المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء التاسع
1825 - مَسْأَلَةٌ : وَلَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ نِكَاحٌ - ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ بِكْرًا - إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا الْأَبِ ، أَوْ الْإِخْوَةِ ، أَوْ الْجَدِّ ، أَوْ الْأَعْمَامِ ، أَوْ بَنِي الْأَعْمَامِ - وَإِنْ بَعُدُوا - وَالْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ أَوْلَى .
وَلَيْسَ وَلَدُ الْمَرْأَةِ وَلِيًّا لَهَا إلَّا إنْ كَانَ ابْنَ عَمِّهَا ، لَا يَكُونُ فِي الْقَوْمِ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْهُ - وَمَعْنَى ذَلِكَ - : أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الزَّوَاجِ ، فَإِنْ أَبَى أَوْلِيَاؤُهَا مِنْ الْإِذْنِ لَهَا : زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ جَلَّ : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ 26 عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا } وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ لَا لِلنِّسَاءِ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ وَلِيِّهَا فَإِنْ نُكِحَتْ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .
وَمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا أَبُو كَامِلٍ نا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ 27 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } .
وَبِهِ إلَى الْبَزَّازِ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ - هُوَ أَبُو مُوسَى - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } . 28
فَاعْتَرَضَ قَوْمٌ عَلَى حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا بِأَنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ رَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَلَمْ يَعْرِفْهُ - قَالُوا : وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْهَا - وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ أَنْكَحَتْ بِنْتَ أَخِيهَا - عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهِيَ بِكْرٌ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِالشَّامِ قَرِيبُ الْأَوْبَةِ - بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَلَمْ يُمْضِهِ ، بَلْ أَنْكَرَ ذَلِكَ إذْ بَلَغَهُ ، فَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِذَلِكَ النِّكَاحِ ، بَلْ قَالَتْ لِلَّذِي زَوَّجَتْهَا مِنْهُ - وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ - : اجْعَلْ أَمْرَهَا إلَيْهِ ، فَفَعَلَ ، فَأَنْفَذَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - .
قَالُوا : وَالزُّهْرِيُّ هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْخَبَرُ . 29
قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ كُفُؤًا لَهَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا .
قَالُوا : فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَدَلَّ خِلَافُ عَائِشَةَ الَّتِي رَوَتْهُ ، وَالزُّهْرِيُّ الَّذِي رَوَاهُ لِمَا فِيهِ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ ؟
فَقُلْنَا : أَمَّا قَوْلُكُمْ : إنَّ الزُّهْرِيَّ سَأَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جُرَيْحٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ ؟ فَإِنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنَ بَابْشَاذَ بْنِ دَاوُد بْنِ سُلَيْمَانَ كَتَبَ إلَيَّ : نا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ نا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ، قَالَ : نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُد عِمْرَانُ ، قَالَ : نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَلَمْ يَعْرِفْهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا شَيْءَ لِوَجْهَيْنِ - : أَحَدُهُمَا مَا حَدَثْنَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا غَيْلَانُ نا عَبَّاسٌ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : حَدِيثُ ابْنِ جَرِيرٍ هَذَا - قَالَ عَبَّاسٌ : فَقُلْت لَهُ : إنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ يَقُولُ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ؟ فَقَالَ : نَسِيت بَعْدَهُ ، فَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ يَقُولُ هَذَا إلَّا ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ عَرَضَ كُتُبَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ فَأَصْلَحَهَا لَهُ ؟
قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا إلَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَصَحَّ أَنَّ سَمَاعَ ابْنِ عُلَيَّةَ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَدْخُولٌ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّ الزُّهْرِيَّ أَنْكَرَهُ ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى نَسِيَهُ - : فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : قَالَ لِي عَبْدَةُ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ ، { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا } .
نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نَا وَهْبُ بْنُ مَيْسَرَةَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْهَبِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْفَجْرَ فَأَغْفَلَ آيَةً ، 30 فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ؟ فَقَالَ لَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغْفَلْتَ آيَةَ كَذَا ، أَوَنُسِخَتْ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : بَلْ أُنْسِيتُهَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَإِذَا صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ ، فَمَنْ الزُّهْرِيُّ ، وَمَنْ سُلَيْمَانُ ، وَمَنْ يَحْيَى حَتَّى لَا يَنْسَى ؟ وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ } .
لَكِنْ ابْنُ جُرَيْجٍ ثِقَةٌ ، فَإِذَا رَوَى لَنَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى - وَهُوَ ثِقَةٌ - أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِخَبَرٍ مُسْنَدٍ ، فَقَدْ قَامَتْ الْحُجَّة بِهِ ، سَوَاءٌ نَسَوْهُ بَعْدَ أَنْ بَلَّغُوهُ وَحَدَّثُوا بِهِ ، أَوْ لَمْ يَنْسَوْهُ .
وَقَدْ نَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ لَا عَدْوَى .
وَنَسِيَ الْحَسَنُ حَدِيثَ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ .
وَنَسِيَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ حَدَّثُوا بِهَا ، فَكَانَ مَاذَا ؟ لَا يَعْتَرِضُ بِهَذَا إلَّا جَاهِلٌ ، أَوْ مُدَافِعٌ لِلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ، وَلَا نَدْرِي فِي أَيِّ الْقُرْآنِ ، أَمْ فِي أَيِّ السُّنَنِ ، أَمْ فِي أَيِّ حُكْمِ الْعُقُولِ وَجَدُوا ؟ أَنَّ مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ ثُمَّ نَسِيَهُ : أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْخَبَرِ يَبْطُلُ ، مَا هُمْ إلَّا فِي دَعْوَى كَاذِبَةٍ بِلَا بُرْهَانٍ ؟
وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا خَالَفَا مَا رَوَيَا مِنْ ذَلِكَ ، فَكَانَ مَاذَا ؟ إنَّمَا أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَقَامَتْ حُجَّةُ الْعَقْلِ بِوُجُوبِ قَبُولِ مَا صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَبِسُقُوطِ اتِّبَاعِ قَوْلٍ مِنْ دُونِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَلَا نَدْرِي أَيْنَ وَجَدُوا : أَنَّ مَنْ خَالَفَ - بِاجْتِهَادِهِ مُخْطِئًا مُتَأَوِّلًا - مَا رَوَاهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ ، ثُمَّ نَعْكِسُ عَلَيْهِمْ أَصْلَهُمْ هَذَا الْفَاسِدَ ، فَنَقُولُ : إذَا صَحَّ أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالزُّهْرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَيَا هَذَا الْخَبَرَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا خَالَفَاهُ ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهُمَا خَالَفَاهُ ، بَلْ بَلْ الظَّنُّ بِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يُخَالِفَانِ مَا رَوَيَاهُ ، وَهَذَا أَوْلَى ، لِأَنَّ تَرْكَنَا مَا لَا يَلْزَمُنَا مِنْ قَوْلِهِمَا لِمَا يَلْزَمُنَا مِنْ رِوَايَتِهِمَا هُوَ الْوَاجِبُ ، لَا تَرْكَ مَا يَلْزَمُنَا مِمَّا رَوَيَاهُ لِمَا لَا يَلْزَمُنَا مِنْ رَأْيِهِمَا . 31 فَكَيْفَ وَقَدْ كَتَبَ إلَيَّ دَاوُد بْنُ بَابْشَاذَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ نا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ نا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَنْكَحَتْ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَخِيهَا جَارِيَةً مِنْ بَنِي أَخِيهَا ، فَضَرَبَتْ بَيْنَهُمْ سِتْرًا ، ثُمَّ تَكَلَّمَتْ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا النِّكَاحُ أَمَرَتْ رَجُلًا فَأَنْكَحَ ، ثُمَّ قَالَتْ : لَيْسَ إلَى النِّسَاءِ النِّكَاحُ - فَصَحَّ يَقِينًا بِهَذَا رُجُوعُهَا عَنْ الْعَمَلِ الْأَوَّلِ إلَى مَا نَبَّهَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ نِكَاحَ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ .
وَاعْتَرَضُوا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى : أَنَّ قَوْمًا أَرْسَلُوهُ ؟ فَقُلْنَا : فَكَانَ مَاذَا ، إذَا صَحَّ الْخَبَرُ مُسْنَدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قَامَتْ الْحُجَّةُ بِهِ ، وَلَزِمَنَا قَبُولُهُ فَرْضًا ، وَلَا مَعْنَى لِمَنْ أَرْسَلَهُ ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَرْوِهِ أَصْلًا ، أَوْ لِمَنْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ ؟ كُلُّ هَذَا كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِمَّنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ - : كَمَا رُوِّينَا : مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا ، أَوْ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ السُّلْطَانِ . وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَدَّ نِكَاحَ امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ الطَّرِيقَ جَمَعَ رَكْبًا ، فَجَعَلَتْ امْرَأَةٌ ثَيِّبٌ أَمْرَهَا إلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ غَيْرِ وَلِيٍّ فَأَنْكَحَهَا رَجُلًا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَجَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكِحَ وَرَدَّ نِكَاحَهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْعَقْدِ شَيْءٌ ، لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ، لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ تُنْكِحُ نَفْسَهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : الْبَغَايَا اللَّاتِي يَنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ . 32
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : وَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَالَهُ وَبَنَاتَهُ وَنِكَاحَهُنَّ فَكَانَتْ حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إذَا أَرَادَتْ أَنْ تُزَوِّجَ امْرَأَةً أَمَرَتْ أَخَاهَا عَبْدَ اللَّهِ فَيُزَوِّجُ .
وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .
وَرُوِّينَا : عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا أَبُو هِلَالٍ ، قَالَ : سَأَلْت الْحَسَنَ ؟ فَقُلْت : سَأَلْت أَبَا سَعِيدٍ عَنْ امْرَأَةٍ خَطَبَهَا رَجُلٌ وَوَلِيُّهَا غَائِبٌ بِسِجِسْتَانَ ، وَلِوَلِيِّهَا هَاهُنَا وَلِيٌّ ، أَيُزَوِّجُهَا وَلِيُّ وَلِيِّهَا ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ اُكْتُبُوا إلَيْهِ ، قُلْت لَهُ : إنَّ الْخَاطِبَ لَا يَصْبِرُ ؟ قَالَ : فَلْيَصْبِرْ ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إلَى مَتَى يَصْبِرُ ؟ قَالَ الْحَسَنُ : يَصْبِرُ كَمَا صَبَرَ أَهْلُ الْكَهْفِ .
وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمَكْحُولٍ - .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ .
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ قَدِيمٌ ، وَحَدِيثٌ - : كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بِنْدَارٌ نا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا : بَحْرِيَّةُ ، زَوَّجَتْهَا أُمُّهَا ، وَكَانَ أَبُوهَا غَائِبًا ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُوهَا أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ فَأَجَازَ ذَلِكَ - .
قَالَ شُعْبَةُ : وَأَخْبَرَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَيْسٍ يُحَدِّثُ عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمِثْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - قَالَ : سَمِعْت الْقَعْقَاعَ ، قَالَ : إنَّهُ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً مِنَّا يُقَالُ لَهَا : بَحْرِيَّةُ ، زَوَّجَتْهَا إيَّاهُ أُمُّهَا ، فَجَاءَ أَبُوهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَاخْتَصَمَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَأَجَازَهُ .
وَالْخَبَرُ الْمَشْهُورُ : عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ 33 مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ الْمُنْذِرُ أَمْرَهَا إلَيْهِ فَأَجَازَهُ .
وَرُوِّينَا أَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أَبِي الرَّبِيعِ ، وَأُمَّهَا زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَتْ تَحْتَ عَلِيٍّ ، فَدَعَتْ بِالْمُغِيرَةِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ فَأَنْكَحَهَا نَفْسَهُ ، فَغَضِبَ مَرْوَانُ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ إلَى مُعَاوِيَةَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ : دَعْهُ وَإِيَّاهَا .
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِي امْرَأَةٍ لَا وَلِيَّ لَهَا ، فَوَلَّتْ رَجُلًا أَمْرَهَا ، فَزَوَّجَهَا ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً عَنْ امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وُلَاتِهَا - وَهُمْ حَاضِرُونَ ، فَقَالَ أَمَّا امْرَأَةٌ مَالِكَةٌ أَمْرَ نَفْسِهَا إذَا كَانَ بِشُهَدَاءَ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوُلَاةِ .
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ ابْنَتَهَا بِغَيْرِ إذْنِ أَوْلِيَائِهَا ، قَالَ : إنْ أَجَازَ الْوُلَاةُ ذَلِكَ إذَا عَلِمُوا ، فَهَذَا جَائِزٌ - وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا .
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا وَلَهَا مِنْ أَمْرِهَا نَصِيبٌ ، وَدَخَلَ بِهَا ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، وَلَا أَنْ تُزَوِّجَهَا امْرَأَةٌ وَلَكِنْ إنْ زَوَّجَهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ جَازَ ، الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : أَمَّا الْبِكْرُ فَلَا يُزَوِّجُهَا إلَّا وَلِيُّهَا ، وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَتُوَلِّي أَمْرَهَا مَنْ شَاءَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُزَوِّجُهَا ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِي ذَلِكَ اعْتِرَاضٌ .
وَقَالَ مَالِكٌ : أَمَّا الدَّنِيئَةُ ، كَالسَّوْدَاءِ ، أَوْ الَّتِي أَسْلَمْت ، أَوْ الْفَقِيرَةُ ، أَوْ النَّبَطِيَّةُ ، أَوْ الْمُوَلَّاةُ ، فَإِنْ زَوَّجَهَا الْجَارُ وَغَيْرُهُ - مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ لَهَا بِوَلِيٍّ - فَهُوَ جَائِزٌ - وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا الْمَوْضِعُ ، فَإِنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ وَلِيِّهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ الْوَلِيُّ ، أَوْ السُّلْطَانُ : جَازَ ، فَإِنْ تَقَادَمَ أَمْرُهَا وَلَمْ يُفْسَخْ ، وَوَلَدَتْ لَهُ الْأَوْلَادَ : لَمْ نَفْسَخْ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، جَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا كُفُؤًا ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِوَلِيِّهَا فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا غَيْرَ كُفْءٍ ، فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُخَاصِمَ فِيمَا حَطَّتْ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا . 34
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَأَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُجِيزَ وَالزَّوْجُ كُفُؤٌ أَجَازَهُ الْقَاضِي ، وَلَا يَكُونُ جَائِزًا إلَّا حَتَّى يُجِيزَهُ الْقَاضِي .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ لَمْ يُجِزْهُ الْوَلِيُّ اسْتَأْنَفَ الْقَاضِي فِيهِ عَقْدًا جَدِيدًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَبِي يُوسُفَ : فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ ، لِأَنَّهُمَا نَقَضَا قَوْلِهِمَا " لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ " إذْ أَجَازَا لِلْوَلِيِّ إجَازَةَ مَا أَخْبَرَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّهُ أَجَازَ لِلْمَرْأَةِ إنْكَاحَ نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ثُمَّ أَجَازَ لِلْوَلِيِّ فَسْخَ الْعَقْدِ الْجَائِزِ ، فَهِيَ أَقْوَالٌ لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا بِقُرْآنٍ ، وَلَا بِسُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ ، وَلَا سَقِيمَةٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا بِمَعْقُولٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ - وَهَذَا لَا يُقْبَلُ إلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ، إلَّا عَنْ الْوَحْيِ مِنْ الْخَالِقِ ، الَّذِي { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ دِينٌ جَدِيدٌ ، يُعَذِّبُ اللَّهُ بِهِ فِي الْحَشْرِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : فَظَاهِرُ الْفَسَادِ ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّنِيَّةِ وَغَيْرِ الدَّنِيَّةِ ، وَمَا عَلِمْنَا الدَّنَاءَةَ إلَّا مَعَاصِيَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَأَمَّا السَّوْدَاءُ ، وَالْمَوْلَاةُ : فَقَدْ كَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سَوْدَاءَ وَمَوْلَاةً ، وَوَاللَّهِ مَا بَعْدَ أَزْوَاجِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ امْرَأَةٌ أَعْلَى قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ مِنْهَا .
وَأَمَّا الْفَقِيرَةُ : فَمَا الْفَقْرُ دَنَاءَةٌ ، فَقَدْ كَانَ فِي الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْفَقِيرُ الَّذِي أَهْلَكَهُ الْفَقْرُ - وَهُمْ أَهْلُ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ حَقًّا - وَقَدْ كَانَ قَارُونُ ، وَفِرْعَوْنُ ، وَهَامَانُ : مِنْ الْغِنَى بِحَيْثُ عُرِفَ - وَهُمْ أَهْلُ الدَّنَاءَةِ وَالرَّذَالَةِ حَقًّا - .
وَأَمَّا النَّبَطِيَّةُ : فَرُبَّ نَبَطِيَّةٍ لَا يَطْمَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَسَارِهَا ، وَعُلُوِّ حَالِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَرُبَّ بِنْتِ خَلِيفَةٍ هَلَكَتْ فَاقَةً وَجَهْدًا وَضَيَاعًا .
35 ثُمَّ قَوْلُهُ " يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ وَوَلَدَتْ مِنْهُ الْأَوْلَادَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا " فَهَذَا عَيْنُ الْخَطَأِ ، إنَّمَا هُوَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُ الْحَقِّ إثْرَ عَقْدِهِ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْبَاطِلُ مَرْدُودٌ أَبَدًا ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ .
وَمَا نَعْلَمُ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا قَالَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا غَيْرُهُ ، إلَّا مَنْ قَلَّدَهُ ، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِقُرْآنٍ ، وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا بِأَثَرٍ سَاقِطٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا تَابِعٍ ، وَلَا مَعْقُولٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ يُعْرَفُ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ : فَإِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } مَانِعٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ كُلَّ مُسْلِمٍ ، لِأَنَّ مُرَاعَاةَ اشْتِجَارِ جَمِيعِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ النَّاسِ مُحَالٌ ، وَحَاشَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَأْمُرَ بِمُرَاعَاةِ مُحَالٍ لَا يُمْكِنُ فَصَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنَى قَوْمًا خَاصَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَجِرُوا فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ ، لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ .
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } بَيَانٌ جَلِيٌّ بِمَا قُلْنَا إذْ لَوْ أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلَّ مُسْلِمٍ لَكَانَ قَوْلُهُ : { مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } مُحَالًا بَاطِلًا ، وَحَاشَ لَهُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ ، فَصَحَّ : أَنَّهُمْ الْعَصَبَةُ الَّذِينَ يُوجَدُونَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ وَلَا يُوجَدُونَ لِبَعْضِهِنَّ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَإِنَّمَا عُوِّلَ عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ { الْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَوْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُ لَكَانَ كَمَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } عُمُومٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ . 36
وَبَيَانُ هَذَا الْقَوْلِ : أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فِيهَا أَمْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، وَلَا تَنْكِحُ إلَّا مَنْ شَاءَتْ ، فَإِذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ لَمْ يَجُزْ لَهَا إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا ، فَإِنْ أَبَى أَنْكَحَهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ الْوَلِيِّ الْآبِيِّ .
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ لِلْوَلِيِّ مَعْنًى فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } .
وَقَدْ قُلْنَا : إنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } بَيَانٌ فِي أَنَّ نِكَاحَهُنَّ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } فَهَذَا خَارِجٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } .
وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى مَعْهُودِ الْأَصْلِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ - بِلَا شَكٍّ - أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ مَنْ شَاءَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، فَالشَّرْعُ الزَّائِدُ هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ ، لِأَنَّهُ شَرِيعَةٌ وَارِدَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ، وَالزَّكَاةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ ، وَلَا فَرْقَ .
وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ فِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ زَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذَا خَبَرٌ إنَّمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ سَوَاءً سَوَاءً ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ ، هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَعْتَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقْدِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ . 37
وَيَكْفِي فِي رَدِّ هَذَا كُلِّهِ مَا حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَارِمٌ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } قَالَ : فَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : زَوَّجَكُنَّ أَهْلُوكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ .
فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ مُبَيِّنٌ أَنَّ جَمِيعَ نِسَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا زَوَّجَهُنَّ أَوْلِيَاؤُهُنَّ حَاشَ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَوَّجَهَا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَصَحَّ بِهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَهَا أَيْ تَوَلَّى أَمْرَهَا وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَكَانَ الْعَقْدُ بِحَضْرَتِهِ ، قَدْ كَانَ هُنَالِكَ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَعَمْرٌو ، وَخَالِدٌ ، ابْنَا سَعْدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَكَيْفَ يُزَوِّجُهَا النَّجَاشِيُّ - بِمَعْنَى يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا - وَهَؤُلَاءِ حُضُورٌ رَاضُونَ مَسْرُورُونَ آذِنُونَ فِي ذَلِكَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ ؟ .
وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَرْأَةَ بِتَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ أَصْلًا فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْيَقِينِ بِالشُّكُوكِ .
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ذَكَرُوهُ ، كَخَبَرِ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى الْعَبَّاسِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَنِكَاحِ أَبِي طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ ، أَنْكَحَهَا إيَّاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَهُوَ صَغِيرٌ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ .
فَهَذَا كُلُّهُ مَنْسُوخٌ بِإِبْطَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ نِسَاءً أُنْكِحْنَ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِنَّ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نِكَاحَهُنَّ وَجَعَلَ إلَيْهِنَّ إجَازَةَ ذَلِكَ إنْ شِئْنَ - فَكُلُّهَا أَخْبَارٌ لَا تَصِحُّ إمَّا مُرْسَلَةٌ ، وَإِمَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ غُرَابٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - فَظَهَرَ صِحَّةُ قَوْلِنَا .
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا قَوْلُنَا : إنَّهُ لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبْعَدِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ ، فَلِأَنَّ النَّاسَ 38 كُلَّهُمْ يَلْتَقُونَ فِي أَبٍ بَعْدَ أَبٍ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِلَا شَكٍّ ، فَلَوْ جَازَ إنْكَاحُ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ لَجَازَ إنْكَاحُ كُلِّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ يَلْقَاهَا بِلَا شَكٍّ فِي بَعْضِ آبَائِهَا ، فَإِنْ حَدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا كُلِّفُوا الْبُرْهَانَ عَلَيْهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا حَقَّ مَعَ الْأَقْرَبِ لِلْأَبْعَدِ ، ثُمَّ إنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بَابٌ هَكَذَا أَبَدًا مَا دَامَ يُعْلَمُ لَهَا وَلِيٌّ عَاصِبٌ ، كَالْمِيرَاثِ وَلَا فَرْقَ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَائِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ انْتِظَارِهِ ، فَإِنْ قَالُوا : إنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا ؟ قُلْنَا : الضَّرُورَةُ لَا تُبِيحُ الْفُرُوجَ - وَقَدْ وَافَقَنَا الْمَالِكِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلزَّوْجِ الْغَائِبِ مَالٌ يُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى الْمَرْأَةِ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ - وَإِنْ أَضَرَّتْ غَيْبَتُهُ بِهَا فِي فَقْدِ الْجِمَاعِ وَضَيَاعِ كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهَا - وَوَافَقَنَا الْحَنَفِيُّونَ فِي أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ وَلَا ضَرَرَ أَضَرَّ مِنْ عَدَمِ النَّفَقَةِ .
ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ الَّتِي يَنْتَظِرُونَ الْوَلِيَّ فِيهَا مِنْ الْغَيْبَةِ الَّتِي لَا يَنْتَظِرُونَهُ فِيهَا ، فَإِنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ إلَّا بِفَضِيحَةٍ ، وَبِقَوْلٍ لَا يُعْقَلُ وَجْهُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
وَلَيْسَ وَلَدُ الْمَرْأَةِ وَلِيًّا لَهَا إلَّا إنْ كَانَ ابْنَ عَمِّهَا ، لَا يَكُونُ فِي الْقَوْمِ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْهُ - وَمَعْنَى ذَلِكَ - : أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي الزَّوَاجِ ، فَإِنْ أَبَى أَوْلِيَاؤُهَا مِنْ الْإِذْنِ لَهَا : زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ جَلَّ : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ 26 عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } وقَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا } وَهَذَا خِطَابٌ لِلْأَوْلِيَاءِ لَا لِلنِّسَاءِ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ نا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ وَلِيِّهَا فَإِنْ نُكِحَتْ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا ، فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } .
وَمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ نا ابْنُ مُفَرِّجٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الصَّمُوتُ الرَّقِّيُّ نا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ نا أَبُو كَامِلٍ نا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ 27 النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } .
وَبِهِ إلَى الْبَزَّازِ نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ نا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ نا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ - هُوَ أَبُو مُوسَى - عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ } . 28
فَاعْتَرَضَ قَوْمٌ عَلَى حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا بِأَنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ رَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَلَمْ يَعْرِفْهُ - قَالُوا : وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْهَا - وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ أَنْكَحَتْ بِنْتَ أَخِيهَا - عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهِيَ بِكْرٌ وَهُوَ مُسَافِرٌ بِالشَّامِ قَرِيبُ الْأَوْبَةِ - بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَلَمْ يُمْضِهِ ، بَلْ أَنْكَرَ ذَلِكَ إذْ بَلَغَهُ ، فَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِذَلِكَ النِّكَاحِ ، بَلْ قَالَتْ لِلَّذِي زَوَّجَتْهَا مِنْهُ - وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ - : اجْعَلْ أَمْرَهَا إلَيْهِ ، فَفَعَلَ ، فَأَنْفَذَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ - .
قَالُوا : وَالزُّهْرِيُّ هُوَ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْخَبَرُ . 29
قَدْ رَوَيْتُمْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : سَأَلْت الزُّهْرِيَّ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ؟ فَقَالَ : إنْ كَانَ كُفُؤًا لَهَا لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا .
قَالُوا : فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَدَلَّ خِلَافُ عَائِشَةَ الَّتِي رَوَتْهُ ، وَالزُّهْرِيُّ الَّذِي رَوَاهُ لِمَا فِيهِ دَلِيلًا عَلَى نَسْخِهِ ؟
فَقُلْنَا : أَمَّا قَوْلُكُمْ : إنَّ الزُّهْرِيَّ سَأَلَهُ عَنْهُ ابْنُ جُرَيْحٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ ؟ فَإِنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنَ بَابْشَاذَ بْنِ دَاوُد بْنِ سُلَيْمَانَ كَتَبَ إلَيَّ : نا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ نا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ، قَالَ : نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ نا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دَاوُد عِمْرَانُ ، قَالَ : نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَلَمْ يَعْرِفْهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَا شَيْءَ لِوَجْهَيْنِ - : أَحَدُهُمَا مَا حَدَثْنَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ : نا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ نا غَيْلَانُ نا عَبَّاسٌ نا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : حَدِيثُ ابْنِ جَرِيرٍ هَذَا - قَالَ عَبَّاسٌ : فَقُلْت لَهُ : إنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ يَقُولُ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لِسُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى ؟ فَقَالَ : نَسِيت بَعْدَهُ ، فَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ يَقُولُ هَذَا إلَّا ابْنُ عُلَيَّةَ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ عَرَضَ كُتُبَ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ فَأَصْلَحَهَا لَهُ ؟
قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا إلَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَصَحَّ أَنَّ سَمَاعَ ابْنِ عُلَيَّةَ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ مَدْخُولٌ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ أَنَّ الزُّهْرِيَّ أَنْكَرَهُ ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى نَسِيَهُ - : فَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ نا ابْنُ نُمَيْرٍ قَالَ : قَالَ لِي عَبْدَةُ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ ، { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ قِرَاءَةَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا } .
نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نَا وَهْبُ بْنُ مَيْسَرَةَ نا ابْنُ وَضَّاحٍ نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ نا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ ذَرِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْهَبِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْفَجْرَ فَأَغْفَلَ آيَةً ، 30 فَلَمَّا صَلَّى قَالَ : أَفِي الْقَوْمِ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ ؟ فَقَالَ لَهُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغْفَلْتَ آيَةَ كَذَا ، أَوَنُسِخَتْ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : بَلْ أُنْسِيتُهَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَإِذَا صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ ، فَمَنْ الزُّهْرِيُّ ، وَمَنْ سُلَيْمَانُ ، وَمَنْ يَحْيَى حَتَّى لَا يَنْسَى ؟ وَقَدْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ } .
لَكِنْ ابْنُ جُرَيْجٍ ثِقَةٌ ، فَإِذَا رَوَى لَنَا عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى - وَهُوَ ثِقَةٌ - أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِخَبَرٍ مُسْنَدٍ ، فَقَدْ قَامَتْ الْحُجَّة بِهِ ، سَوَاءٌ نَسَوْهُ بَعْدَ أَنْ بَلَّغُوهُ وَحَدَّثُوا بِهِ ، أَوْ لَمْ يَنْسَوْهُ .
وَقَدْ نَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ لَا عَدْوَى .
وَنَسِيَ الْحَسَنُ حَدِيثَ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ .
وَنَسِيَ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَ التَّكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ حَدَّثُوا بِهَا ، فَكَانَ مَاذَا ؟ لَا يَعْتَرِضُ بِهَذَا إلَّا جَاهِلٌ ، أَوْ مُدَافِعٌ لِلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ ، وَلَا نَدْرِي فِي أَيِّ الْقُرْآنِ ، أَمْ فِي أَيِّ السُّنَنِ ، أَمْ فِي أَيِّ حُكْمِ الْعُقُولِ وَجَدُوا ؟ أَنَّ مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ ثُمَّ نَسِيَهُ : أَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ الْخَبَرِ يَبْطُلُ ، مَا هُمْ إلَّا فِي دَعْوَى كَاذِبَةٍ بِلَا بُرْهَانٍ ؟
وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ بِأَنَّهُ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُمَا خَالَفَا مَا رَوَيَا مِنْ ذَلِكَ ، فَكَانَ مَاذَا ؟ إنَّمَا أَمَرَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَقَامَتْ حُجَّةُ الْعَقْلِ بِوُجُوبِ قَبُولِ مَا صَحَّ عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ، وَبِسُقُوطِ اتِّبَاعِ قَوْلٍ مِنْ دُونِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَلَا نَدْرِي أَيْنَ وَجَدُوا : أَنَّ مَنْ خَالَفَ - بِاجْتِهَادِهِ مُخْطِئًا مُتَأَوِّلًا - مَا رَوَاهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ بِذَلِكَ مَا رَوَاهُ ، ثُمَّ نَعْكِسُ عَلَيْهِمْ أَصْلَهُمْ هَذَا الْفَاسِدَ ، فَنَقُولُ : إذَا صَحَّ أَنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَالزُّهْرِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - رَوَيَا هَذَا الْخَبَرَ ، وَرُوِيَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا خَالَفَاهُ ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهُمَا خَالَفَاهُ ، بَلْ بَلْ الظَّنُّ بِهِمَا أَنَّهُمَا لَا يُخَالِفَانِ مَا رَوَيَاهُ ، وَهَذَا أَوْلَى ، لِأَنَّ تَرْكَنَا مَا لَا يَلْزَمُنَا مِنْ قَوْلِهِمَا لِمَا يَلْزَمُنَا مِنْ رِوَايَتِهِمَا هُوَ الْوَاجِبُ ، لَا تَرْكَ مَا يَلْزَمُنَا مِمَّا رَوَيَاهُ لِمَا لَا يَلْزَمُنَا مِنْ رَأْيِهِمَا . 31 فَكَيْفَ وَقَدْ كَتَبَ إلَيَّ دَاوُد بْنُ بَابْشَاذَ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ نا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ نا الْحَسَنُ بْنُ غُلَيْبٍ نا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ الْأَوْدِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا أَنْكَحَتْ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَخِيهَا جَارِيَةً مِنْ بَنِي أَخِيهَا ، فَضَرَبَتْ بَيْنَهُمْ سِتْرًا ، ثُمَّ تَكَلَّمَتْ حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا النِّكَاحُ أَمَرَتْ رَجُلًا فَأَنْكَحَ ، ثُمَّ قَالَتْ : لَيْسَ إلَى النِّسَاءِ النِّكَاحُ - فَصَحَّ يَقِينًا بِهَذَا رُجُوعُهَا عَنْ الْعَمَلِ الْأَوَّلِ إلَى مَا نَبَّهَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ نِكَاحَ النِّسَاءِ لَا يَجُوزُ .
وَاعْتَرَضُوا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى : أَنَّ قَوْمًا أَرْسَلُوهُ ؟ فَقُلْنَا : فَكَانَ مَاذَا ، إذَا صَحَّ الْخَبَرُ مُسْنَدًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قَامَتْ الْحُجَّةُ بِهِ ، وَلَزِمَنَا قَبُولُهُ فَرْضًا ، وَلَا مَعْنَى لِمَنْ أَرْسَلَهُ ، أَوْ لِمَنْ لَمْ يَرْوِهِ أَصْلًا ، أَوْ لِمَنْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ ؟ كُلُّ هَذَا كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِمَّنْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِنَا جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ - : كَمَا رُوِّينَا : مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ : أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا ، أَوْ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ، أَوْ السُّلْطَانِ . وَمِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَدَّ نِكَاحَ امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ الطَّرِيقَ جَمَعَ رَكْبًا ، فَجَعَلَتْ امْرَأَةٌ ثَيِّبٌ أَمْرَهَا إلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَوْمِ غَيْرِ وَلِيٍّ فَأَنْكَحَهَا رَجُلًا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَجَلَدَ النَّاكِحَ وَالْمُنْكِحَ وَرَدَّ نِكَاحَهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْعَقْدِ شَيْءٌ ، لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ، لَا تُنْكِحُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ تُنْكِحُ نَفْسَهَا .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : الْبَغَايَا اللَّاتِي يَنْكِحْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ . 32
وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ : وَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَالَهُ وَبَنَاتَهُ وَنِكَاحَهُنَّ فَكَانَتْ حَفْصَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - إذَا أَرَادَتْ أَنْ تُزَوِّجَ امْرَأَةً أَمَرَتْ أَخَاهَا عَبْدَ اللَّهِ فَيُزَوِّجُ .
وَرُوِّينَا نَحْوَ هَذَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَابْنِ عُمَرَ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ .
وَرُوِّينَا : عَنْ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا أَبُو هِلَالٍ ، قَالَ : سَأَلْت الْحَسَنَ ؟ فَقُلْت : سَأَلْت أَبَا سَعِيدٍ عَنْ امْرَأَةٍ خَطَبَهَا رَجُلٌ وَوَلِيُّهَا غَائِبٌ بِسِجِسْتَانَ ، وَلِوَلِيِّهَا هَاهُنَا وَلِيٌّ ، أَيُزَوِّجُهَا وَلِيُّ وَلِيِّهَا ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ اُكْتُبُوا إلَيْهِ ، قُلْت لَهُ : إنَّ الْخَاطِبَ لَا يَصْبِرُ ؟ قَالَ : فَلْيَصْبِرْ ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ : إلَى مَتَى يَصْبِرُ ؟ قَالَ الْحَسَنُ : يَصْبِرُ كَمَا صَبَرَ أَهْلُ الْكَهْفِ .
وَهُوَ قَوْلُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَمَكْحُولٍ - .
وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ .
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ قَدِيمٌ ، وَحَدِيثٌ - : كَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ نَبَاتٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَوْنِ اللَّهِ نا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيُّ نا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بِنْدَارٌ نا أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ نا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ يُقَالُ لَهَا : بَحْرِيَّةُ ، زَوَّجَتْهَا أُمُّهَا ، وَكَانَ أَبُوهَا غَائِبًا ، فَلَمَّا قَدِمَ أَبُوهَا أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى عَلِيٍّ فَأَجَازَ ذَلِكَ - .
قَالَ شُعْبَةُ : وَأَخْبَرَنِي سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا قَيْسٍ يُحَدِّثُ عَنْ هُذَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِمِثْلِهِ .
وَمِنْ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ نَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ - هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ - قَالَ : سَمِعْت الْقَعْقَاعَ ، قَالَ : إنَّهُ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً مِنَّا يُقَالُ لَهَا : بَحْرِيَّةُ ، زَوَّجَتْهَا إيَّاهُ أُمُّهَا ، فَجَاءَ أَبُوهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَاخْتَصَمَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، فَأَجَازَهُ .
وَالْخَبَرُ الْمَشْهُورُ : عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ : أَنَّهَا زَوَّجَتْ بِنْتَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ 33 مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ بِالشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ الْمُنْذِرُ أَمْرَهَا إلَيْهِ فَأَجَازَهُ .
وَرُوِّينَا أَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أَبِي الرَّبِيعِ ، وَأُمَّهَا زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَكَانَتْ تَحْتَ عَلِيٍّ ، فَدَعَتْ بِالْمُغِيرَةِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَيْهِ فَأَنْكَحَهَا نَفْسَهُ ، فَغَضِبَ مَرْوَانُ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ إلَى مُعَاوِيَةَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ مُعَاوِيَةُ : دَعْهُ وَإِيَّاهَا .
وَصَحَّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِي امْرَأَةٍ لَا وَلِيَّ لَهَا ، فَوَلَّتْ رَجُلًا أَمْرَهَا ، فَزَوَّجَهَا ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : لَا بَأْسَ بِذَلِكَ ، الْمُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ : أَنَّهُ سَأَلَ عَطَاءً عَنْ امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وُلَاتِهَا - وَهُمْ حَاضِرُونَ ، فَقَالَ أَمَّا امْرَأَةٌ مَالِكَةٌ أَمْرَ نَفْسِهَا إذَا كَانَ بِشُهَدَاءَ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ أَمْرِ الْوُلَاةِ .
وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ ابْنَتَهَا بِغَيْرِ إذْنِ أَوْلِيَائِهَا ، قَالَ : إنْ أَجَازَ الْوُلَاةُ ذَلِكَ إذَا عَلِمُوا ، فَهَذَا جَائِزٌ - وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا .
قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَ الزَّوْجُ كُفُؤًا وَلَهَا مِنْ أَمْرِهَا نَصِيبٌ ، وَدَخَلَ بِهَا ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا .
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : لَا يَجُوزُ أَنْ تُزَوِّجَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا ، وَلَا أَنْ تُزَوِّجَهَا امْرَأَةٌ وَلَكِنْ إنْ زَوَّجَهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ جَازَ ، الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .
قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : أَمَّا الْبِكْرُ فَلَا يُزَوِّجُهَا إلَّا وَلِيُّهَا ، وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَتُوَلِّي أَمْرَهَا مَنْ شَاءَتْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُزَوِّجُهَا ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ فِي ذَلِكَ اعْتِرَاضٌ .
وَقَالَ مَالِكٌ : أَمَّا الدَّنِيئَةُ ، كَالسَّوْدَاءِ ، أَوْ الَّتِي أَسْلَمْت ، أَوْ الْفَقِيرَةُ ، أَوْ النَّبَطِيَّةُ ، أَوْ الْمُوَلَّاةُ ، فَإِنْ زَوَّجَهَا الْجَارُ وَغَيْرُهُ - مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ لَهَا بِوَلِيٍّ - فَهُوَ جَائِزٌ - وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي لَهَا الْمَوْضِعُ ، فَإِنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ وَلِيِّهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ الْوَلِيُّ ، أَوْ السُّلْطَانُ : جَازَ ، فَإِنْ تَقَادَمَ أَمْرُهَا وَلَمْ يُفْسَخْ ، وَوَلَدَتْ لَهُ الْأَوْلَادَ : لَمْ نَفْسَخْ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَزُفَرُ ، جَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا كُفُؤًا ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِوَلِيِّهَا فِي ذَلِكَ ، فَإِنْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا غَيْرَ كُفْءٍ ، فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا ، وَكَذَلِكَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُخَاصِمَ فِيمَا حَطَّتْ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا . 34
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ ، ثُمَّ اخْتَلَفَا ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : إنْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَأَجَازَهُ الْوَلِيُّ جَازَ ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُجِيزَ وَالزَّوْجُ كُفُؤٌ أَجَازَهُ الْقَاضِي ، وَلَا يَكُونُ جَائِزًا إلَّا حَتَّى يُجِيزَهُ الْقَاضِي .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ لَمْ يُجِزْهُ الْوَلِيُّ اسْتَأْنَفَ الْقَاضِي فِيهِ عَقْدًا جَدِيدًا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، وَأَبِي يُوسُفَ : فَظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَالْفَسَادِ ، لِأَنَّهُمَا نَقَضَا قَوْلِهِمَا " لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ " إذْ أَجَازَا لِلْوَلِيِّ إجَازَةَ مَا أَخْبَرَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لِأَنَّهُ أَجَازَ لِلْمَرْأَةِ إنْكَاحَ نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ ثُمَّ أَجَازَ لِلْوَلِيِّ فَسْخَ الْعَقْدِ الْجَائِزِ ، فَهِيَ أَقْوَالٌ لَا مُتَعَلِّقَ لَهَا بِقُرْآنٍ ، وَلَا بِسُنَّةٍ لَا صَحِيحَةٍ ، وَلَا سَقِيمَةٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا بِمَعْقُولٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ - وَهَذَا لَا يُقْبَلُ إلَّا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى ، إلَّا عَنْ الْوَحْيِ مِنْ الْخَالِقِ ، الَّذِي { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَهُوَ دِينٌ جَدِيدٌ ، يُعَذِّبُ اللَّهُ بِهِ فِي الْحَشْرِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ : فَظَاهِرُ الْفَسَادِ ، لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّنِيَّةِ وَغَيْرِ الدَّنِيَّةِ ، وَمَا عَلِمْنَا الدَّنَاءَةَ إلَّا مَعَاصِيَ اللَّهِ تَعَالَى .
وَأَمَّا السَّوْدَاءُ ، وَالْمَوْلَاةُ : فَقَدْ كَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - سَوْدَاءَ وَمَوْلَاةً ، وَوَاللَّهِ مَا بَعْدَ أَزْوَاجِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ امْرَأَةٌ أَعْلَى قَدْرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كُلِّهِمْ مِنْهَا .
وَأَمَّا الْفَقِيرَةُ : فَمَا الْفَقْرُ دَنَاءَةٌ ، فَقَدْ كَانَ فِي الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْفَقِيرُ الَّذِي أَهْلَكَهُ الْفَقْرُ - وَهُمْ أَهْلُ الشَّرَفِ وَالرِّفْعَةِ حَقًّا - وَقَدْ كَانَ قَارُونُ ، وَفِرْعَوْنُ ، وَهَامَانُ : مِنْ الْغِنَى بِحَيْثُ عُرِفَ - وَهُمْ أَهْلُ الدَّنَاءَةِ وَالرَّذَالَةِ حَقًّا - .
وَأَمَّا النَّبَطِيَّةُ : فَرُبَّ نَبَطِيَّةٍ لَا يَطْمَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَسَارِهَا ، وَعُلُوِّ حَالِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَرُبَّ بِنْتِ خَلِيفَةٍ هَلَكَتْ فَاقَةً وَجَهْدًا وَضَيَاعًا .
35 ثُمَّ قَوْلُهُ " يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ طَالَ الْأَمْرُ وَوَلَدَتْ مِنْهُ الْأَوْلَادَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا " فَهَذَا عَيْنُ الْخَطَأِ ، إنَّمَا هُوَ حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ نَقْضُ الْحَقِّ إثْرَ عَقْدِهِ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَالْبَاطِلُ مَرْدُودٌ أَبَدًا ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ نَصٌّ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ سُنَّةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَيُوقَفُ عِنْدَهُ .
وَمَا نَعْلَمُ قَوْلَ مَالِكٍ هَذَا قَالَهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا غَيْرُهُ ، إلَّا مَنْ قَلَّدَهُ ، وَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ بِقُرْآنٍ ، وَلَا بِسُنَّةٍ صَحِيحَةٍ ، وَلَا بِأَثَرٍ سَاقِطٍ ، وَلَا بِقَوْلِ صَاحِبٍ ، وَلَا تَابِعٍ ، وَلَا مَعْقُولٍ ، وَلَا قِيَاسٍ ، وَلَا رَأْيٍ لَهُ وَجْهٌ يُعْرَفُ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ : فَإِنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } مَانِعٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ كُلَّ مُسْلِمٍ ، لِأَنَّ مُرَاعَاةَ اشْتِجَارِ جَمِيعِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ النَّاسِ مُحَالٌ ، وَحَاشَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يَأْمُرَ بِمُرَاعَاةِ مُحَالٍ لَا يُمْكِنُ فَصَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنَى قَوْمًا خَاصَّةً يُمْكِنُ أَنْ يَشْتَجِرُوا فِي نِكَاحِ الْمَرْأَةِ ، لَا حَقَّ لِغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ .
قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } بَيَانٌ جَلِيٌّ بِمَا قُلْنَا إذْ لَوْ أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلَّ مُسْلِمٍ لَكَانَ قَوْلُهُ : { مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ } مُحَالًا بَاطِلًا ، وَحَاشَ لَهُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ ، فَصَحَّ : أَنَّهُمْ الْعَصَبَةُ الَّذِينَ يُوجَدُونَ لِبَعْضِ النِّسَاءِ وَلَا يُوجَدُونَ لِبَعْضِهِنَّ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَإِنَّمَا عُوِّلَ عَلَى الْخَبَرِ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ { الْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَهَذَا لَوْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُ لَكَانَ كَمَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ ، لَكِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } عُمُومٌ لِكُلِّ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ أَوْ بِكْرٍ . 36
وَبَيَانُ هَذَا الْقَوْلِ : أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَالثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا } أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ فِيهَا أَمْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا ، وَلَا تَنْكِحُ إلَّا مَنْ شَاءَتْ ، فَإِذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ لَمْ يَجُزْ لَهَا إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهِمَا ، فَإِنْ أَبَى أَنْكَحَهُمَا السُّلْطَانُ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ الْوَلِيِّ الْآبِيِّ .
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ لِلْوَلِيِّ مَعْنًى فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَبِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ } .
وَقَدْ قُلْنَا : إنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } بَيَانٌ فِي أَنَّ نِكَاحَهُنَّ لَا يَكُونُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ .
وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } فَهَذَا خَارِجٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ } .
وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الزَّائِدُ عَلَى مَعْهُودِ الْأَصْلِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ - بِلَا شَكٍّ - أَنْ تَنْكِحَ الْمَرْأَةُ مَنْ شَاءَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، فَالشَّرْعُ الزَّائِدُ هُوَ الَّذِي لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ ، لِأَنَّهُ شَرِيعَةٌ وَارِدَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ، كَالصَّلَاةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ، وَالزَّكَاةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ وَسَائِرِ الشَّرَائِعِ ، وَلَا فَرْقَ .
وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ فِيهِ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ هُوَ زَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذَا خَبَرٌ إنَّمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ مَجْهُولٌ .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ سَوَاءً سَوَاءً ، مَعَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ كَانَ يَوْمَئِذٍ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ ، هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ ، فَمِنْ الْبَاطِلِ أَنْ يَعْتَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقْدِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَقْدُهُ . 37
وَيَكْفِي فِي رَدِّ هَذَا كُلِّهِ مَا حَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودٍ نا أَحْمَدُ بْنُ دُحَيْمِ بْنِ خَلِيلٍ نا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمَّادٍ نا إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ نا عَارِمٌ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } قَالَ : فَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : زَوَّجَكُنَّ أَهْلُوكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ .
فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ مُبَيِّنٌ أَنَّ جَمِيعَ نِسَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا زَوَّجَهُنَّ أَوْلِيَاؤُهُنَّ حَاشَ زَيْنَبَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى زَوَّجَهَا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَصَحَّ بِهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أُمِّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّجَاشِيَّ زَوَّجَهَا أَيْ تَوَلَّى أَمْرَهَا وَمَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ وَكَانَ الْعَقْدُ بِحَضْرَتِهِ ، قَدْ كَانَ هُنَالِكَ أَقْرَبُ النَّاسِ إلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَعَمْرٌو ، وَخَالِدٌ ، ابْنَا سَعْدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ ، فَكَيْفَ يُزَوِّجُهَا النَّجَاشِيُّ - بِمَعْنَى يَتَوَلَّى عَقْدَ نِكَاحِهَا - وَهَؤُلَاءِ حُضُورٌ رَاضُونَ مَسْرُورُونَ آذِنُونَ فِي ذَلِكَ بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ ؟ .
وَأَمَّا تَزْوِيجُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَرْأَةَ بِتَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ أَصْلًا فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْيَقِينِ بِالشُّكُوكِ .
وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ ذَكَرُوهُ ، كَخَبَرِ نِكَاحِ مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّمَا جَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى الْعَبَّاسِ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
وَنِكَاحِ أَبِي طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ ، أَنْكَحَهَا إيَّاهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ، وَهُوَ صَغِيرٌ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ .
فَهَذَا كُلُّهُ مَنْسُوخٌ بِإِبْطَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ ، وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ نِسَاءً أُنْكِحْنَ بِغَيْرِ إذْنِ أَهْلِهِنَّ ، فَرَدَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نِكَاحَهُنَّ وَجَعَلَ إلَيْهِنَّ إجَازَةَ ذَلِكَ إنْ شِئْنَ - فَكُلُّهَا أَخْبَارٌ لَا تَصِحُّ إمَّا مُرْسَلَةٌ ، وَإِمَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ غُرَابٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - فَظَهَرَ صِحَّةُ قَوْلِنَا .
وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .
وَأَمَّا قَوْلُنَا : إنَّهُ لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ الْأَبْعَدِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ ، فَلِأَنَّ النَّاسَ 38 كُلَّهُمْ يَلْتَقُونَ فِي أَبٍ بَعْدَ أَبٍ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِلَا شَكٍّ ، فَلَوْ جَازَ إنْكَاحُ الْأَبْعَدِ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ لَجَازَ إنْكَاحُ كُلِّ مَنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ يَلْقَاهَا بِلَا شَكٍّ فِي بَعْضِ آبَائِهَا ، فَإِنْ حَدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا كُلِّفُوا الْبُرْهَانَ عَلَيْهِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ - فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّهُ لَا حَقَّ مَعَ الْأَقْرَبِ لِلْأَبْعَدِ ، ثُمَّ إنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بَابٌ هَكَذَا أَبَدًا مَا دَامَ يُعْلَمُ لَهَا وَلِيٌّ عَاصِبٌ ، كَالْمِيرَاثِ وَلَا فَرْقَ .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَلِيُّ غَائِبًا فَلَا بُدَّ مِنْ انْتِظَارِهِ ، فَإِنْ قَالُوا : إنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهَا ؟ قُلْنَا : الضَّرُورَةُ لَا تُبِيحُ الْفُرُوجَ - وَقَدْ وَافَقَنَا الْمَالِكِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلزَّوْجِ الْغَائِبِ مَالٌ يُنْفَقُ مِنْهُ عَلَى الْمَرْأَةِ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ - وَإِنْ أَضَرَّتْ غَيْبَتُهُ بِهَا فِي فَقْدِ الْجِمَاعِ وَضَيَاعِ كَثِيرٍ مِنْ أُمُورِهَا - وَوَافَقَنَا الْحَنَفِيُّونَ فِي أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ وَلَا ضَرَرَ أَضَرَّ مِنْ عَدَمِ النَّفَقَةِ .
ثُمَّ نَسْأَلُهُمْ فِي حَدِّ الْغَيْبَةِ الَّتِي يَنْتَظِرُونَ الْوَلِيَّ فِيهَا مِنْ الْغَيْبَةِ الَّتِي لَا يَنْتَظِرُونَهُ فِيهَا ، فَإِنَّهُمْ لَا يَأْتُونَ إلَّا بِفَضِيحَةٍ ، وَبِقَوْلٍ لَا يُعْقَلُ وَجْهُهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith