← المكتبة ▭▭ 2 pages
وأد الفتنة دراسة نقدية لشبهات المرجفين وفتنة الجمل وصفين على منهج المحدثين
أحمد محمود الشوابكة التاريخ
A− A+
119 · ص120
ظاهره ولكنّه في الحقيقة لا يقصد به الدّعاء، وإنّما هو من الكلام الجاري على أَلْسُنِ العرب يقولونه، وهم لا يريدون الدّعاء على المخاطب، ونظير ذلك، قولهم: قاتلك الله! وويلك! وويحك! ولا أب لك! وثكلتك أمّك! ولا أمّ لك! وتربت يداك! ونحو ذلك من الألفاظ الّتي ظاهرها الذّم والدّعاء، وباطنها المدح والثّناء. فخاف - صلى الله عليه وسلم - أن يصادف الدّعاء إجابة؛ فسأل الله أن يجعل دعاءه رحمةً وقربةً وطهوراً وأجراً. واستدلّوا على ذلك بدعاء النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على يتيمة أمّ سُلَيْم وهي أمّ أنس فقد رآها - صلى الله عليه وسلم - فقال: " آنتِ هِيَهْ ١؟ لقَدْ كبِرْتِ، لا كَبِرَ سنُّك " ٢. ثمّ أعقب مسلم هذا الحديث بحديث فيه دعاء على معاوية ـ رضي الله عنه ـ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا أَشْبَعَ الله بطنه " ٣ وقد خَتَمَ به الباب دلالة على أنّهما بمعنى واحد، فكما أنّ الدّعاء على اليتيمة لها زكاة وقربى، فكذلك معاوية ـ رضي الله عنه ـ إذ ليس المقصود الدّعاء عليه، وإنّما الدّعاء له. قال النّوويّ: " وقد فَهِمَ مسلم ـ رحمه الله ـ من هذا الحديث أنّ معاوية لم يكن مستحقّا للدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية، لأنّه في الحقيقة يصير دعاء له " ٤. ويعضِّده قوله - صلى الله عليه وسلم - لأمّ المؤمنين صفيّة ـ رضي الله عنها ـ: " عَقْرَى حَلْقَى " ٥ والمعنى الظّاهر: عَقَرَ الله جسَدَها وأصابها بوجع في حلقها، والمعنى المراد الدّعاء لها لا عليها، قلت: وهو أشبه بالتّورية ٦ من جهة إرادة المعنى الآخر.
١ الهاء هاء السّكت. ٢ مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٦/ص ١٥٤) كتاب البّر والصّلة. ٣ مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٨/ج ١٦/ص ١٥٦) كتاب البرّ والصّلة. ٤ المرجع السَّابق. ٥ مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٤/ج ٨/ص ١٥٣) كتاب الحجّ. ٦ التّورية: هي الكلمة تحتمل معنيين فيستعمل المتكلّم أحد احتماليها ويهمل الآخر، ومراده ما أهمله لا ما استعمله.
→ prev 119 / 305 next ←