705 · ص147 · ج4
الجنّة فارْتَعُوا» ١. قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: «حِلَقُ الذِّكر» ٢. ومنه قوله: «ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنّة» ٣، فهو روضةٌ لأهل العلم والإيمان، لِما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنّة، حتّى كأنّها لهم رأيَ عينٍ، وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقِّه روضةً من رياض الجنّة. ومن هذا قوله: «الجنّة تحت ظلال السُّيوف» ٤.
فالعمل إنّما هو على الشّواهد، وعلى حسب شاهد العبد يكون عملُه.
ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشّواهد إشارةً يُعلَم بها حقيقة الأمر.
فأوّل شواهد السّائر إلى الله والدّار الآخرة: أن يقوم به ٥ شاهدٌ من الدُّنيا وحقارتها، وقلّة وفائها، وكثرة جفائها، وخِسَّة شركائها، وسرعة انقضائها، ويرى أهلها وعشّاقها صَرْعى حولَها، قد بَدَّعتْ ٦ بهم، وعذَّبتْهم
١ ش، د: «فارتعوها».
٢ أخرجه أحمد والترمذي من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - بإسناد ضعيف. وله شاهد من حديث جابر - رضي الله عنه - عند أبي يعلى والحاكم وغيرهما، وهو ضعيف أيضًا. وقد تقدَّم تخريج الحديث مفصَّلًا في المجلد الثالث (ص ٢١٦).
٣ أخرجه البخاري (١١٩٥) عن عبد الله بن زيد المازني، و (١١٩٦) عن أبي هريرة - رضي الله عنهما -. وأخرجه أيضًا مسلم (١٣٩٠، ١٣٩١).
٤ أخرجه البخاري (٢٨١٨) من حديث عبد الله بن أبي أوفى - رضي الله عنه -. وأخرجه مسلم (١٩٠٢) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -.
٥ في هامش ر: لعله «بقلبه».
٦ مِن «أَبدَعَت الراحلةُ به»: كلَّت أو عطِبت، ولم يرد في كتب اللغة «بدَّع» بهذا المعنى.
706 · ص148 · ج1
ومنهم من يوجب القيامَ بالأوراد والوظائف وعدمَ الإخلال بها، وهم صنفان أيضًا: أحدهما: يوجبونه حفظًا للقانون، وضبطًا للنَّاموس. والآخرون: يوجبونه حفظًا للوارد، وخوفًا من تدرُّج النّفس بمفارقته إلى حالتها الأولى من البهيميّة.
فهذه نهايةُ أقدام المتكلِّمين على طريق السُّلوك، وغايةُ معارفهم بحكم العبادة وما شُرعت لأجله. ولا تكاد تجد في كتب القوم غيرَ هذه الطُّرق الثّلاثة، على سبيل الجمع، أو على سبيل البدل.
فصل
وأمّا الصِّنف الرّابع ــ وهم المحمَّديَّةُ الإبراهيميَّةُ أتباعُ الخليلين، العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخَلْقه، وأهلُ البصائر في عبادته ومراده بها ــ فالطّوائف الثّلاثة محجوبون عنهم بما عندهم من الشُّبه الباطلة والقواعد الفاسدة، ما عندهم وراء ذلك شيءٌ. قد فرحوا بما عندهم من المحال، وقنعوا بما ألِفوه من الخيال. ولو علموا أنَّ وراءه ما هو أجَلُّ منه وأعظَمُ لَما ارتضَوا بدونه، ولكن عقولهم قصَّرت عنه. ولم يهتدوا إليه بنور النُّبوّة، ولم يشعروا به، ليجتهدوا في طلبه. ورأوا أنَّ ما معهم خيرٌ من الجهل، ورأوا تناقض ما مع غيرهم وفساده. فتركَّب من هذه الأمور إيثارُ ما عندهم على ما سواه، وهذه بليّة الطّوائف، والمعافى من عافاه الله تعالى.
فاعلم أنّ سرَّ العبوديّة وغايتَها وحكمتَها إنّما يطَّلع عليه من عرَف صفاتِ الرَّبِّ تعالى ولم يعطِّلها، وعرف معنى الإلهيّة وحقيقتها ومعنى كونه إلهًا، بل هو الإله الحقُّ، وكلُّ إلهٍ سواه فباطلٌ، بل أبطل الباطل، وأنّ حقيقة الإلهيّة لا تنبغي إلّا له، وأنَّ العبادةَ موجَبُ إلهيّته وأثرُها ومقتضاها،