بداية المجتهد ونهاية المقتصد
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · الجزء الأول
page 538 · printed p. 485
الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي أَحْكَامِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ
وَالنَّظَرُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا فِي عَدَدِ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ وَتَرْتِيبِهَا ، وَشُرُوطِ نَوْعٍ مِنْهَا ( أَعْنِي : الشُّرُوطَ الْمُصَحِّحَةَ ) ، وَمَتَى تَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ؟ وَمَتَى تَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ ؟
فَأَمَّا أَنْوَاعُهَا : فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ : إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ ، أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ ، أَوْ إِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، وَأَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ . فَالْإِعْتَاقُ أَوَّلًا ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالصِّيَامُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْإِطْعَامُ ، هَذَا فِي الْحُرِّ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَبْدِ يُكَفِّرُ بِالْعِتْقِ أَوْ بِالْإِطْعَامِ ؟ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الَّذِي يَبْدَأُ بِهِ الصِّيَامُ ( أَعْنِي : إِذَا عَجَزَ عَنِ الصِّيَامِ ) ، فَأَجَازَ لِلْعَبْدِ الْعِتْقَ - إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ - أَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ . وَأَمَّا الْإِطْعَامُ ، فَأَجَازَهُ لَهُ مَالِكٌ إِنْ أَطْعَمَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَمَبْنَى الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ ، أَوْ لَا يَمْلِكُ ؟
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الشُّرُوطِ الْمُصَحِّحَةِ : فَمِنْهَا اخْتِلَافُهُمْ إِذَا وَطِئَ فِي صِيَامِ الشَّهْرَيْنِ ، هَلْ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصِّيَامِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ : يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ شَرَطَ فِي ذَلِكَ الْعَمْدَ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ مَالِكٌ بَيْنَ الْعَمْدِ فِي ذَلِكَ ، وَالنِّسْيَانِ ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَسْتَأْنِفُ عَلَى حَالٍ . 485 وَسَبَبُ الْخِلَافِ تَشْبِيهُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، وَالشَّرْطُ الَّذِي وَرَدَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ( أَعْنِي : أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ ) ; فَمَنِ اعْتَبَرَ هَذَا الشَّرْطَ قَالَ : يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَالَ : لَا يَسْتَأْنِفُ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ تَرْفَعُ الْحِنْثَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِاتِّفَاقٍ .
وَمِنْهَا : هَلْ مِنْ شَرْطِ الرَّقَبَةِ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنَةً أَمْ لَا ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي الْإِجْزَاءِ ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجْزِي فِي ذَلِكَ رَقَبَةُ الْكَافِرِ ، وَلَا يَجْزِي عِنْدَهُمْ إِعْتَاقُ الْوَثَنِيَّةِ ، وَالْمُرْتَدَّةِ . دَلِيلُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إِعْتَاقٌ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً ، أَصْلُهُ الْإِعْتَاقُ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ; وَرُبَّمَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَيَّدَ الرَّقَبَةَ بِالْإِيمَانِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَأَطْلَقَهَا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَيَجِبُ صَرْفُ الْمُطْلَقِ إِلَى الْمُقَيَّدِ ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِيهِ خِلَافٌ ، وَالْحَنَفِيَّةُ لَا يُجِيزُونَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَسْبَابَ فِي الْقَضِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ . وَأَمَّا حُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ فَهُوَ ظَاهِرُ الْعُمُومِ ، وَلَا مُعَارَضَةَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ ، فَوَجَبَ عِنْدَهُ أَنْ يُحْمَلَ كُلٌّ عَلَى لَفْظِهِ .
وَمِنْهَا : اخْتِلَافُهُمْ هَلْ مِنْ شَرْطِ الرَّقَبَةِ أَنْ تَكُونَ سَالِمَةً مِنَ الْعُيُوبِ أَمْ لَا ؟ ثُمَّ إِنْ كَانَتْ سَلِيمَةً فَمِنْ أَيِّ الْعُيُوبِ تُشْتَرَطُ سَلَامَتُهَا ؟ فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ لِلْعُيُوبِ تَأْثِيرًا فِي مَنْعِ إِجْزَاءِ الْعِتْقِ; وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ . وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ تَشْبِيهُهَا بِالْأَضَاحِيِّ ، وَالْهَدَايَا لِكَوْنِ الْقُرْبَةِ تَجْمَعُهَا . وَحُجَّةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي إِطْلَاقُ اللَّفْظِ فِي الْآيَةِ . فَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الظَّاهِرِ لِقِيَاسِ الشَّبَهِ . وَالَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ لِلْعُيُوبِ تَأْثِيرًا فِي مَنْعِ الْإِجْزَاءِ اخْتَلَفُوا فِي عَيْبٍ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْزَاءِ ، أَوْ عَدَمِهِ . أَمَّا الْعَمَى ، وَقَطْعُ الْيَدَيْنِ ، أَوِ الرِّجْلَيْنِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي أَنَّهُ مَانِعٌ لِلْإِجْزَاءِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ; فَمِنْهَا هَلْ يَجُوزُ قَطْعُ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ ؟ أَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ . وَأَمَّا الْأَعْوَرُ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِي ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : يُجْزِي . وَأَمَّا قَطْعُ الْأُذُنَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِي ، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : يُجْزِي . وَأَمَّا الْأَصَمُّ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ، فَقِيلَ : يُجْزِي ، وَقِيلَ : لَا يُجْزِي . وَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَلَا يُجْزِي عِنْدَ مَالِكٍ ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ . أَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يُجْزِي ، أَمَّا الْخَصِيُّ ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَا يُعْجِبُنِي الْخَصِيُّ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا يُجْزِي ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِي . وَإِعْتَاقُ الصَّغِيرِ جَائِزٌ فِي قَوْلِ عَامَّةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَحَكَى عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَنْعَهُ ، وَالْعَرَجُ الْخَفِيفُ فِي الْمَذْهَبِ يُجْزِي ، أَمَّا الْعَرَجُ الْبَيِّنُ فَلَا . وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ : اخْتِلَافُهُمْ فِي قَدْرِ النَّقْصِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْقُرْبَةِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ إِلَّا الضَّحَايَا .
486 وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِي فِي الْمَذْهَبِ مَا فِيهِ شَرِكَةٌ ، أَوْ طَرَفُ حُرِّيَّةٍ كَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) ، وَالتَّحْرِيرُ هُوَ إِبْدَاءُ الْإِعْتَاقِ ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ عَقْدٌ مِنْ عُقُودِ الْحُرِّيَّةِ كَالْكِتَابَةِ كَانَ تَنْجِيزًا لَا إِعْتَاقًا ، وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ لِأَنَّ بَعْضَ الرَّقَبَةِ لَيْسَ بِرَقَبَةٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ أَدَّى شَيْئًا مِنْ مَالِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤَدِّ جَازَ . وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُجْزِيهِ عِتْقُ مُدَبَّرِهِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يُجْزِيهِ تَشْبِيهًا بِالْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ عَقَدٌ لَيْسَ لَهُ حَلُّهُ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُجْزِيهِ; وَلَا يُجْزِي عِنْدَ مَالِكٍ إِعْتَاقُ أُمِّ وَلَدِهِ ، وَلَا الْمُعْتَقِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى . أَمَّا عِتْقُ أُمِّ الْوَلَدِ فَلِأَنَّ عَقْدَهَا آكَدُ مِنْ عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا قَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهِمَا الْفَسْخُ . أَمَّا فِي الْكِتَابَةِ فَمِنَ الْعَجْزِ عَنْ أَدَاءِ النُّجُومِ . وَأَمَّا فِي التَّدْبِيرِ ، فَإِذَا ضَاقَ عَنْهُ الثُّلُثُ . وَأَمَّا الْعِتْقُ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ عَقْدُ عِتْقٍ لَا سَبِيلَ إِلَى حَلِّهِ . وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِجْزَاءِ عِتْقِ مَنْ يُعْتِقُ عَلَيْهِ بِالنَّسَبِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُجْزِي عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا نَوَى بِهِ عِتْقَهُ عَنْ ظِهَارٍ أَجْزَأَ . فَأَبُو حَنِيفَةَ شَبَّهَهُ بِالرَّقَبَةِ الَّتِي لَا يَجِبُ عِتْقُهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الرَّقَبَتَيْنِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ شِرَاؤُهَا ، وَبَذْلُ الْقِيمَةِ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الْعِتْقِ ، فَإِذَا نَوَى بِذَلِكَ التَّكْفِيرَ جَازَ; وَالْمَالِكِيَّةُ ، وَالشَّافِعِيَّةُ رَأَتْ أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ عَتَقَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى إِعْتَاقِهِ فَلَا يُجْزِيهِ ، فَأَبُو حَنِيفَةَ أَقَامَ الْقَصْدَ لِلشِّرَاءِ مَقَامَ الْعِتْقِ ، وَهَؤُلَاءِ قَالُوا : لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلْعِتْقِ نَفْسِهِ ، فَكِلَاهُمَا يُسَمَّى مُعْتِقًا بِاخْتِيَارِهِ ، وَلَكِنَّ أَحَدَهُمَا مُعْتِقٌ بِالِاخْتِيَارِ الْأَوَّلِ ، وَالْآخَرُ مُعْتِقٌ بِلَازِمِ الِاخْتِيَارِ ، فَكَأَنَّهُ مُعْتِقٌ عَلَى الْقَصْدِ الثَّانِي ، وَمُشْتَرٍ عَلَى الْقَصْدِ الْأَوَّلِ ، وَالْآخَرُ بِالْعَكْسِ .
وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ فِيمَنْ أَعْتَقَ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَجُوزُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَاحِدِ ، وَمَالِكٌ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ ، فَهَذَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ شُرُوطِ الرَّقَبَةِ الْمُعْتَقَةِ .
وَأَمَّا شُرُوطُ الْإِطْعَامِ : فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُجْزِي لِمِسْكِينٍ مِسْكِينٍ مِنَ السِّتِّينَ مِسْكِينًا الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ النَّصُّ ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا : أَنَّ ذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قِيلَ هُوَ أَقَلُّ ، وَقَدْ قِيلَ هُوَ مُدٌّ ، وَثُلُثٌ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ فَمُدٌّ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ . فَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى اعْتِبَارُ الشِّبَعِ غَالِبًا ( أَعْنِي : الْغَدَاءَ وَالْعَشَاءَ ) ، وَوَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، فَهَذَا هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ فِي الْوَاجِبَاتِ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ .
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَوَاضِعِ تَعَدُّدِهَا وَمَوَاضِعِ اتِّحَادِهَا : فَمِنْهَا : إِذَا ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسْوَةٍ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ هَلْ يُجْزِي فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَمْ يَكُونُ عَدَدُ الْكَفَّارَاتِ عَلَى عَدَدِ النِّسْوَةِ ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِي فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ فِيهَا مِنَ الْكَفَّارَاتِ بِعَدَدِ الْمُظَاهَرِ مِنْهُنَّ إِنِ اثْنَتَيْنِ فَاثْنَتَيْنِ ، وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثًا ، وَإِنْ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ .
487 فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالطَّلَاقِ أَوْجَبَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةً; وَمَنْ شَبَّهَهُ بِالْإِيلَاءِ أَوْجَبَ فِيهِ كَفَّارَةً وَاحِدَةً ، وَهُوَ بِالْإِيلَاءِ أَشْبَهُ .
وَمِنْهَا : إِذَا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي مَجَالِسَ شَتَّى هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، أَوْ عَلَى عَدَدِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ظَاهَرَ فِيهَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، إِلَّا أَنْ يُظَاهِرَ ، ثُمَّ يُكَفِّرَ ، ثُمَّ يُظَاهِرَ ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لِكُلِّ ظِهَارٍ كَفَّارَةٌ . وَأَمَّا إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى نِيَّتِهِ ، فَإِنْ قَصَدَ التَّأْكِيدَ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ وَاحِدَةٌ ، وَإِنْ أَرَادَ اسْتِئْنَافَ الظِّهَارِ كَانَ مَا أَرَادَ وَلَزِمَهُ مِنَ الْكَفَّارَاتِ عَلَى عَدَدِ الظِّهَارِ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ عَلَى عَدَدِ الظِّهَارِ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ، أَوْ فِي مَجَالِسَ شَتَّى . وَالسَّبَبُ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ الظِّهَارَ الْوَاحِدَ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ، وَالْمُتَعَدِّدُ بِلَا خِلَافٍ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بِلَفْظَتَيْنِ مِنِ امْرَأَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ ، فَإِنْ كَرَّرَ اللَّفْظَ مِنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَهَلْ يُوجِبُ تَعَدُّدُ اللَّفْظِ تَعَدُّدَ الظِّهَارِ ، أَمْ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ فِيهِ تَعَدُّدًا ؟ وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ اللَّفْظُ وَاحِدًا وَالْمُظَاهَرُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ ؟ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَوَسِّطَاتِ بَيْنَ ذَيْنِكَ الطَّرَفَيْنِ; فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شِبْهُ الطَّرَفِ الْوَاحِدِ أَوْجَبَ لَهُ حُكْمَهُ; وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شِبْهُ الطَّرَفِ الثَّانِي أَوْجَبَ لَهُ حُكْمَهُ .
وَمِنْهَا : إِذَا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ ، ثُمَّ مَسَّهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ أَمْ لَا ؟ فَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَمَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ ، وَالطَّبَرِيُّ ، وَأَبُو عُبَيْدٍ : أَنَّ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمْ ۝ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيِّ : " أَنَّهُ ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّرَ تَكْفِيرًا وَاحِدًا " ، وَقَالَ قَوْمٌ : عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ : كَفَّارَةُ الْعَزْمِ عَلَى الْوَطْءِ ، وَكَفَّارَةُ الْوَطْءِ ، لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْأً مُحَرَّمًا ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، وَقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لَا عَنِ الْعَوْدِ وَلَا عَنِ الْوَطْءِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اشْتَرَطَ صِحَّةَ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، فَإِذَا مَسَّ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا فَلَا تَجِبُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ ، وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَفِيهِ شُذُوذٌ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ : مَنْ كَانَ فَرْضُهُ الْإِطْعَامَ فَلَيْسَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْمَسِيسُ قَبْلَ الْإِطْعَامِ ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْمَسِيسُ عَلَى مَنْ كَانَ فَرْضُهُ الْعِتْقَ أَوِ الصِّيَامَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith