَّهْو وَالغَفْلَة وَاسْتِمْرَار الغَلَط وَالنّسْيَان عَلَيْه فِيمَا شَرَعَه للأمة ، وَعَصْمَتِه فِي كُلّ حَالاتِه من رضى وَغَضَب وَجَد وَمَزْح ، فَيَجب عَلَيْك أَنّ تَتَلقَّاه باليَمِين وَتَشُدّ عَلَيْه يد الضَّنين وَتَقْدُر هَذِه الفُصُول حَقّ قَدْرِهَا وَتَعْلَم عَظِيم فائِدَتِهَا وَخَطَرها ، فَإِنّ من يَجْهَل مَا يَجِب لِلنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم أَو يَجُوز أَو يَسْتَحِيل عَلَيْه وَلَا يَعْرِف صُوَر أحْكَامِه ، لَا يَأْمن أن يَعْتَقِد فِي بَعْضَهَا خِلَاف مَا هِي عَلَيْه ، وَلَا يُنَزّهُه عَمَّا لَا يَجِب أن يُضَاف إليْه ، فَيَهْلِك من حَيْث لَا يَدْرِي وَيَسْقُط فِي هُوَّة الدَّرْك الأسْفَل مِن النَّار ، إِذ ظَنّ البَاطِل بِه اعْتِقَاد مَا لَا يَجوز عَلَيْه يُحلّ بِصَاحِبِه دَار البَوَار ، ولهذا مَا احْتَاط عَلَيْه السَّلَام عَلَى الرَّجُلَيْن الَّذَيْن رَأياه لَيْلًا وَهُو مُعْتِكف فِي المَسْجِد مَع صَفِيَّة ، فَقَال لهما : إنَّهَا صَفِيَّة ، ثُمّ قَال لهما : " إِنَّ الشَيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ ، مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا فَتَهْلِكَا " . هَذِه أكْرَمَك اللَّه إحْدَى فوائِد مَا تَكَلَّمْنا عَلَيْه فِي هَذِه الفُصُول ، وَلعَّل جَاهِلًا لَا يَعْلَم بِجَهْلِه إذَا سَمِع شَيْئًا مِنْهَا يَرَى أَنّ الْكَلَام فِيهَا جُمْلَة من فُضُول الْعِلْم وَأَنّ السُّكُوت أوْلَى ، وَقَد اسْتَبَان لَك أنَّه مُتَعَيَّن لِلْفَائِدَة التي ذَكَرْنَاهَا ، وَفَائِدَة ثانيَة : يُضْطَرّ إِلَيْهَا فِي أُصُول الْفَقْه ، وَيُبْتَنى عَلَيْهَا مَسَائِل لَا تَنْعَدّ مِن الْفِقْه وَيُتَخَلَّص بِهَا من تشغيب مختلفي الفقهاء فِي عِدَّة مِنْهَا ، وَهِي الحكم فِي أقوال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم وأفعاله وَهُو بَاب عظيم وأصل كَبير من أُصُول الفقه ، ولَابُد من بنائه عَلَى صَدَق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم فِي أخباره وبلاغه ، وَأنَّه لَا يجوز عَلَيْه السَّهْو فِيه وعصمته مِن المخالفة فِي أفعاله عَمْدًا ، وَبِحَسَب اختلافهم فِي وقوع الصَّغَائِر وَقَع خِلَاف فِي امتثال الفعل بَسْط بَيَانِه فِي كُتُب ذَلِك الْعِلْم فَلَا نُطَوّل بِه ، وَفَائِدَة ثالِثَة : يحتاج إليها الحاكم والمفتي فيمن أضاف إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم شَيْئًا من هَذِه الأمور ووصفه بِهَا ، فَمَن لَم يعرف مَا يجوز وَمَا يمتنع عَلَيْه ، وَمَا وَقَع الإجماع فِيه والخلاف كَيْف يصمم فِي الفتيا فِي ذَلِك ، وَمِن أَيْن يدري هَل مَا قاله فِيه نقص أَو مدح ؟ فإما أَن يجترئ عَلَى سفك دم مُسْلِم حرام ، أَو يسقط حقا ويضيع حرمة للنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ؟ وبسبيل هَذَا مَا قَد اخْتُلِف أرْباب الأصُول وأئمة الْعُلمَاء والمحققين فِي عصمة الْمَلَائِكَة . فصل فِي القَوْل فِي عصمة الْمَلَائِكَةِ أجمع الْمُسْلِمُون عَلَى أَنّ الْمَلَائِكَة مؤمنون فضلاء ، وأتفق أئِمَّة الْمُسْلِمِين أَنّ حُكْم المُرْسَلِين مِنْهُم حُكْم النَّبِيّين سواء فِي العِصْمَة مِمَّا ذَكَرْنَا عِصْمتَهُم مِنْه ، وَأَنَّهُم فِي حُقُوق الْأَنْبِيَاء والتَّبْلِيغ إِلَيْهِم كالْأَنْبِيَاء مَع الْأُمَم ، واختلفوا فِي غَيْر الْمُرْسَلِين مِنْهُم ، فذهبت طائفة إِلَى عصمة جميعهم عَن المعاصي ، واحتجُّوا بِقَوْلِه تَعَالَى : لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ سورة التحريم آية 6 ، وبقوله تَعَالَى : وَمَا مِنَّا إِلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ { 164 } وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ { 165 } وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ سورة الصافات آية 164-166 ، وبقوله تَعَالَى : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ { 19 } يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ سورة الأنبياء آية 19-20 ، وبقوله تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ سورة الأعراف آية 206 الآيَة ، وبقوله تَعَالَى : كِرَامٍ بَرَرَةٍ سورة عبس آية 16 ، وبقوله تَعَالَى : لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ سورة الواقعة آية 79 وَنَحْوَه مِن السَّمْعِيَّات ، وذهبت طائفة إِلَى أَنّ هَذَا خُصُوص لِلْمُرْسَلِين مِنْهُم وَالمُقَرَّبِين ، واحْتَجُّوا بأشْيَاء ذَكَرَهَا أهْل الْأَخْبَار والتَّفَاسِير ، نَحْن نَذْكُرُهَا إن شَاء اللَّه بَعْد ونبين الْوَجْه فِيهَا أن شَاء اللَّه ، والصواب عصمة جميعهم وتنزيه نصابهم الرفيع ، عَن جميع مَا يحط من رتبتهم ومنزلتهم عَن جليل مقدارهم ، ورأيت بَعْض شيوخنا أشَار بأن لَا حاجة بالفقيه إِلَى الْكَلَام فِي عصمتهم ، وَأَنَا أقول : إنّ الْكَلَام فِي ذَلِك مَا للكلام فِي عصمة الْأَنْبِيَاء مِن الْفَوَائِد التي ذَكَرْنَاهَا سوى فائدة الْكَلَام فِي الأقوال والأفعال فهي ساقطة ههنا ، فمما احْتَجّ بِه من لَم يُوجِب عصمة جميعهم قِصَّة هاروت وماروت ، وَمَا ذَكَر فِيه أهل الْأَخْبَار ، ونَقَلَة الْمُفَسّرِين ، وَمَا رُوِي عَن عَلِيّ ، وَابْن عَبَّاس فِي خبرهِمَا وابْتلائِهِمَا ، فاعلم أكْرَمَك اللَّه أَنّ هَذِه الأخْبَار لَم يُرْو مِنْهَا شَيْء لَا سَقِيم وَلَا صَحِيح عَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّم ، وَلَيْس هُو شَيْئًا يُؤْخَذ بِقِيَاس وَالَّذِي مِنْه فِي الْقُرْآن اخْتَلف الْمُفَسِّرُون فِي مَعْنَاه ، وَأنْكَر مَا قَال بَعْضُهُم فِيه كَثير مِن السَّلَف كَمَا سَنَذْكُرُه ، وَهَذَا الْأَخْبَار من كُتُب اليَهُود وَافْتِرَائِهِم كَمَا نَصَّه اللَّه أَوَّل الآيات مِن افْتِرَائِهِم بِذَلِك عَلَى سُلَيْمَان وتَكْفِيرِهِم إيَّاه ، وَقَد انْطَوَت الْقِصَّة عَلَى شُنَع عَظِيمَة ، وها نَحْن نُخَبَّر فِي ذَلِك مَا يَكْشِف غِطَاء هَذِه الإشْكَالات إنّ شَاء اللَّه ، فاخْتُلِف أوَّلًا فِي هَارُوت ومَارُوت هَل هما مَلَكَان أَو إنْسِيَّان ، وَهَل هما المُرَاد بَالْمَلَكَيْن أم لَا ، وهل القراءة مَلَكَيْن أو ملِكَيْن ، وهل مَا فِي قَوْله : وَمَا أنزل سورة البقرة آية 102 ، وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ سورة البقرة آية 102 ، نَافِيَة أَو مُوجِبَة ؟ فَأكْثَر الْمُفَسّرِين أَنّ اللَّه تَعَالَى أمْتَحَن النَّاس بِالْمَلَكَيْن لِتَعْلِيم السّحْر وَتَبيينِه وَأن عَمَلَه كُفْر ، فَمَن تَعَلَّمَه كَفَر ، وَمِن تَرَكَه آمَن ، قَال اللَّه تَعَالَى : إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ سورة البقرة آية 102 وتعليمهما النَّاس لَه تَعْلِيم إنْذَار ، أَي يَقُولان لِمَن جَاء يَطْلُب تَعَلُّمَه لَا تَفْعَلُوا كذا فَإنَّه يُفَرَّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجِه ، وَلَا تَتَخَيَّلُوا بِكَذَا فَإنَّه سِحْر فَلَا تَكْفُرُوا . فَعَلَى هَذَا فِعْل الْمَلَكَيْنِ طَاعَة وَتَصَرُّفُهُمَا فِيمَا أُمِر بِه لَيْس بِمَعْصِيَة ، وَهِي لغَيْرِهِمَا فِتَْنَة ، وَرَوَى بن وَهْب ، عَن خَالِد بن أَبِي عِمْرَان ، أنَّه ذَكَر عِنْدَه هاروت وماروت وأنهما يُعَلّمَان السّحْر ، فَقَال : نَحْن نُنَزّهُمَا عَن هَذَا فَقَرأ بَعْضُهُم : مَا أنزل عَلَى الْمَلَكَيْنِ سورة البقرة آية 102 فَقَال خَالِد : لَم يُنْزَل عَلَيْهَمَا . فَهَذَا خَالِد عَلَى جَلَالَتِه وعلمه نزههما عَن تعليم السحر ، الَّذِي قَد ذَكَر غَيْرِه انهما مأذون لهما فِي تعليمه بشريطة أَنّ يبينا أنَّه كفر وَأنَّه امتحان مِن اللَّه وابتلاء فكيف لَا ينزههما عَن كبائر المعاصي والكفر المذكورة فِي تِلْك الْأَخْبَار ، وقول خَالِد : لَم ينزل ، يريد أَنّ مَا نافية ، وَهُو قَوْل ابن عَبَّاس ، قَال مَكّيّ وتقدير الْكَلَام وَمَا كفر سُلَيْمَان يريد بالسحر الَّذِي افتعلته عَلَيْه الشياطين واتبعهم فِي ذَلِك اليهود وَمَا أنزل عَلَى الملكين قَال مَكّيّ هما جِبْرِيل وميكائيل ادعى اليهود عَلَيْهَمَا المجيء بِه ، كَمَا ادعوا عَلَى سُلَيْمَان فأكذبهم اللَّه فِي ذَلِك : وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ سورة البقرة آية 102 ببابل هاروت ومارت ، قِيل : هما رَجُلان تعلماه ، قَال الْحَسَن : هارُوت ومارُوت علجان من أَهْل بابن ، وقرأ : وَمَا أنزل عَلَى الْمَلِكَيْنِ ، بِكَسْر اللَّام وتكون " مَا " إيجَابًا عَلَى هَذَا ، وَكَذَلِك قراءة عَبْد الرَّحْمن بن أبزى بكسر اللام ، ولكنه قَال الملكان هُنَا دَاوُد وسليمان وتكون مَا نفيًا عَلَى مَا تقدم ، وَقِيل : كانا ملكين من بَنِي إسرائيل فمسخهما اللَّه ، حكاه السَّمْرَقَنْدِيّ . والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآيَة عَلَى تقدير أَبِي مُحَمَّد مَكّيّ حَسَن ، ينزه الْمَلَائِكَة ويذهب الرجس عَنْهُم ويطهرهم تطهيرا ، وَقَد وصفهم اللَّه بأنهم مطهرون و كِرَامٍ بَرَرَةٍ سورة عبس آية 16 ، و لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ سورة التحريم آية 6 ومما يذكرونه قِصَّة إبليس وَأنَّه كَان مِن الْمَلَائِكَة ورئيسا فِيهِم ومِن خزان الْجَّنة إِلَى آخر مَا حكوه وَأنَّه استثناه مِن الْمَلَائِكَة بِقَوْلِه : فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ سورة البقرة آية 34 وَهَذَا أيْضًا لَم يتفق عَلَيْه ، بَل الأكثر ينفون ذَلِك وَأنَّه أَبُو الجن كَمَا آدَم أَبُو الأنس ، وَهُو قَوْل الْحَسَن ، وقتادة ، وَابْن زَيْد ، وَقَال شهر بن حوشب : كَان مِن الجِنّ الَّذِين طَرَدَتْهُم الْمَلَائِكَة فِي الْأَرْض حِين أفْسَدُوا ، وَالاسْتثْنَاء من غَيْر الجنْس شَائع فِي كَلَام الْعَرَب سائغ ، وَقَد قَال اللَّه تَعَالَى : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ سورة النساء آية 157 ، ومما رووه في الْأَخْبَار أَنّ خلقًا مِن الْمَلَائِكَة عصوا اللَّه فحرقوا وأمروا أَنّ يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا ، ثُمّ أخرون كَذَلِك حَتَّى سجد لَه من ذَكَر اللَّه إلَّا إبليس فِي أخبار لَا أصل لَهَا تردها صحاح الْأَخْبَار فَلَا يشتغل بِهِا والله أَعْلَم .