← تبيين كذب المفتري فيما نس…
تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري
#147 1 : 150 ☰ باب ما وصف من مجانبته لأهل البدع وجهاده وذكر …
A− A+

كتب إليّ الشيخ أَبُو الْقَاسِمِ نصر بن نصر الواعظ يخبرني ، عن الْقَاضِي أَبِي المعالي بن عَبْدِ الْمَلِكِ ، وذكر أبا الحسن الأشعري ، فقال : نضر اللَّه وجهه ، وقدس روحه ، فإنه نظر في كتب المعتزلة ، والجهمية ، والرافضة ، وإنهم عطلوا وأبطلوا ، فقَالُوا : لا علم لِلَّه ، ولا قدرة ، ولا سمع ، ولا بصر ، ولا حياة ، ولا بقاء ، ولا إرادة ، وقالت الحشوية ، والمجسمة ، والمكيفة المحددة : إن لِلَّه علما كالعلوم ، وقدرة كالقدر ، وسمعا كالأسماع ، وبصرا كالأبصار ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، فقال : إن لِلَّه سبحانه وتعالى علما لا كالعلوم ، وقدرة لا كالقدر ، وسمعا لا كالأسماع ، وبصرا لا كالأبصار

وكذلك قَالَ جهم بن صفوان : العبد لا يقدر على إحداث شيء ، ولا على كسب شيء ، قالت المعتزلة : هو قادر على الإحداث والكسب معا ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، فقال : العبد لا يقدر على الإحداث ويقدر على الكسب ، ونفى قدرة الإحداث ، وأثبت قدرة الكسب . وكذلك قالت الحشوية المشبهة : إن اللَّه سبحانه وتعالى يرى مكيفا محدودا كسائر المرئيات ، وقالت المعتزلة ، والجهمية ، والنجارية : إنه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، فقال : يرى من غير حلول ، ولا حدود ، ولا تكييف . كما يرانَا هو سبحانه وتعالى ، وهو غير محدود ، ولا مكيف ، فكذلك نراه وهو غير محدود ، ولا مكيف . وكذلك قالت النجارية : إن الباري سبحانه بكل مكان من غير حلول ولا جهة ، وقالت الحشوية ، والمجسمة : إنه سبحانه حال في العرش ، وإن العرش مكان له ، وهو جالس عليه ، فسلك طريقة بينهما ، فقل : كان ولا مكان ، فخلق العرش والكرسي ، ولم يحتج إلى مكان ، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه . وقالت المعتزلة : له يد ، يده : قدرة ونعمة ، ووجهه : وجه وجود ، وقالت الحشوية : يده يد جارحة ، ووجهه وجه صورة ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، فقال : يده يد صفة ، ووجهه وجه صفة ، كالسمع والبصر . وكذلك قالت المعتزلة : النزول نزول بعض آياته ، وملائكته والاستواء بمعني الاستيلاء ، وقالت المشبهة ، والحشوية : النزول نزول ذاته بحركة وانتقال من مكان إلى مكان ، والاستواء جلوس على العرش ، وحلول فيه ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، فقال : النزول صفة من صفاته ، والاستواء صفه من صفاته ، وفعل فعله في العرش : يسمى الاستواء . وكذلك قالت المعتزلة : كلام اللَّه مخلوق مخترع مبتدع ، وقالت الحشوية المجسمة : الحروف المقطعة ، والأجسام التي يكتب عليها ، والألوان التي يكتب بها ، وما بين الدفتين كلها قديمة أزلية ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، فقال : القرآن كلام اللَّه قديم غير مغير ، ولا مخلوق ، ولا حادث ، ولا مبتدع ، فأما الحروف المقطعة والأجسام ، والألوان ، والأصوات ، والمحدودات ، وكل ما في العالم من المكيفات : مخلوق مبتدع ، مخترع . وكذلك قالت المعتزلة ، والجهمية ، والنجارية : الإيمان مخلوق على الإطلاق ، وقالت الحشوية المجسمة : الإيمان قديم على الإطلاق ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، وقال : الإيمان إيمانَان : إيمان لِلَّه فهو قديم ، لقوله : الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ سورة الحشر آية 23 ، وإيمان للخلق فهو مخلوق لأنه منهم يبدو ، وهم مثابون على إخلاصه ، معاقبون على شكه ، وكذلك قالت المرجئة : من أخلص لِلَّه سبحانه وتعالى مرة في إيمانه لا يكفر بارتداد ، ولا كفر ، ولا يكتب عليه كبيرة قط . وقالت المعتزلة : إن صاحب الكبيرة مع إيمانه ، وطاعته مائة سنة لا يخرج من النَّار قط ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، وقال : المؤمن الموحد الفاسق ، هو في مشيئة اللَّه تعالى إن شاء عفا عنه ، وأدخله الجنة ، وإن شاء عاقبه بفسقه ، ثم أدخله الجنة ، فأما عقوبة متصلة مؤبدة فلا يجازى بها كبيرة منفصلة منقطعة . وكذلك قالت الرافضة : إن للرسول صلوات اللَّه عليه وسلامه ولعلي عليه السلام شفاعة من غير أمر اللَّه تعالى ، ولا إذنه حتى لو شفعا في الكفار قبلت ، وقالت المعتزلة : لا شفاعة له بحال ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهما ، فقال : بأن للرسول صلوات اللَّه عليه وسلامه شفاعة مقبولة في المؤمنين المستحقين للعقوبة ، يشفع لهم بأمر اللَّه تعالى وإذنه ، ولا يشفع إلا لمن ارتضي . وكذلك قالت الخوارج : بكفر عثمان ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ، ونص هو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ على موالاتهما ، وتفضيل المقدم على المؤخر . وكذلك قالت المعتزلة : إن أمير المؤمنين معاوية ، وطلحة ، والزبير ، وأم المؤمنين عائشة ، وكل من تبعهم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم على الخطأ ، ولو شهدوا كلهم بحبة واحدة لم تقبل شهادتهم ، وقالت الرافضة : إن هؤلاء كلهم كفار ارتدوا بعد إسلامهم ، وبعضهم لم يسلموا . وقالت الأموية : لا يجوز عليهم الخطأ بحال ، فسلك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طريقة بينهم ، وقال : كل مجتهد مصيب ، وكلهم على الحق وإنهم لم يختلفوا في الأصول ، وإنما اختلفوا في الفروع ، فأدى اجتهاد كل واحد منهم إلى شيء فهو مصيب وله الأجر والثواب على ذلك . إلى غير ذلك من أصول يكثر تعدادها وتذكارها وهَذِهِ الطرق التي سلكها لم يسلكها شهوة وإرادة ، ولم يحدثها بدعة ، واستحسانًا ، ولكنه أثبتها ببراهين عقلية مخبورة ، وأدلة شرعية مسبورة ، وأعلام هادية إلى الحق ، وحجج داعية إلى الصواب والصدق ، هي الطرق إلى اللَّه سبحانه وتعالى ، والسبيل إلى النجاة والفوز ، مَنْ تمسك بها فاز ونجا ، ومن حاد عنها ضل وغوى . فإذا كان أَبُو الْحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد ، مستصوب المذهب عند أهل المعرفة بالعلم ، والانتقاد ، يوافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد ، ولا يقدح في معقتده غير أهل الجهل والعنَاد ، فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة ، ونجتنب أن نزيد فيه ، أو ننقص منه تركا للخيانة ، ليعلم حقيقة حاله في صحة عقيدته في أصول الديانة . فاسمع ما ذكره في أول كتابه الذي سماه بالإبانة ، فإنه قَالَ : الحمد لِلَّه الأحد الواحد ، العزيز الماجد ، المتفرد بالتوحيد ، المتمجد بالتمجيد ، الذي لا تبلغه صفات العبيد ، وليس له مثل ولا نديد ، وهو المبدئ المعيد ، جل عن اتخاذ الصاحبة والأبْنَاء ، وتقدَّس عن ملامسة النساء ، فليست له عزة تنَال ، ولا حدّ تضرب له فيه الأمثال ، لم يزل بصفاته أولا قديرا ، ولا يزال عالما خبيرا ، سبق الأشياء علمه ، ونفذت فيها إرداته ، فلم تعزب عنه خفيات الأمور ، ولم تغيره سوالف صروف الدهور ، ولم يلحقه في خلق شيء مما خلق كلال ولا تعب ، ولا مسه لغوب ، ولا نصب ، خلق الأشياء بقدرته ، ودبرها بمشيئته ، وقهرها بجبروته ، وذللها بعزته ، فذل لعظمته المتكبرون ، واستكان لعظم ربوبيته المتعظمون ، وانقطع دون الرسوخ في علمه الممترون ، وذلت له الرقاب ، وحارت في ملكوته فِطَن ذوي الألباب ، وقامت بكلمته السموات السبع ، واستقرت الأرض المهاد ، وثبتت الجبال الرواسي ، وجرت الرياح اللواقح ، وسار في جو السماء السحاب ، وقامت على حدودها البحار . وهو إله قاهر يخضع له المتعززون ، ويخشع له المترفعون ، ويدين طوعا وكرها له العالمون . نحمده كما حمد نفسه ، وكما رَبُّنَا له أهل ، ونستعينه استعانة من فوَّض أمره إليه ، وأقر أنه لا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه ، ونستغفره استغفار مقر بذنبه ، معترف بخطيئته ، ونشهد أن لا إله إلا اللَّه ، وحده لا شريك له ، إقرارا بوحدانيته ، وإخلاصا لربوبيته ، وأنه العالم بما تبطنه الضمائر ، وتنطوي عليه السرائر ، وما تخفيه النفوس ، وما تخزن البحار ، وما تواري الأسرار وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ سورة الرعد آية 8 ، لا توارى منه كلمة ، ولا تغيب عنه غائبة ، وما تسقط من ورقة من شجرة وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ سورة الأنعام آية 59 ، ويعلم ما يعمل العاملون ، وإلى أين ينقلب المنقلبون . ونستهدي اللَّه بالهدى ، ونسأله التوفيق ، لمجانبة الردى ، ونشهد أن مُحَمَّدًا عبده ونبيه ورسوله إلى خلقه ، وأمينه على وحيه ، أرسله بالنور الساطع ، والسراج اللامع ، والحجج الظاهرة ، والبراهين الزاهرة ، والأعاجيب القاهرة ، فبلغ عن اللَّه رسالاته ، ونصح له في برياته ، وجاهد في اللَّه حق الجهاد ، ونصح له في البلاد ، وقابل أهل العنَاد ، حتى تمت كلمة اللَّه وظهر أمره ، وانقاد النَّاس للحق أجمعين ، حتى أتاه اليقين ، لا وانيا ، ولا مقصرا ، فصلوات اللَّه عليه من قائد إلى الهدى ، ومبين عن ضلالة وعمى ، وعلى أهل بيته الطيبيين ، وعلى أصحابه المنتجبين ، وعلى أزواجه الطاهرات ، أمهات المؤمنين . صلوات اللَّه على من أظهر الشرائع ، والأحكام ، والحلال والحرام ، وبين لنَا به شريعة الإسلام ، حتى انجلت به عنَا طخياء الظلام ، وانحسرت به عنَّا الشبهات ، وانكشفت به عنَّا الغيابات ، وظهرت لنَا به البينَات ، جاءنَا بكتاب عزيز لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ سورة فصلت آية 42 ، جمع فيه علم الأولين والآخرين ، وأكمل به الفرائض والدين ، وهو صراط اللَّه المستقيم ، وحبله المتين ، مَنْ تمسك به نجا ، ومن خالفه ضل وغوى ، وحثنَا في كتابه على التمسك بسنة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا سورة الحشر آية 7 ، وقال : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ سورة النور آية 63 ، وَقَالَ : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ سورة النساء آية 83 ، وقال : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ سورة الشورى آية 10 ، يقول : إلى كتاب اللَّه وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى { 3 } إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى سورة النجم آية 3-4 ، وقال : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ سورة يونس آية 15 ، وقال : إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا سورة النور آية 51 ، وأمَرَهم أن يسمعوا قوله ، ويطيعوا أمره ، فقال : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ سورة النساء آية 59 ، فأمرهم بطاعة رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أمرهم بطاعته ، ودعاهم إلى التمسك بسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كما أمرهم بالعمل بكتابه ، فنبذ كثير ممن غلبت عليه شقوته ، واستحوذت عليه بليته ، سنة نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وراء ظهورهم ، ومالوا إلى أسلافهم ، وقلدوهم دينهم ، ودانوا بديانته ، وأبطلوا سنن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورفضوها ، وأنكروها وجحدوها افتراءً منهم على اللَّه قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ سورة الأنعام آية 140 . وأوصيكم عباد اللَّه بتقوى اللَّه ، وأحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة ، تغر أهلها ، وتخدع سكانها ، قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا سورة الكهف آية 45 . إن امرأ لم يكن منها في حيرة ، إلا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق من سرائها بطنًا إلا منحته من ضرائها ظهورا غرارة غرور ما فيها ، فانية فان من عليها ، كما حكم عليها ربها بقوله : كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ سورة الرحمن آية 26 ، فاعملوا رحمكم اللَّه للحياة الدائمة ، ولخلود الأبد ، فإن الدنيا تنقضي عن أهلها ، وتبقى الأعمال قلائد في رقاب أهلها ، واعلموا أنكم ميتون ، ثم إنكم من بعد موتكم إلى ربكم تصيرون لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى سورة النجم آية 31 ، وكونوا بطاعة ربكم عاملين ، وعما نهاكم عنه منتهين . أما بعد ، فإن كثيرا من المعتزلة ، وأهل القدر ، مالت بهم أهواؤهم إلى التقليد لرؤسائهم ، ومن مضى من أسلافهم ، فتأولوا القرآن على آرائهم تأويلا ، لم ينزل اللَّه به سلطانًا ، ولا أوضح به برهانًا ، ولا نقلوه عن رسول رب العالمين ، ولا عن السلف المتقدمين ، فخالفوا رواية الصحابة عن نبي اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رؤية اللَّه بالأبصار ، وقد جاءت في ذلك الروايات ، من الجهات المختلفات ، وتواترت بها آثار ، وتتابعت بها الأخبار ، وأنكروا شفاعة رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وردوا الرواية في ذلك عن السلف المتقدمين ، وجحدوا عذاب القبر ، وأن الكفار في قبورهم يعذبون ، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون ، ودانوا بخلق القرآن ، نظيرا لقول إخوانهم من المشركين ، الذين قَالُوا : إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ سورة المدثر آية 25 . فزعموا : أن القرآن كقول البشر ، وأثبتوا وأيقنوا : أن العباد يخلقون الشر ، نظيرا لقول المجوس الذين يثبتون خالقين : أحدهما : يخلق الخير ، والآخر : يخلق الشر ، وزعمت القدرية : أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يشاء ما لا يكون ، ويكون ما لا يشاء ، خلافا لما أجمع عليه المسلمون من أن ما شاء اللَّه كان ، وما لا يشاء لا يكون ، وردا لقول اللَّه : وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ سورة الإنسان آية 30 ، فأخبر أنَّا لا نشاء شيئًا إلا وقد شاء أن نشاءه ولقوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا سورة البقرة آية 253 ، ولقوله : وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا سورة السجدة آية 13 ، ولقوله تعالى : فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ سورة هود آية 107 ، ولقوله مخبرا عن شعيب ، أنه قَالَ : وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا سورة الأعراف آية 89 . ولهذا سماهم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مجوس هَذِهِ الأمة ، لأنهم دانوا بديانة المجوس ، وضاهوا أقوالهم ، وزعموا أنَّ للخير والشر خالقين ، كما زعمت المجوس ، وأنه يكون من الشر ما لا يشاء اللَّه ، كما قالت المجوس ذلك ، وزعموا : أنهم يملكون الضر والنفع لأنفسهم ، ردا لقول اللَّه تعالى : قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ سورة يونس آية 49 ، وانحرافا عن القرآن ، وعما أجمع المسلمون عليه ، وزعموا أنهم ينفردون بالقدرة على أعمالهم دون ربهم ، وأثبتوا لأنفسهم غنى عن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ، ووصفوا أنفسهم بالقدرة على ما لم يصفوا اللَّه بالقدرة عليه ، كما أثبت المجوس للشيطان من القدرة على الشر ما لم يثبتوه لِلَّه عَزَّ وَجَلَّ ، فكانوا مجوس هَذِهِ الأمة إِذَا دانوا بديانة المجوس ، وتمسكوا بأقوالهم ، ومالوا إلى أضاليلهم ، وقنطوا النَّاس من رحمة اللَّه ، وآيسوههم روحه ، وحكموا على العصاة بالنَّار ، والخلود ، خلافا لقول اللَّه تعالى : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ سورة النساء آية 48 . وزعموا أن من دخل النَّار لا يخرج منها ، خلافا لما جاءت به الرواية عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ قَوْمًا بَعْدَمَا امْتَحَشُوا فِيهَا ، وَصَارُوا حِمَمًا " . ودفعوا أن يكون لِلَّه وجه ، مع قوله : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ سورة الرحمن آية 27 ، وأنكروا أن يكون لِلَّه يدان ، مع قوله : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 ، وأنكروا أن يكون له عين ، مع قوله : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا سورة القمر آية 14 ، ولقوله : وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي سورة طه آية 39 ، ونفوا ما روي عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قوله : " إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا " . وأنَا ذاكر ذلك إن شاء اللَّه بابا بابا ، وبه المعونة والتأييد ، ومنه التوفيق والتسديد ، فإن قَالَ قائل : قد أنكرتم قول المعتزلة ، والقدرية ، والجهمية ، والحرورية ، والرافضة ، والمرجئة ، فعرفونَا قولكم الذي به تقولون ، وديانتكم التي بها تدينون ، قيل له قولنَا ، الذي به نقول ، وديانتنَا التي ندين بها : التمسك بكتاب اللَّه ، وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ، ونحن بذلك معتصمون ، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نضّر اللَّه وجهه ، ورفع درجته ، وأجزل مثوبته قائلون ، ولمن خالف قوله مجانبون ، لأنه الإمام الفاضل ، والرئيس الكامل ، الذي أبان اللَّه به الحق عند ظهور الضلال ، وأوضح به المنهاج ، وقمع به بدع المبتدعين ، وزيغ الزائغين ، وشك الشاكين ، فرحمة اللَّه عليه من إمام مقدم ، وكبير مفهم ، وعلى جميع أئمة المسلمين . وجملة قولنَا : أن نقر بِاللَّهِ وملائكته وكتبه ورسله ، وما جاء من عند اللَّه وما رواه الثقات عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لا نرد من ذلك شيئًا ، وأن اللَّه إله واحد فرد صمد ، لا إله غيره ، لم يتخذ صاحبة ، ولا ولدا ، وأن مُحَمَّدا عبده ورسوله ، وأن الجنة والنَّار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللَّه يبعث من في القبور ، وأن اللَّه استوى على عرشه كما قَالَ : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى سورة طه آية 5 ، وأن له وجها كما قَالَ : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ سورة الرحمن آية 27 ، وأن له يدا كما قَالَ : بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ سورة المائدة آية 64 ، وقال : لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ سورة ص آية 75 ، وأن له عينَا بلا كيف كما قَالَ : تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا سورة القمر آية 14 ، وأن من زعم أن اسم اللَّه غيره كان ضالا ، وأن للَّه علما كما قَالَ : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ سورة النساء آية 166 ، وقوله : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ سورة فاطر آية 11 ، ونثبت لِلَّه قدرة كما قَالَ : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً سورة فصلت آية 15 ، ونثبت لِلَّه السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة ، والجهمية ، والخوارج ، ونقول : إن كلام اللَّه غير مخلوق ، وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قَالَ له : كن فيكون ، كما قَالَ : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ سورة النحل آية 40 ، وأنه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلا ما شاء اللَّه ، وأن الأشياء تكون بمشيئة اللَّه وأن أحدا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله اللَّه ، ولا نستغني عن اللَّه ، ولا نقدر على الخروج من علم اللَّه ، وأنه لا خالق إلا اللَّه ، وأن أعمال العباد مخلوقة لِلَّه ، مقدورة له ، كما قَالَ : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ سورة الصافات آية 96 ، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يخلقون كما قَالَ : هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ سورة فاطر آية 3 ، وكما قَالَ : لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ سورة النحل آية 20 ، وكما قَالَ : أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ سورة النحل آية 17 ؟ ، وكما قَالَ : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ سورة الطور آية 35 ؟ ، وهذا في كتاب اللَّه كثير . وأن اللَّه وفق المؤمنين لطاعته ، ولطف بهم ، ونظر لهم ، وأصلحهم ، وهداهم ، وأضل الكافرين ولم يهدهم ، ولم يلطف بهم بالإيمان ، كما زعم أهل الزيغ ، والطغيان ، ولو لطف بهم وأصلحهم كانوا صالحين ، ولو هداهم كانوا مهتدين ، كما قَالَ تبارك وتعالى : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ سورة الأعراف آية 178 ، وأن اللَّه يقدر أن يصلح الكافرين ، ويلطف لهم حتى يكونوا مؤمنين ، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين ، كما علم وأنه خذلهم ، وطبع على قلوبهم ، وأن الخير والشر بقضاء اللَّه وقدره ، وأنَّا نؤمن بقضاء اللَّه وقدره ، خيره وشره ، وحلوه ، ومره ، ونعلم أن ما أصابَنَا لم يكن ليخطئنَا ، وما أخطأنَا لم يكن ليصيبَنَا ، وأنَا لا نملك لأنفسنَا نفعا ولا ضرا إلا ما شاء اللَّه ، وأنَّا نلجئ أمورنَا إلى اللَّه ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه ، ونقول : إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق ، وأن من قَالَ بخلق القرآن كان كافرا ، وندين : أن اللَّه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر ، يَرَاه المؤمنون ، كما جاءت الروايات عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ونقول : إن الكافرين إِذَا رآه المؤمنون عنه محجوبون ، كما قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ سورة المطففين آية 15 وإن مُوسَى سأل اللَّه الرؤية في الدنيا ، وإن اللَّه تجلي للجبل فجعله دكاء ، وأعلم بذلك مُوسَى أنه لا يراه في الدنيا . ونرى أن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه ، كالزنَا ، والسرقة ، وشرب الخمر ، كما دانت بذلك الخوارج ، وزعموا أنهم بذلك : كافرون ، ونقول : إن مَنْ عمل كبيرة من الكبائر ، وما أشبهها مستحلا لها ، كان كافرا إِذَا كان غير معتقد تحريمها ، ونقول : إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل الإسلام بإيمان ، وندين بأنه يقلب القلوب ، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه ، وندين بأن لا ننزل أحدا من الموحدين المستمسكين بالإيمان جنة ولا نَارا ، إلا من شهد له رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالجنة ، ونرجو الجنة للمذنبين ، ونخاف عليهم أن يكونوا بالنَّار معذبين ، ونقول : إن اللَّه يُخرج من النَّار قوما بعدما امتحشوا بشفاعة مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ونؤمن بعذاب القبر ، ونقول : إن الحوض والميزان حق ، والصراط حق ، والبعث بعد الموت حق ، وأن اللَّه يوقف العباد بالموقف ، ويحاسب المؤمنين ، وأن الإيمان : قول وعمل ، يزيد وينقص . ونسلم للروايات الصحيحة في ذلك عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التي رواها الثقات ، عدل عن عدل ، حتى تنتهي الرواية إلى رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وندين بحب السَّلَف الذين اختارهم لصحبة نبيه ، ونثني عليهم بما أثنى اللَّه عليهم ، ونتولاهم ، ونقول : إن الإمام بعد رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وأن اللَّه تعالى أعز به الدين ، وأظهره على المرتدين ، وقدمه المسلمون للإمامة ، كما قدمه رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للصلاة ، ثم عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ثم عثمان نضر اللَّه وجهه قتله قاتلوه ظلما وعدوانًا ، ثم علي بن أَبِي طالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فهؤلاء الأئمة بعد رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وخلافتهم خلافة النبوة . ونشهد للعشرة بالجنة الذين شهد لهم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ونتولى سائر أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ونكف عما شجر بينهم وندين اللَّه أن الأئمة الأربعة راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم ، ونصدق بجميع الروايات التي ثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا ، وأن الرب ، يقول : هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل ، ونعول فيما اختلفنَا فيه على كتاب اللَّه وسنة نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وإجماع المسلمين وما كان في معنَاه ، ولا نبتدع في دين اللَّه بدعة ، لم يأذن اللَّه بها ، ولا نقول على اللَّه ما لا نعلم ، ونقول : إن اللَّه تعالى يجيء يوم القيامة ، كما قَالَ : وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا سورة الفجر آية 22 ، وأن اللَّه تعالى يقرب من عباده كيف شاء ، كما قَالَ : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ سورة ق آية 16 ، وكما قَالَ : ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى { 8 } فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى سورة النجم آية 8-9 ومن ديننَا : أن نصلي الجمعة ، والأعياد خَلْف كل بَر وفاجر ، وكذلك شروط الصلوات الجماعات ، كما روي عن عَبْد اللَّهِ بن عُمَرَ : أنه كان يصلي خلف الحجاج ، وأن المسح على الخفين في الحضر والسفر ، خلافا لمن أنكر ذلك . ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم ، وتضليل من رأى الخروج عليهم إِذَا ظهر منهم ترك الاستقامة ، وندين بترك الخروج عليهم بالسيف ، وترك القتال في الفتنة ، ونقر بخروج الدجال ، كما جاءت به الرواية ، عن رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ونؤمن بعذاب القبر ، ومنكر ونكير ، ومساءلتهم المدفونين في قبورهم ، ونصدق بحديث المعراج ، ونصحح كثيرا من الرؤيا في المنَام ، ونقول : إن لذلك تفسيرا ، ونرى الصدقة عن موتى المؤمنين ، والدعاء لهم ، ونؤمن أن اللَّه ينفعهم بذلك ، ونصدق بأن في الدنيا سِحْرا وأن السحر كائن ، وموجود في الدنيا ، وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم ، ومواريثهم ، ونقر أن الجنة والنَّار مخلوقتان ، وأن من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل ، وأن الأرزاق من قِبَلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يرزقها عباده حلالا وحراما ، وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويخبطه ، خلافا لقول المعتزلة والجهمية ، كما قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ سورة البقرة آية 275 ، وكما قَالَ : مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ { 4 } الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ { 5 } مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ سورة الناس آية 4-6 . ونقول : إن الصالحين يجوز أن يخصهم اللَّه بآيات ، ويظهرها عليهم . وقولنَا في أطفال المشركين : أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يؤجج لهم نَارا في الآخرة ، ثم يقول : اقتحموها ، كما جاءت الرواية بذلك ، وندين بأن اللَّه تعالى يعلم ما العباد عاملون ، وإلى ما هم صائرون ، وما يكون ، وما لا يكون ، أن لو كان كيف كان يكون ؟ فبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين ، ونرى مفارقة كل داعية لبدعة ، ومجانبة أهل الأهواء ، وسنحتج لما ذكرنَاه من قولنَا وما بقي منه ، وما لم نذكره بابا بابا وشيئا شيئًا . فتأملوا رحمكم اللَّه هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه ، واعترفوا بفضل هذا الإمام العَالِم الذي شرحه وبينه ، وانظروا سهولة لفظه ، فما أفصحه وأحسنه ، وكونوا ممن قَالَ اللَّه فيهم : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ سورة الزمر آية 18 ، وتبينوا فضل أَبِي الحسن ، واعرفوا إنصافه ، واسمعوا وصفه لأحمد بالفضل ، واعترافه ، لتعلموا أنهما كانَا في الاعتقاد متفقين ، وفي أصول الدين ومذهب السنة غير مفترقين ، ولم تزل الحنَابلة بِبَغْدَادَ في قديم الدهر على ممر الأوقات ، تعتضد بالأشعرية على أصحاب البدع لأنهم المتكلمون من أهل الإثبات ، فمن تكلم منهم في الرد على مبتدع فبلسان الأشعرية يتكلم ، ومن حقق منهم في الأصول في مسألة فمنهم يتعلم ، فلم يزالوا كذلك حتى حدث الاختلاف في زمن أَبِي نصر القشيري ، ووزارة النظام ، ووقع بينهم الانحراف من بعضهم عن بعض ، لانحلال النظام . وعلى الجملة فلم يزل في الحنَابلة طائفة تغلو في السنة ، وتدخل فيما لا يعنيها ، حبا للخفوف في الفتنة ، ولا عار على أحمد رحمه اللَّه من صنيعهم ، وليس يتفق على ذلك رأى جميعهم ، ولهذا قَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بن شاهين وهو من أقران الدارقطني .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
أبو القاسم نصر بن نصر الو…←أبي المعالي بن عبد الملك←أبا الحسن الأشعري