تحفة المحتاج في شرح المنهاج
تحفة المحتاج في شرح المنهاج · الجزء الخامس
الصفحة 4415 · ص. المطبوع 163 · الشرح
( وَحَجْرُ الصَّبِيِّ ) الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ( يَرْتَفِعُ ) مِنْ حَيْثُ الصِّبَا بِمُجَرَّدِ بُلُوغِهِ وَمُطْلَقًا ( بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا } أَيْ : أَبْصَرْتُمْ أَيْ : عَلِمْتُمْ وَزَعَمَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الصِّبَا بِكَسْرِ الصَّادِ 163 لَا يَسْتَقِيمُ وَأَنَّهُ بِفَتْحِهَا بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمَحْفُوظَ هُوَ فَتْحُهَا وَبِأَنَّهُ لَا بُعْدَ فِيهِ وَبِمَا قَرَّرْت بِهِ عِبَارَتُهُ الْمُفِيدُ أَنَّ الْقَصْدَ ارْتِفَاعُ الْحَجْرِ الْمُطْلَقِ لَا الْمُقَيَّدِ انْدَفَعَ اعْتِرَاضُهَا بِأَنَّ الْأَوْلَى حَذْفُ رَشِيدًا ؛ لِأَنَّ الصِّبَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالْحَجْرِ وَكَذَا التَّبْذِيرُ وَأَحْكَامُهُمَا مُتَغَايِرَةٌ ؛ إذْ مَنْ بَلَغَ مُبَذِّرًا حُكْمُ تَصَرُّفِ حُكْمُ تَصَرُّفِ السَّفِيهِ لَا حُكْمُ تَصَرُّفِ الصَّبِيِّ .
( فَرْعٌ ) غَابَ يَتِيمٌ فَبَلَغَ وَلَمْ يُعْلَمْ رُشْدُهُ لَمْ يَجُزْ لِوَلِيِّهِ النَّظَرُ فِي مَالِهِ مُعْتَمَدًا اسْتِصْحَابَ الْحَجْرِ لِلشَّكِّ فِي الْوَلَايَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ وَهِيَ شَرْطٌ وَهُوَ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِهِ فَإِنْ تَصَرَّفَ أَثِمَ ثُمَّ إنْ بَانَ غَيْرَ رَشِيدٍ نَفَذَ التَّصَرُّفُ وَإِلَّا فَلَا وَقَدْ يُنَافِيهِ مَا يَأْتِي مِنْ تَصْدِيقِ الْوَلِيِّ فِي دَوَامِ الْحَجْرِ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلُ إلَّا أَنْ يُقَالَ مَحَلُّ ذَاكَ فِي حَاضِرٍ ؛ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ حَالُهُ غَالِبًا بِخِلَافِ الْغَائِبِ وَلَيْسَ قَوْلُ الْوَلِيِّ قَبَضْت مَهْرَهَا بِإِذْنِهَا وَلَا قَوْلُهُ لَهُ اضْمَنِّي إقْرَارًا بِالرُّشْدِ فَلَا يَنْعَزِلُ بِهِ .
( وَالْبُلُوغُ ) فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا وَيُسَمَّى بُلُوغًا بِالسِّنِّ ( بِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ) قَمَرِيَّةً تَحْدِيدًا مِنْ انْفِصَالِ جَمِيعِ الْوَلَدِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ خَبِيرَيْنِ وَشَذَّ مَنْ قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { ۝ رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَهُمْ أَبْنَاءُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ بَلَغُوا وَعُرِضُوا عَلَيْهِ وَهُمْ أَبْنَاءُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُمْ مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ } وَقِصَّةُ ابْنِ عُمَرَ صَحَّحَهَا ابْنُ حِبَّانَ وَأَصْلُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَانِيهمَا وَيُسَمَّى بُلُوغًا بِالِاحْتِلَامِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ كَمَا قَالَ ( أَوْ خُرُوجُ مَنِيٍّ ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ } مَعَ خَبَرِ { ۝ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ } وَالْحُلُمُ الِاحْتِلَامُ وَهُوَ لُغَةً مَا يَرَاهُ النَّائِمُ وَكَنَّى بِهِ هُنَا عَنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَلَوْ يَقَظَةً بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ 164 وَيُشْتَرَطُ تَحَقُّقُهُ فَلَوْ أَتَتْ زَوْجَةُ صَبِيٍّ بَلَغَ تِسْعَ سِنِينَ بِوَلَدٍ لِلْإِمْكَانِ لَحِقَهُ ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يُكْتَفَى فِيهِ بِمُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَخَرَجَ لِخُرُوجِهِ مَا لَوْ أَحَسَّ بِانْتِقَالِهِ مِنْ صُلْبِهِ فَأَمْسَكَ ذَكَرَهُ فَرَجَعَ فَلَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ كَمَا لَا غُسْلَ وَبَحْثُ الزَّرْكَشِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ الْحُكْمَ بِبُلُوغِهِ بَعِيدٌ وَالْفَرْقُ بِأَنَّ مَدَارَ الْبُلُوغِ عَلَى الْعِلْمِ بِإِنْزَالِ الْمَنِيِّ وَالْغُسْلِ عَلَى حُصُولِهِ فِي الظَّاهِرِ بِالتَّحَكُّمِ أَشْبَهَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مَنِيٌّ قَبْلَ خُرُوجِهِ إذْ كَثِيرًا مَا يَقَعُ الِاشْتِبَاهُ فِيمَا يُحِسُّ بِنُزُولِهِ ثُمَّ رُجُوعِهِ ( وَوَقْتِ إمْكَانِهِ ) فِيهِمَا ( اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ ) قَمَرِيَّةٍ تَقْرِيبًا نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي الْحَيْضِ .
( وَنَبَاتُ الْعَانَةِ ) الْخَشِنُ بِحَيْثُ تَحْتَاجُ إزَالَتُهُ لِلْحَلْقِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا اسْمٌ لِلْمَنْبَتِ لَا لِلنَّابِتِ وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا النَّابِتُ وَأَنَّ الْمَنْبَتَ شِعْرَةٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَوَقْتُهُ وَقْتُ الِاحْتِلَامِ ( يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِبُلُوغِ وَلَدِ الْكَافِرِ ) بِالسِّنِّ أَوْ الِاحْتِلَامِ وَمِثْلُهُ وَلَدُ مَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ لَا مَنْ عُدِمَ مَنْ يُعْرَفُ سِنُّهُ عَلَى الْأَوْجَهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ { ۝ أَنَّ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ فِي سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَكَانُوا يَنْظُرُونَ مَنْ أَنْبَتَ الشَّعْرَ قُتِلَ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ وَأَنَّهُمْ كَشَفُوا عَنْ عَانَتِهِ فَوَجَدُوهَا لَمْ تُنْبِتْ فَجَعَلُوهُ فِي السَّبْيِ } وَخَرَجَ بِهَا نَبَاتُ نَحْوِ اللِّحْيَةِ 165 فَلَيْسَ بُلُوغًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ فِي الْإِبْطِ وَأُلْحِقَ بِهِ اللِّحْيَةُ وَالشَّارِبُ بِالْأُولَى فَإِنَّ الْبَغَوِيّ أَلْحَقَ الْإِبْطَ بِالْعَانَةِ دُونَهُمَا وَفِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ بَلْ الشَّعْرُ الْخَشِنُ مِنْ ذَلِكَ كَالْعَانَةِ فِي ذَلِكَ وَأَوْلَى إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ يَقْتَضِي الْحُكْمَ أَنَّهُ أَمَارَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ بِأَحَدِهِمَا نَعَمْ إنْ ثَبَتَ أَنَّ سِنَّهُ دُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمْ يَحْتَلِمْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُلُوغِهِ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ الصَّبِيُّ احْتِيَاطًا لِحَقْنِ الدَّمِ اسْتَعْجَلْته بِدَوَاءٍ إنْ كَانَ وَلَدَ حَرْبِيٍّ سَبْيٍ لَا ذِمِّيٍّ طُولِبَ بِالْجِزْيَةِ وَيَحِلُّ النَّظَرُ لِلْخَبَرِ .
وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ كَالرَّوْضَةِ وَلَدٌ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ الْمُحَرَّرِ إخْرَاجَ النِّسَاءِ ؛ لِأَنَّهُنَّ لَا يُقْتَلْنَ وَنَقَلَهُ السُّبْكِيُّ عَنْ الْجُورِيُّ وَالْخُنْثَى لَا بُدَّ أَنْ يَنْبُتَ عَلَى فَرْجَيْهِ مَعًا ( لَا الْمُسْلِمِ فِي الْأَصَحِّ ) لِسُهُولَةِ مُرَاجَعَةِ أَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ غَالِبًا وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِاسْتِعْجَالِهِ تَشَوُّفًا لِلْوَلَايَاتِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي بِهِ إلَى الْقَتْلِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ ضَرْبِ الرِّقِّ فِي الْأُنْثَى وَمَا مَرَّ عَامٌّ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَمَا تَقَرَّرَ ( وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ ) عَلَيْهِ ( حَيْضًا ) فِي سِنِّهِ السَّابِقِ إجْمَاعًا ( وَحَبَلًا ) 166 لَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى سَبْقِ الْإِمْنَاءِ ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ مِنْ الْمَاءَيْنِ فَبِالْوَضْعِ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَحْظَةٍ مَا لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يَلْحَقُ الْمُطَلِّقَ فَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ بِلَحْظَةٍ ، وَلَوْ حَاضَ الْخُنْثَى بِفَرْجِهِ وَأَمْنَى بِذَكَرِهِ حُكِمَ بِبُلُوغِهِ فَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَلَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مَا مَرَّ أَنَّ خُرُوجَ الْمَنِيِّ مِنْ الزَّائِدِ يُوجِبُ الْغُسْلَ فَيَقْتَضِي الْبُلُوغَ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا .
وَخَالَفَهُمْ الْإِمَامُ مَا لَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ فَيُغَيِّرُ قَالَا وَهُوَ الْحَقُّ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي إنْ تَكَرَّرَ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ حَسَنٌ غَرِيبٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث