1907 · ص448 · ج2
إلَّا أهلُ الصّبر، كقوله: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)} [القصص: ٨٠]، وقولِه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: ٣٤ - ٣٥].
الثالث عشر: الإخبار أنَّه إنَّما ينتفع بالآيات والعبر أهلُ الصبر، كقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا ١ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [إبراهيم: ٥]، وقوله في أهل سبإٍ: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ٢ [سبأ: ١٩]، وقولِه في سورة الشُّورى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [الشورى: ٣٢].
الرابع عشر: الإخبار بأنَّ الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب ٣ ودخول الجنَّة إنَّما نالوه بالصبر، كقوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: ٢٣].
الخامس عشر: أنَّه يورث صاحبه درجة الإمامة؛ سمعتُ شيخ الإسلام
١ لم يرد صدر الآية إلى هنا في ع، وسياقه: «كقوله تعالى لموسى: {أَنْ أَخْرِجْ ... }. وفي سائر النسخ عدا ش: «ولقد أوحينا إلى موسى»، سهو. ثم أصلح «أوحينا» إلى «أرسلنا» في الأصل، تصحيح ناقص.
٢ «وقوله في أهل سبإ ... » إلى هنا سقط من ش.
٣ ع: «المكروه المرهوب».
1908 · ص448 · ج3
فصل
قال ١: (العطش: كنايةٌ عن غلبةِ وَلُوعٍ بمأمولٍ).
الوَلُوع بالشّيء: هو التّعلُّق به بصفة المحبّة، مع أمل الوصول إليه.
وقيل في حدِّ الوَلُوع ٢: إنّه كثرة ترداد القلب إلى الشّيء المحبوب. كما يقال: فلانٌ مُولَعٌ بكذا، وقد وَلِعَ به.
وقيل: هو لزوم القلب للشّيء، فكأنّه مثل: أُغرِيَ به فهو مُغْرًى.
قال ٣: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الأولى: عطشُ المريدِ إلى شاهدٍ يَرْوِيه, أو إشارةٍ تَشْفِيه, أو عَطْفةٍ تُروِيْه).
ولمّا كان المريد من أهل طلب الشّواهد، والشاهد محلُّ ٤ الاعتبار، ومثير العزمات، وتعلُّق العُبّاد بالأعمال.
وقوله: (شاهد يرويه)، يحتمل أنّه من الرِّواية، أي يرويه عمّن أقامه له، فيكون ذلك إشارةً إلى شواهد العلم، فهو شديد العطش إلى شواهدَ يَرويها عن الصّادقين من أهل السُّلوك، يزداد بها تثبُّتًا وقوّةً وبصيرةً. فإنّ المريد إذا تجدّدتْ له حالةٌ أو حصلَ له واردٌ استوحشَ من تفرُّدِه بها، فإذا قام عنده
١ «المنازل» (ص ٧٥).
٢ هو قول التلمساني في «شرحه» (ص ٤١٨).
٣ «المنازل» (ص ٧٥). وفيه: «عطفة تؤويه». والمثبت مطابق لما عند التلمساني.
٤ في النسخ: «على»، تحريف. وليس فيها جواب «لما» , ولعل فيها سقطًا. وفي شرح التلمساني: «المريد فوق درجة العابد، وهو من أهل الشواهد، والشاهد محلُّ الاعتبار، والمراد به ما يشهد للمريد بصحة سلوكه وصدق طريقه».