الرهن
الرهن يوضع على يد العدلالتصرف في الرهن والجناية عليه وجنايته على غيرهما يجوز ارتهانه والارتهان به وما لا يجوزبيع الحاكم للرهن في الاستحقاقالتصرف في الرهن والجناية عليه وجنايته أي الرهن على غيرهجناية الرهن بعضه على بعضجناية الرهن على الراهن والمرتهنجناية الرهن على غير الراهن والمرتهنجناية الرهن في الحفرالجناية على الرهنالراهن غير مضمونرهن الأرضين وغيرهارهن أهل الكفررهن الحيوانالرهن الذي لا يضمن صاحبهرهن الرجلين وارتهانهمارهن الفضة بالفضة والكيل والوزنرهن المضارب والشريكرهن المكاتب والعبدرهن الوصي والولدالشهادة في الرهنالعارية في الرهنالغصب في الرهنما يجوز ارتهانه وما لا يجوز
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
135 كِتَابُ الرَّهْنِ )
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ رُكْنِ عَقْدِ الرَّهْنِ ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الرَّهْنِ ، وَفِي بَيَانِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الرَّهْنُ عَنْ كَوْنِهِ مَرْهُونًا ، وَمَا يَبْطُلُ بِهِ الرُّكْنُ وَمَا لَا يَبْطُلُ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ اخْتِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْعَدْلِ .
أَمَّا رُكْنُ عَقْدِ الرَّهْنِ فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ : رَهَنْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ بِمَا لَكَ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ يَقُولَ : هَذَا الشَّيْءُ رَهْنٌ بِدَيْنِكَ ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى ، وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ : ارْتَهَنْتُ أَوْ قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ ، فَأَمَّا لَفْظُ الرَّهْنِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَرَاهِمَ وَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ ثَوْبًا وَقَالَ لَهُ : امْسِكْ هَذَا الثَّوْبَ حَتَّى أُعْطِيَكَ الثَّمَنَ فَالثَّوْبُ رَهْنٌ ; ; لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الْعَقْدِ ، وَالْعِبْرَةُ فِي بَابِ الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي .
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ يَقَعُ فِي مَوَاضِعَ : فِي بَيَانِ رُكْنِ عَقْدِ الرَّهْنِ ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الرُّكْنِ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ الرَّهْنِ ، وَفِي بَيَانِ مَا يَخْرُجُ بِهِ الرَّهْنُ عَنْ كَوْنِهِ مَرْهُونًا ، وَمَا يَبْطُلُ بِهِ الرُّكْنُ وَمَا لَا يَبْطُلُ ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ اخْتِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْعَدْلِ .
أَمَّا رُكْنُ عَقْدِ الرَّهْنِ فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّاهِنُ : رَهَنْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ بِمَا لَكَ عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ يَقُولَ : هَذَا الشَّيْءُ رَهْنٌ بِدَيْنِكَ ، وَمَا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى ، وَيَقُولُ الْمُرْتَهِنُ : ارْتَهَنْتُ أَوْ قَبِلْتُ أَوْ رَضِيتُ ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ ، فَأَمَّا لَفْظُ الرَّهْنِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ ، حَتَّى لَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِدَرَاهِمَ وَدَفَعَ إلَى الْبَائِعِ ثَوْبًا وَقَالَ لَهُ : امْسِكْ هَذَا الثَّوْبَ حَتَّى أُعْطِيَكَ الثَّمَنَ فَالثَّوْبُ رَهْنٌ ; ; لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى الْعَقْدِ ، وَالْعِبْرَةُ فِي بَابِ الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي .
المبسوط
اقرأ →
وَإِذَا رَهَنَ الرَّجُلُ عَدْلًا زُطِّيًّا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، أَوْ بِمِائَةِ شَاةٍ ، أَوْ عَشَرَةٍ مِنْ الْإِبِلِ ، وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ ثُمَّ قَضَاهُ بَعْضَ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ شَيْئًا مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ الْمَالَ 110 كُلَّهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ مَنْفَعَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَكُلُّ جُزْءٍ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْعَقْدُ يَكُونُ مَحْبُوسًا بِجَمِيعِ الدَّيْنِ ، فَمَا لَمْ يَقْضِ جَمِيعَ الدَّيْنِ لَا يَنْعَدِمُ الْمَعْنَى الْمُثْبَتُ بِحَقِّ الْجِنْسِ فِي شَيْءٍ مِنْ الرَّهْنِ ، كَمَا فِي الْبَيْعِ ، وَكَذَلِكَ إنْ رَهَنَ مِائَةَ شَاةٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كُلُّ شَاةٍ بِعَشَرَةٍ ثُمَّ قَضَاهُ عَشَرَةً ، وَفِي ( الزِّيَادَاتِ ) قَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدّ أَيَّ شَاةٍ شَاءَ قَالَ الْحَاكِمُ : فَمَا ذُكِرَ فِي ( الزِّيَادَاتِ ) قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَمَا ذُكِرَ فِي ( كِتَابِ الرَّهْنِ ) قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يُنْكِرُ مَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ .
وَيَقُولُ : قَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي ( نَوَادِرِهِ ) عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلَ مَا أَجَابَ بِهِ فِي ( كِتَابِ الرَّهْنِ ) وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ظَاهِرٌ : فَإِنَّ الْمَرْهُونَ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ كَالْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ ثُمَّ فِي الْبَيْعِ لَا فَرْقَ فِي حُكْمِ الْحَبْسِ بَيْنَ فَصْلِ الثَّمَنِ ، وَالْإِجْمَالِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَاتَيْنِ بِعَشَرَةٍ فَنَقَدَهُ عَشَرَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ ، وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ فَأَمَّا وَجْهُ الرِّوَايَةِ : فَالزِّيَادَاتُ تُفَرِّقُ الْقِيمَةَ بِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ فِي الرَّهْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ : لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كُلُّ نِصْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ لَا يَجُوزُ ، وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ نِصْفُهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَيْنِهِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ حَالِ الْإِجْمَالِ ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَفَرَّقُ فِي بَابِ الرَّهْنِ بِتَفَرُّقِ الثَّمَنِ ، فَكَذَلِكَ رَهْنُ كُلِّ شَاةٍ بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، فَهُنَاكَ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ لَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَبِلَ الْعَقْدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ ، كَمَا فِي حَالِ الْإِجْمَالِ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ ، وَالْهَلَاكُ قَبْلَ الْقَبْضِ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ فَبَعْدَ مَا نَقَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَدَّى إلَى تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ بِأَنْ يَهْلَكَ مَا بَقِيَ ، فَيُفْسَخَ الْبَيْعُ فِيهِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّ الْهَلَاكَ يَنْتَهِي حُكْمُ الرَّهْنِ بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ ، كَمَا أَنَّ بِالِافْتِكَاكِ يَنْتَهِي حُكْمُ الرَّهْنِ فَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِرْدَادِ الْبَعْضِ عِنْدَ قَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ لَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنْ يَهْلَكَ مَا بَقِيَ فَيَنْتَهِيَ حُكْمُ الرَّهْنِ مِنْهُ ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا فِي حَالِ الْإِجْمَالِ مَوْجُودٌ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، وَلَكِنْ فِي حَالِ الْإِجْمَالِ حِصَّةُ كُلِّ شَاةٍ مِنْ الدَّيْنِ غَيْرُ مَعْلُومٍ مُتَعَيَّنٍ ، فَأَمَّا عِنْدَ التَّفْصِيلِ فَمَا رَهَنَ بِهِ كُلَّ شَاةٍ مَعْلُومٌ بِالتَّسْمِيَةِ فَلِهَذَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُ الْبَعْضِ ، بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ بِهِ .
وَلَوْ رَهَنَهُ شَاتَيْنِ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا إحْدَاهُمَا بِعِشْرِينَ ، وَالْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ لِجَهَالَةِ مَا رَهَنَ بِهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَهَذِهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ، فَإِنَّ إحْدَاهُمَا لَوْ هَلَكَتْ ، وَثَمَنُهَا عِشْرُونَ فَالرَّاهِنُ يَقُولُ : هَذِهِ الَّتِي رَهَنْتُهَا بِعِشْرِينَ ، وَالْمُرْتَهِنُ يَقُولُ : بَلْ هَذِهِ بِعَشَرَةٍ فَإِنْ بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ جَائِزًا ; لِأَنَّ الرَّهْنَ مَعَ الدَّيْنِ يَتَحَاذَيَانِ مُحَاذَاةِ الْمَبِيعِ مَعَ الثَّمَنِ ، وَفِي الْبَيْعِ 111 إذَا عَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَازَ الْعَقْدُ ; لِانْعِدَامِ الْجَهَالَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ وَلَوْ ارْتَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ : نِصْفُهُ بِسِتِّمِائَةٍ ، وَنِصْفُهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، أَوْ كُلُّ نِصْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَجُزْ لِتَمَكُّنِ الشُّيُوعِ فِي الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ ، فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَصِيرُ مَحْبُوسًا بِمَا سُمِّيَ بِمُقَابَلَتِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعِ لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِحُكْمِ الرَّهْنِ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ رَهَنْتُكُمَا هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ خَمْسُمِائَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَهُ بِدَيْنِهِمَا مُجْمَلًا ، فَهُنَاكَ جَمِيعُ الرَّهْنِ يَصِيرُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ كُلِّ ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَكَذَلِكَ الْعَيْنُ ، وَعِنْدَ تَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الْحَبْسِ فِيمَا أَوْجَبَ لَهُ نِصْفًا ، وَهُوَ الْجُزْءُ الشَّائِعُ ، وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ فِي مُوجَبِ الرَّهْنِ ، كَالنَّفْسِ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ ثُمَّ قَدْ يَثْبُتُ قِصَاصٌ وَاحِدٌ لِرَجُلَيْنِ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَثْبُتَ نِصْفُ الْقِصَاصِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَبْسِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِشَخْصٍ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَبْسِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِشَخْصٍ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِجْمَالِ ، وَلَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ الْحَقُّ فِي النِّصْفِ عِنْدَ الْقَبْضِ .
وَيَقُولُ : قَدْ ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي ( نَوَادِرِهِ ) عَنْ مُحَمَّدٍ مِثْلَ مَا أَجَابَ بِهِ فِي ( كِتَابِ الرَّهْنِ ) وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَجْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ظَاهِرٌ : فَإِنَّ الْمَرْهُونَ مَحْبُوسٌ بِالدَّيْنِ كَالْمَبِيعِ بِالثَّمَنِ ثُمَّ فِي الْبَيْعِ لَا فَرْقَ فِي حُكْمِ الْحَبْسِ بَيْنَ فَصْلِ الثَّمَنِ ، وَالْإِجْمَالِ حَتَّى أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَاتَيْنِ بِعَشَرَةٍ فَنَقَدَهُ عَشَرَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ ، وَاحِدَةً مِنْهُمَا ، وَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ فَأَمَّا وَجْهُ الرِّوَايَةِ : فَالزِّيَادَاتُ تُفَرِّقُ الْقِيمَةَ بِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ فِي الرَّهْنِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ : لَوْ رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ كُلُّ نِصْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ لَا يَجُوزُ ، وَلَوْ رَهَنَ عَبْدًا مِنْ رَجُلَيْنِ نِصْفُهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَيْنِهِ لَا يَجُوزُ بِخِلَافِ حَالِ الْإِجْمَالِ ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الصَّفْقَةَ تَتَفَرَّقُ فِي بَابِ الرَّهْنِ بِتَفَرُّقِ الثَّمَنِ ، فَكَذَلِكَ رَهْنُ كُلِّ شَاةٍ بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ ، فَهُنَاكَ بِتَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ لَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ فَقَبِلَ الْعَقْدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ ، كَمَا فِي حَالِ الْإِجْمَالِ ، وَهَذَا ; لِأَنَّ الْبَيْعَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ ، وَالْهَلَاكُ قَبْلَ الْقَبْضِ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ فَبَعْدَ مَا نَقَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ قَبْضِ بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَدَّى إلَى تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ بِأَنْ يَهْلَكَ مَا بَقِيَ ، فَيُفْسَخَ الْبَيْعُ فِيهِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّ الْهَلَاكَ يَنْتَهِي حُكْمُ الرَّهْنِ بِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ ، كَمَا أَنَّ بِالِافْتِكَاكِ يَنْتَهِي حُكْمُ الرَّهْنِ فَلَوْ تَمَكَّنَ مِنْ اسْتِرْدَادِ الْبَعْضِ عِنْدَ قَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ لَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنْ يَهْلَكَ مَا بَقِيَ فَيَنْتَهِيَ حُكْمُ الرَّهْنِ مِنْهُ ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا فِي حَالِ الْإِجْمَالِ مَوْجُودٌ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، وَلَكِنْ فِي حَالِ الْإِجْمَالِ حِصَّةُ كُلِّ شَاةٍ مِنْ الدَّيْنِ غَيْرُ مَعْلُومٍ مُتَعَيَّنٍ ، فَأَمَّا عِنْدَ التَّفْصِيلِ فَمَا رَهَنَ بِهِ كُلَّ شَاةٍ مَعْلُومٌ بِالتَّسْمِيَةِ فَلِهَذَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُ الْبَعْضِ ، بِقَضَاءِ بَعْضِ الدَّيْنِ بِهِ .
وَلَوْ رَهَنَهُ شَاتَيْنِ بِثَلَاثِينَ دِرْهَمًا إحْدَاهُمَا بِعِشْرِينَ ، وَالْأُخْرَى بِعَشَرَةٍ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ لِجَهَالَةِ مَا رَهَنَ بِهِ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَهَذِهِ جَهَالَةٌ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ ، فَإِنَّ إحْدَاهُمَا لَوْ هَلَكَتْ ، وَثَمَنُهَا عِشْرُونَ فَالرَّاهِنُ يَقُولُ : هَذِهِ الَّتِي رَهَنْتُهَا بِعِشْرِينَ ، وَالْمُرْتَهِنُ يَقُولُ : بَلْ هَذِهِ بِعَشَرَةٍ فَإِنْ بَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ جَائِزًا ; لِأَنَّ الرَّهْنَ مَعَ الدَّيْنِ يَتَحَاذَيَانِ مُحَاذَاةِ الْمَبِيعِ مَعَ الثَّمَنِ ، وَفِي الْبَيْعِ 111 إذَا عَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَازَ الْعَقْدُ ; لِانْعِدَامِ الْجَهَالَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ فَكَذَلِكَ فِي الرَّهْنِ وَلَوْ ارْتَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ : نِصْفُهُ بِسِتِّمِائَةٍ ، وَنِصْفُهُ بِأَرْبَعِمِائَةٍ ، أَوْ كُلُّ نِصْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَجُزْ لِتَمَكُّنِ الشُّيُوعِ فِي الرَّهْنِ بِاعْتِبَارِ تَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ ، فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَصِيرُ مَحْبُوسًا بِمَا سُمِّيَ بِمُقَابَلَتِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجُزْءَ الشَّائِعِ لَا يَكُونُ مَحِلًّا لِحُكْمِ الرَّهْنِ ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ رَهَنْتُكُمَا هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ خَمْسُمِائَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا رَهَنَهُ بِدَيْنِهِمَا مُجْمَلًا ، فَهُنَاكَ جَمِيعُ الرَّهْنِ يَصِيرُ مَحْبُوسًا بِدَيْنِ كُلِّ ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَكَذَلِكَ الْعَيْنُ ، وَعِنْدَ تَفَرُّقِ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الْحَبْسِ فِيمَا أَوْجَبَ لَهُ نِصْفًا ، وَهُوَ الْجُزْءُ الشَّائِعُ ، وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤُ فِي مُوجَبِ الرَّهْنِ ، كَالنَّفْسِ فِي حُكْمِ الْقِصَاصِ ثُمَّ قَدْ يَثْبُتُ قِصَاصٌ وَاحِدٌ لِرَجُلَيْنِ فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَثْبُتَ نِصْفُ الْقِصَاصِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَبْسِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِشَخْصٍ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الِانْفِرَادِ ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْحَبْسِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ لِشَخْصٍ فِي عَيْنٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْإِجْمَالِ ، وَلَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ الْحَقُّ فِي النِّصْفِ عِنْدَ الْقَبْضِ .
فتح القدير
اقرأ →
135 كِتَابُ الرَّهْنِ الرَّهْنُ لُغَةً : حَبْسُ الشَّيْءِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ
وَفِي الشَّرِيعَةِ : جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ كَالدُّيُونِ
وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } وَبِمَا رُوِيَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ بِهِ دِرْعَهُ } وَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيُعْتَبَرُ 136 بِالْوَثِيقَةِ فِي طَرَفِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الْكَفَالَةُ
قَالَ ( الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ ) قَالُوا : الرُّكْنُ الْإِيجَابُ بِمُجَرَّدِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ
137 وَالْقَبْضُ شَرْطُ اللُّزُومِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَصَارَ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ
وَلَنَا مَا تَلَوْنَا ، وَالْمَصْدَرُ الْمَقْرُونُ بِحَرْفِ الْفَاءِ فِي مَحَلِّ الْجَزَاءِ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ ، 138 وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ لِمَا أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْضَائِهِ كَمَا 139 فِي الْوَصِيَّةِ وَذَلِكَ بِالْقَبْضِ ، ثُمَّ يَكْتَفِي فِيهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِحُكْمِ عَقْدٍ مَشْرُوعٍ فَأَشْبَهَ قَبْضَ الْمَبِيعِ
140 وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَنْقُولِ إلَّا بِالنَّقْلِ ; لِأَنَّهُ قَبْضٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ ; لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ بِمُوجِبٍ ابْتِدَاءً وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَفِي الشَّرِيعَةِ : جَعْلُ الشَّيْءِ مَحْبُوسًا بِحَقٍّ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الرَّهْنِ كَالدُّيُونِ
وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } وَبِمَا رُوِيَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ بِهِ دِرْعَهُ } وَقَدْ انْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ لِجَانِبِ الِاسْتِيفَاءِ فَيُعْتَبَرُ 136 بِالْوَثِيقَةِ فِي طَرَفِ الْوُجُوبِ وَهِيَ الْكَفَالَةُ
قَالَ ( الرَّهْنُ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَيَتِمُّ بِالْقَبْضِ ) قَالُوا : الرُّكْنُ الْإِيجَابُ بِمُجَرَّدِهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ فَيَتِمُّ بِالْمُتَبَرَّعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ
137 وَالْقَبْضُ شَرْطُ اللُّزُومِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
وَقَالَ مَالِكٌ : يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمَالِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَصَارَ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ فَأَشْبَهَ الْكَفَالَةَ
وَلَنَا مَا تَلَوْنَا ، وَالْمَصْدَرُ الْمَقْرُونُ بِحَرْفِ الْفَاءِ فِي مَحَلِّ الْجَزَاءِ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ ، 138 وَلِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ لِمَا أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يَسْتَوْجِبُ بِمُقَابَلَتِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا وَلِهَذَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْضَائِهِ كَمَا 139 فِي الْوَصِيَّةِ وَذَلِكَ بِالْقَبْضِ ، ثُمَّ يَكْتَفِي فِيهِ بِالتَّخْلِيَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ ; لِأَنَّهُ قَبْضٌ بِحُكْمِ عَقْدٍ مَشْرُوعٍ فَأَشْبَهَ قَبْضَ الْمَبِيعِ
140 وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الْمَنْقُولِ إلَّا بِالنَّقْلِ ; لِأَنَّهُ قَبْضٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ ابْتِدَاءً بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ ; لِأَنَّهُ نَاقِلٌ لِلضَّمَانِ مِنْ الْبَائِعِ إلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ بِمُوجِبٍ ابْتِدَاءً وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
كتاب الرهن
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
كتاب الرهن
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
319 كِتَابُ الرَّهْنِ
وَهُوَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِمَالٍ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ أَوْ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَا ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ، وَيَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ حَتَى يُكَفِّنَهُ ، وَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا مِنْ مَالِيَّتِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ حُكْمًا وَالْفَاضِلُ أَمَانَةٌ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ سَقَطَ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيِمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ ، فَإِنْ أَوْدَعَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ ضَمِنَهُ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ ، وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ وَأَجْرَةُ الرَّاعِي عَلَى الرَّاهِنِ وَمَاؤُهُ لَهُ وَيَصِيرُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَإِنْ بِقِيَ النَّمَاءُ وَهَلَكَ الْأَصْلُ افْتَكَّهُ بِحِصَّتِهِ ، يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفَكَاكِ وَقِيمَةِ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَصْلِ ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ ( ز ) وَلَا تَجُوزُ فِي الدَّيْنِ ( س ) وَلَا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِهِمَا ، وَأُجْرَةُ مَكَانِ الْحِفْظِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهُ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فَهَلَكَ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ هَلَكَ أَمَانَةً .
وَهُوَ عَقْدُ وَثِيقَةٍ بِمَالٍ مَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ ، وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ أَوْ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَا ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مَحُوزًا مُفْرَغًا مُتَمَيِّزًا ، فَإِذَا قَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ، وَيَهْلِكُ عَلَى مِلْكِ الرَّاهِنِ حَتَى يُكَفِّنَهُ ، وَيَصِيرُ الْمُرْتَهِنُ مُسْتَوْفِيًا مِنْ مَالِيَّتِهِ قَدْرَ دَيْنِهِ حُكْمًا وَالْفَاضِلُ أَمَانَةٌ ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ سَقَطَ مِنَ الدَّيْنِ بِقَدْرِهِ ، وَتُعْتَبَرُ الْقِيِمَةُ يَوْمَ الْقَبْضِ ، فَإِنْ أَوْدَعَهُ أَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ أَوْ إِجَارَةٍ أَوْ إِعَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ وَنَحْوِهِ ضَمِنَهُ بِجَمِيعِ قِيمَتِهِ ، وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ وَأَجْرَةُ الرَّاعِي عَلَى الرَّاهِنِ وَمَاؤُهُ لَهُ وَيَصِيرُ رَهْنًا مَعَ الْأَصْلِ ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ هَلَكَ يَهْلِكُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ، وَإِنْ بِقِيَ النَّمَاءُ وَهَلَكَ الْأَصْلُ افْتَكَّهُ بِحِصَّتِهِ ، يُقْسَمُ الدَّيْنُ عَلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ الْفَكَاكِ وَقِيمَةِ الْأَصْلِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَتَسْقُطُ حِصَّةُ الْأَصْلِ ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي الرَّهْنِ ( ز ) وَلَا تَجُوزُ فِي الدَّيْنِ ( س ) وَلَا يَصِيرُ الرَّهْنُ رَهْنًا بِهِمَا ، وَأُجْرَةُ مَكَانِ الْحِفْظِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْفَظَهُ بِنَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الرَّاهِنُ فَهَلَكَ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ هَلَكَ أَمَانَةً .
المالكية
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
اقرأ →
2 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ص ( بَابٌ ) ( بَابُ الرَّهْنِ ) الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ : مَعْنَاهُ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ . يُقَالُ مَاءٌ رَاهِنٌ أَيْ : رَاكِدٌ وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ : دَائِمَةٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } أَيْ : مَحْبُوسَةٌ بِمَا قَدَّمَتْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ } فَمَعْنَى مَرْهُونَةٌ : مَحْبُوسَةٌ فِي قَبْرِهَا وَالْمَعْنَى الثَّانِي لَازِمٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْحَبْسَ يَسْتَلْزِمُ الثُّبُوتَ بِالْمَكَانِ ، وَعَدَمَ مُفَارَقَتِهِ ، أَمَّا فِي الشَّرْعِ : فَهُوَ جَعْلُ عَيْنٍ لَهَا قِيمَةٌ مَالِيَّةٌ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَيْ مَا جَازَ بَيْعُهُ فَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ إلَّا مَا سَنَعْرِفُهُ وَأَمَّا دَلِيلُهُ فَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَلِمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ يُقَالُ لَهُ أَبُو الشَّحْمِ عَلَى ثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ لِأَهْلِهِ } .
ص ( بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ )
ش : أَيْ مَنْ يَحِقُّ لَهُ بَيْعُ الْعَيْنِ 3 وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ مَدِينًا فَإِنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ ، وَنَقَلَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ بَابِ التَّفْلِيسِ لَا بَعْضُهُ - وَرَهْنِهِ وَيَأْتِي أَيْضًا فِي كَلَامِ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فَتَأَمَّلْهُ ، وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا عَلَى أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْمَرْهُونِ مَا يَشْتَرِطُهُ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ الْغَرَرُ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ غَرَرًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا يُبَاعُ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ إذَا لَمْ يُقَارِنْ عُقْدَةَ الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَارَنَهَا فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ .
ص ( وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ )
ش : وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ لِلرَّهْنِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ أَمْ لَا ؟ وَقَوْلُهُ : وَثِيقَةٌ بِحَقِّ فَصْلٍ . خَرَجَ بِهِ مَا دُفِعَ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَثُّقِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالِانْتِفَاعِ كَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُعَارِ ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ مَا ، وَالْبَاءُ فِي بِحَقٍّ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهَذَا الْحَدُّ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إعْطَاءُ امْرِئٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الرَّهْنَ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ اسْمٌ وَالْإِعْطَاءُ مَصْدَرٌ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ ا هـ يَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرًا وَلَكِنَّ الْأَغْلَبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقُهُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مُعْطَى أَوْ مَا أَشْبَهَهُ . وَحَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ مَالٌ قَبَضَهُ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ قَالَ فَتَخْرُجُ الْوَدِيعَةُ وَالْمَصْنُوعُ فِي يَدِ صَانِعِهِ وَقَبْضُ الْمَجْنِيِّ عَبْدًا جَنَى عَلَيْهِ انْتَهَى .
وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ بِلَفْظِ مَالٍ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الرَّهْنَ كَمَا يُطْلَقُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا يُطْلَقُ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ كَمَا إذَا قَالُوا يَصِحُّ الرَّهْنُ أَوْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ أَوْ يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا أَوْ لَا يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا فَاسْتِعْمَالُ الرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ شَائِعٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ; فَلِذَلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ص ( كَوَلِيٍّ )
ش : أَبًا كَانَ أَوْ وَصِيًّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ الْيَتِيمِ رَهْنًا فِيمَا يَبْتَاعُ لَهُ مِنْ كِسْوَةٍ أَوْ طَعَامٍ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ عُرُوضَ الْيَتِيمِ بِمَا أَسْلَفَهُ رَهْنًا . ا هـ ثُمَّ قَالَ : وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مِنْ مَتَاعِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْوَلَدُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ مَالِ وَلَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ .
ص ( وَمُكَاتَبٍ )
ش : قَيَّدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِمَا إذَا أَصَابَ وَجْهَ الرَّهْنِ وَنَقَلَهُ فِي الْكَبِيرِ ص ( وَآبِقٍ )
ش : قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَرَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ : يَجُوزُ رَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ ، وَقَوْلُهُ : إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ فَلَسِهِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّ رَهْنَ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضَا قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا وَإِنَّمَا الْقَبْضُ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاخْتِصَاصِ ا هـ . وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الصَّقَلِّيِّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ كَذَلِكَ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَيْنِ وَمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ وَالْمَعْرُوفُ لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا تُرْهَنُ الْأَجِنَّةُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا يُرْتَهَنُ الْعَبْدُ الْآبِقُ وَالْبَعِيرُ الشَّارِدُ وَيَصِحُّ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ ا هـ . وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْجَنِينِ .
ص ( بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ )
ش : أَيْ مَنْ يَحِقُّ لَهُ بَيْعُ الْعَيْنِ 3 وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرِيضُ إذَا كَانَ مَدِينًا فَإِنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا يَجُوزُ رَهْنُهُ ، وَنَقَلَهُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالرَّجْرَاجِيِّ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي أَوَّلِ بَابِ التَّفْلِيسِ لَا بَعْضُهُ - وَرَهْنِهِ وَيَأْتِي أَيْضًا فِي كَلَامِ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فَتَأَمَّلْهُ ، وَنَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَا يُبَاعُ أَوْ غَرَرًا عَلَى أَنَّهُ يَشْتَرِطُ فِي الْمَرْهُونِ مَا يَشْتَرِطُهُ فِي الشَّيْءِ الْمَبِيعِ إلَّا أَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِيهِ الْغَرَرُ فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ غَرَرًا مَعْطُوفٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ مَا يُبَاعُ وَنَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ رَهْنُ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ إذَا لَمْ يُقَارِنْ عُقْدَةَ الْبَيْعِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ قَارَنَهَا فَفِيهِ خِلَافٌ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ .
ص ( وَلَوْ اشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ )
ش : وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ لِلرَّهْنِ حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ أَمْ لَا ؟ وَقَوْلُهُ : وَثِيقَةٌ بِحَقِّ فَصْلٍ . خَرَجَ بِهِ مَا دُفِعَ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَثُّقِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالِانْتِفَاعِ كَالْمُسْتَأْجَرِ وَالْمُعَارِ ، وَهُوَ حَالٌ مِنْ مَا ، وَالْبَاءُ فِي بِحَقٍّ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهَذَا الْحَدُّ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ إعْطَاءُ امْرِئٍ وَثِيقَةً بِحَقٍّ وَاعْتَرَضَهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الرَّهْنَ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ اسْمٌ وَالْإِعْطَاءُ مَصْدَرٌ وَهُمَا مُتَبَايِنَانِ ا هـ يَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرًا وَلَكِنَّ الْأَغْلَبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقُهُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مُعْطَى أَوْ مَا أَشْبَهَهُ . وَحَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ مَالٌ قَبَضَهُ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ قَالَ فَتَخْرُجُ الْوَدِيعَةُ وَالْمَصْنُوعُ فِي يَدِ صَانِعِهِ وَقَبْضُ الْمَجْنِيِّ عَبْدًا جَنَى عَلَيْهِ انْتَهَى .
وَنَقَلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ بِلَفْظِ مَالٍ قُبِضَ تَوَثُّقًا بِهِ فِي دَيْنٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الرَّهْنَ كَمَا يُطْلَقُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا يُطْلَقُ عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ كَمَا إذَا قَالُوا يَصِحُّ الرَّهْنُ أَوْ يَبْطُلُ الرَّهْنُ أَوْ يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا أَوْ لَا يَصِحُّ رَهْنُ كَذَا فَاسْتِعْمَالُ الرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ شَائِعٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ; فَلِذَلِكَ عَرَّفَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْمَعْنَى فَتَأَمَّلْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
ص ( كَوَلِيٍّ )
ش : أَبًا كَانَ أَوْ وَصِيًّا قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَرْهَنَ مَالَ الْيَتِيمِ رَهْنًا فِيمَا يَبْتَاعُ لَهُ مِنْ كِسْوَةٍ أَوْ طَعَامٍ وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ عُرُوضَ الْيَتِيمِ بِمَا أَسْلَفَهُ رَهْنًا . ا هـ ثُمَّ قَالَ : وَإِذَا رَهَنَ الْأَبُ مِنْ مَتَاعِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ الْوَلَدُ لَمْ يَجُزْ الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ مَالِ وَلَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ .
ص ( وَمُكَاتَبٍ )
ش : قَيَّدَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِمَا إذَا أَصَابَ وَجْهَ الرَّهْنِ وَنَقَلَهُ فِي الْكَبِيرِ ص ( وَآبِقٍ )
ش : قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَرَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ فَلَسِهِ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ أَيْ : يَجُوزُ رَهْنُ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ ، وَقَوْلُهُ : إنْ قُبِضَ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِ أَوْ فَلَسِهِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ ; لِأَنَّ رَهْنَ الْآبِقِ وَالشَّارِدِ صَحِيحٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضَا قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا وَإِنَّمَا الْقَبْضُ قَبْلَ مَوْتِ صَاحِبِهِمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاخْتِصَاصِ ا هـ . وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ; لِأَنَّ الرَّهْنَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الصَّقَلِّيِّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ كَذَلِكَ وَقَالَ فِي النَّوَادِرِ فِي كِتَابِ الرُّهُونِ فِي تَرْجَمَةِ الْعَيْنِ وَمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ وَالْمَعْرُوفُ لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا تُرْهَنُ الْأَجِنَّةُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ ذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا يُرْتَهَنُ الْعَبْدُ الْآبِقُ وَالْبَعِيرُ الشَّارِدُ وَيَصِحُّ ذَلِكَ بِالْقَبْضِ ا هـ . وَسَيَأْتِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الْجَنِينِ .
المدونة
اقرأ →
131 كِتَابُ الرَّهْنِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ قَالَ سَحْنُونٌ : قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ : مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّهْنِ ، أَيَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ أَمْ لَا يَجُوزُ إلَّا مَقْسُومًا مَقْبُوضًا ؟
قَالَ : نَعَمْ ، يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ إذَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ وَحَازَهُ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ ، وَكَانَ يُكْرِيهِ وَيَلِيهِ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْسُومٍ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .
قَالَ : نَعَمْ ، يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ إذَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ وَحَازَهُ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ ، وَكَانَ يُكْرِيهِ وَيَلِيهِ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْسُومٍ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ .
الشافعية
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
حاشية الشرواني
( قَوْلُهُ الْمُطْلَقِ ) إلَى قَوْلِهِ وَسَيُعْلَمُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي ( قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ ) أَيْ التَّبَرُّعُ الْمُطْلَقُ ( حَيْثُ أَطُلِقَ ) أَيْ التَّبَرُّعُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْ كَوْنُ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ التَّبَرُّعَ الْمُطْلَقَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ أَيْ فِي التَّبَرُّعِ أَفَادَتْ الْعُمُومَ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
( قَوْلُهُ وَاخْتِيَارَهُ ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَاضُ مَكْرُوهٍ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ لِنَحْوِ اضْطِرَارٍ صَحَّ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ فِيمَا يُقْرِضُهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِأَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ( قَوْلُهُ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ ) تَفْرِيعٌ عَلَى إرَادَةِ الْمُطْلَقِ فِيمَا يُقْرِضُهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تَقْدِيرَ فِيمَا يُقْرِضُهُ يَدْفَعُ وُرُودَ مَا ذُكِرَ أَيْضًا .
( قَوْلُهُ صِحَّةُ وَصِيَّتِهِ إلَخْ ) فَاعِلُ فَلَا يَرِدُ ( قَوْلُهُ الْخَفِيفَةِ ) أَيْ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ كَأَنْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا يَأْتِي لَهُ ا هـ م ر ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ وَذَلِكَ ) أَيْ اشْتِرَاطُ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ( قَوْلُهُ تَأْجِيلُهُ ) أَيْ الْقَرْضِ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ وَلَمْ يَجِبْ إلَخْ ) عَطْفٌ عَلَى امْتَنَعَ ( قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا ) أَيْ فَيَجُوزُ عَدَمُ إقْبَاضِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ) وَلَا مِنْ مُكَاتَبٍ ا هـ كُرْدِيٌّ ( قَوْلُهُ إذْ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا ) أَيْ لِلْقَاضِي قَرْضُ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ا هـ نِهَايَةٌ .
( قَوْلُهُ نَعَمْ لَا بُدَّ إلَخْ ) صَنِيعُهُ يُفْهِمُ أَنَّ هَذَا فِي الْقَاضِي لَكِنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَوْلِيَاءِ كَذَلِكَ ا هـ سم وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْبَقِيَّةِ الْإِقْرَاضُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُطْلَقًا ( قَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ يَسَارِ الْمُقْتَرَضِ مِنْهُ إلَخْ ) أَيْ مِنْ الْقَاضِي قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي إقْرَاضِ الْوَلِيِّ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ عَلَى حَجّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إقْرَاضُ الْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ مَعَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَمِنْ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ أَشْرَفَ مَالُ الْمُولَى عَلَيْهِ عَلَى الْهَلَاكِ بِنَحْوِ مَرَضٍ وَتَعَيَّنَ إخْلَاصُهُ فِي إقْرَاضِهِ وَيَبْعُدُ اشْتِرَاطُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى إهْلَاكِ الْمَالِ وَالْمَالِكُ لَا يُرِيدُ إتْلَافَهُ انْتَهَى .
فَلَعَلَّ مَحَلَّ الِاشْتِرَاطِ إذَا دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى إقْرَاضِ مَالِهِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالضَّرُورَةِ عَنْهَا مَجَازًا ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ إنْ سَلَّمَ مِنْهَا مَالَ الْمَوْلَى ) أَيْ أَوْ كَانَ أَقَلَّ شُبْهَةً ع ش وَسَيِّدُ عُمَرَ ( قَوْلُهُ إنْ رَأَى الْقَاضِي إلَخْ ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي إنْ رَأَى ذَلِكَ ا هـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ الْآتِي تَرْجِيحُ وُجُوبِ الِارْتِهَانِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَتَأْوِيلُ مَا هُنَا ا هـ وَقَالَ ع ش عِبَارَتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرَّهْنِ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا وَالتَّعْبِيرُ بِالْجَوَازِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ وَقَوْلُهُمَا إنْ رَأَى ذَلِكَ أَيْ إنْ اقْتَضَى نَظَرُهُ أَصْلَ الْفِعْلِ لَا إنْ رَأَى الْأَخْذَ ا هـ وَمَا هُنَا لَا يُنَافِيهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ قَوْلِهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْقَرْضِ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الرَّهْنِ وَالْإِشْهَادِ وَاجِبَيْنِ حَيْثُ رَأَى الْقَرْضَ مَصْلَحَةً لَكِنْ عِبَارَةُ حَجّ إنْ رَأَى الْقَاضِي أَخْذَهُ ا هـ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَقَوْلُهُ الْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا أَيْ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ ا هـ .
( قَوْلُهُ إذَا رَضِيَ الْغُرَمَاءُ ) أَيْ الْكَامِلُونَ فَلَا عِبْرَةَ بِرِضَا أَوْلِيَائِهِمْ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ بِتَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ ) إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ الْمَالُ كُلُّهُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي ( قَوْلُهُ الرُّشْدُ وَالِاخْتِيَارُ ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ فَقَطْ ا هـ قَالَ ع ش أَيْ دُونَ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ا هـ .
( قَوْلُهُ وَكَذَا السَّكْرَانُ ) أَيْ الْمُتَعَدِّي .
( قَوْلُهُ الْمُطْلَقِ ) إلَى قَوْلِهِ وَسَيُعْلَمُ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي ( قَوْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ ) أَيْ التَّبَرُّعُ الْمُطْلَقُ ( حَيْثُ أَطُلِقَ ) أَيْ التَّبَرُّعُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْ كَوْنُ مُرَادِ الْمُصَنِّفِ التَّبَرُّعَ الْمُطْلَقَ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ أَيْ فِي التَّبَرُّعِ أَفَادَتْ الْعُمُومَ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
( قَوْلُهُ وَاخْتِيَارَهُ ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَاضُ مَكْرُوهٍ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ لِنَحْوِ اضْطِرَارٍ صَحَّ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ فِيمَا يُقْرِضُهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِأَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ( قَوْلُهُ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ ) تَفْرِيعٌ عَلَى إرَادَةِ الْمُطْلَقِ فِيمَا يُقْرِضُهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تَقْدِيرَ فِيمَا يُقْرِضُهُ يَدْفَعُ وُرُودَ مَا ذُكِرَ أَيْضًا .
( قَوْلُهُ صِحَّةُ وَصِيَّتِهِ إلَخْ ) فَاعِلُ فَلَا يَرِدُ ( قَوْلُهُ الْخَفِيفَةِ ) أَيْ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ كَأَنْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا يَأْتِي لَهُ ا هـ م ر ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ وَذَلِكَ ) أَيْ اشْتِرَاطُ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ( قَوْلُهُ تَأْجِيلُهُ ) أَيْ الْقَرْضِ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ وَلَمْ يَجِبْ إلَخْ ) عَطْفٌ عَلَى امْتَنَعَ ( قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا ) أَيْ فَيَجُوزُ عَدَمُ إقْبَاضِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ مِنْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ ) وَلَا مِنْ مُكَاتَبٍ ا هـ كُرْدِيٌّ ( قَوْلُهُ إذْ لَهُ ذَلِكَ مُطْلَقًا ) أَيْ لِلْقَاضِي قَرْضُ مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ ا هـ نِهَايَةٌ .
( قَوْلُهُ نَعَمْ لَا بُدَّ إلَخْ ) صَنِيعُهُ يُفْهِمُ أَنَّ هَذَا فِي الْقَاضِي لَكِنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّ بَقِيَّةَ الْأَوْلِيَاءِ كَذَلِكَ ا هـ سم وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْبَقِيَّةِ الْإِقْرَاضُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُطْلَقًا ( قَوْلُهُ لَا بُدَّ مِنْ يَسَارِ الْمُقْتَرَضِ مِنْهُ إلَخْ ) أَيْ مِنْ الْقَاضِي قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي إقْرَاضِ الْوَلِيِّ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ عَلَى حَجّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إقْرَاضُ الْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ مَعَ انْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَمِنْ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ أَشْرَفَ مَالُ الْمُولَى عَلَيْهِ عَلَى الْهَلَاكِ بِنَحْوِ مَرَضٍ وَتَعَيَّنَ إخْلَاصُهُ فِي إقْرَاضِهِ وَيَبْعُدُ اشْتِرَاطُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى إهْلَاكِ الْمَالِ وَالْمَالِكُ لَا يُرِيدُ إتْلَافَهُ انْتَهَى .
فَلَعَلَّ مَحَلَّ الِاشْتِرَاطِ إذَا دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى إقْرَاضِ مَالِهِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالضَّرُورَةِ عَنْهَا مَجَازًا ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ إنْ سَلَّمَ مِنْهَا مَالَ الْمَوْلَى ) أَيْ أَوْ كَانَ أَقَلَّ شُبْهَةً ع ش وَسَيِّدُ عُمَرَ ( قَوْلُهُ إنْ رَأَى الْقَاضِي إلَخْ ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي إنْ رَأَى ذَلِكَ ا هـ قَالَ الرَّشِيدِيُّ سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ الْآتِي تَرْجِيحُ وُجُوبِ الِارْتِهَانِ عَلَيْهِ مُطْلَقًا وَتَأْوِيلُ مَا هُنَا ا هـ وَقَالَ ع ش عِبَارَتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرَّهْنِ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا وَالتَّعْبِيرُ بِالْجَوَازِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ وَقَوْلُهُمَا إنْ رَأَى ذَلِكَ أَيْ إنْ اقْتَضَى نَظَرُهُ أَصْلَ الْفِعْلِ لَا إنْ رَأَى الْأَخْذَ ا هـ وَمَا هُنَا لَا يُنَافِيهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ قَوْلِهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْقَرْضِ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الرَّهْنِ وَالْإِشْهَادِ وَاجِبَيْنِ حَيْثُ رَأَى الْقَرْضَ مَصْلَحَةً لَكِنْ عِبَارَةُ حَجّ إنْ رَأَى الْقَاضِي أَخْذَهُ ا هـ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَقَوْلُهُ الْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا أَيْ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ ا هـ .
( قَوْلُهُ إذَا رَضِيَ الْغُرَمَاءُ ) أَيْ الْكَامِلُونَ فَلَا عِبْرَةَ بِرِضَا أَوْلِيَائِهِمْ ا هـ ع ش ( قَوْلُهُ بِتَأْخِيرِ الْقِسْمَةِ ) إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ الْمَالُ كُلُّهُ كَمَا نَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي ( قَوْلُهُ الرُّشْدُ وَالِاخْتِيَارُ ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَالْمُغْنِي أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ فَقَطْ ا هـ قَالَ ع ش أَيْ دُونَ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ا هـ .
( قَوْلُهُ وَكَذَا السَّكْرَانُ ) أَيْ الْمُتَعَدِّي .
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
حاشية الشبراملسي
( قَوْلُهُ : مُخْتَارًا ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَاضُ مُكْرَهٍ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ لِنَحْوِ اضْطِرَارٍ صَحَّ ( قَوْلُهُ : وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ تَأْجِيلُهُ ) أَيْ الْقَرْضُ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا ) أَيْ فَيَحْرُمُ عَدَمُ إقْبَاضِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ ( قَوْلُهُ : وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ) هُوَ قَوْلُهُ لَجَازَ لِلْوَلِيِّ إلَخْ ( قَوْلُهُ : أَمَّا الْحَاكِمُ ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ لَجَازَ لِلْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ إلَخْ ( قَوْلُهُ : بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُقْتَرِضِ ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ : وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي إقْرَاضِ الْوَلِيِّ ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الضَّرُورَةَ مَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ عَلَى حَجّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إقْرَاضُ الْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مِنْ انْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، وَمِنْ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ أَشْرَفَ مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَلَى الْهَلَاكِ بِنَحْوِ غَرَقٍ وَتَعَيَّنَ خَلَاصُهُ فِي إقْرَاضِهِ ، وَيَبْعُدُ اشْتِرَاطُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى إهْلَاكِ الْمَالِ وَالْمَالِكُ لَا يُرِيدُ إتْلَافَهُ ا هـ . فَلَعَلَّ مَحَلَّ الِاشْتِرَاطِ إذَا دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى إقْرَاضِ مَالِهِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالضَّرُورَةِ عَنْهَا مَجَازًا ( قَوْلُهُ : إنْ سَلِمَ مِنْهَا مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ) أَيْ أَوْ كَانَ أَقَلَّ شُبْهَةً ( قَوْلُهُ : إنْ رَأَى ذَلِكَ ) عِبَارَتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرَّهْنِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ مَا نَصُّهُ : وَارْتِهَانُ الْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ جَائِزٌ إنْ كَانَ قَاضِيًا وَإِلَّا فَوَاجِبٌ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْحَجْرِ وَيَأْخُذُ رَهْنًا إنْ رَآهُ ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ قَوْلُهُمَا هُنَا وَمُرْتَهِنٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْجَوَازِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ ، وَقَوْلُهُمَا 225 إنْ رَأَى إنْ اقْتَضَى نَظَرُهُ أَصْلَ الْفِعْلِ لَا إنْ رَأَى الْأَخْذَ فَقَطْ ا هـ . وَمَا هُنَا لَا يُنَافِيهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ قَوْلِهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْقَرْضِ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الرَّهْنِ وَالْإِشْهَادِ وَاجِبَيْنِ حَيْثُ رَأَى الْقَرْضَ مَصْلَحَةً ، لَكِنْ عِبَارَةُ حَجّ إنْ رَأَى الْقَاضِي أَخْذَهُ ا هـ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَقَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا : أَيْ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ ( قَوْلُهُ : إذَا رَضِيَ الْغُرَمَاءُ ) أَيْ الْكَامِلُونَ فَلَا عِبْرَةَ بِرِضَا أَوْلِيَائِهِمْ ( قَوْلُهُ : أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ فَقَطْ ) أَيْ دُونَ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ( قَوْلُهُ : بِمَنْفَعَةِ بَدَنِهِ الْخَفِيفَةِ ) أَيْ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ كَأَنْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا يَأْتِي لَهُ ( قَوْلُهُ : وَيَدُلُّ لِذَلِكَ ) أَيْ لِقَوْلِهِ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ ( قَوْلُهُ : أَنَّ الْأَلْفَ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ التَّبَرُّعُ .
( قَوْلُهُ : مُخْتَارًا ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَاضُ مُكْرَهٍ وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَلَوْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ لِنَحْوِ اضْطِرَارٍ صَحَّ ( قَوْلُهُ : وَمِنْ ثَمَّ امْتَنَعَ تَأْجِيلُهُ ) أَيْ الْقَرْضُ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ رِبَوِيًّا ) أَيْ فَيَحْرُمُ عَدَمُ إقْبَاضِهِ فِي الْمَجْلِسِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ قَبْضُ بَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ ( قَوْلُهُ : وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ ) هُوَ قَوْلُهُ لَجَازَ لِلْوَلِيِّ إلَخْ ( قَوْلُهُ : أَمَّا الْحَاكِمُ ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ لَجَازَ لِلْوَلِيِّ غَيْرِ الْحَاكِمِ إلَخْ ( قَوْلُهُ : بِشَرْطِ يَسَارِ الْمُقْتَرِضِ ) قَالَ سم عَلَى مَنْهَجٍ : وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مُعْتَبَرَةٌ فِي إقْرَاضِ الْوَلِيِّ ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الضَّرُورَةَ مَا لَوْ كَانَ الْمُقْتَرِضُ مُضْطَرًّا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْهُ عَلَى حَجّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إقْرَاضُ الْمُضْطَرِّ مِنْ مَالِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مِنْ انْتِفَاءِ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، وَمِنْ الضَّرُورَةِ مَا لَوْ أَشْرَفَ مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَلَى الْهَلَاكِ بِنَحْوِ غَرَقٍ وَتَعَيَّنَ خَلَاصُهُ فِي إقْرَاضِهِ ، وَيَبْعُدُ اشْتِرَاطُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَإِنَّ اشْتِرَاطَهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى إهْلَاكِ الْمَالِ وَالْمَالِكُ لَا يُرِيدُ إتْلَافَهُ ا هـ . فَلَعَلَّ مَحَلَّ الِاشْتِرَاطِ إذَا دَعَتْ حَاجَةٌ إلَى إقْرَاضِ مَالِهِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالضَّرُورَةِ عَنْهَا مَجَازًا ( قَوْلُهُ : إنْ سَلِمَ مِنْهَا مَالُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ ) أَيْ أَوْ كَانَ أَقَلَّ شُبْهَةً ( قَوْلُهُ : إنْ رَأَى ذَلِكَ ) عِبَارَتُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الرَّهْنِ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ مَا نَصُّهُ : وَارْتِهَانُ الْوَلِيِّ فِيمَا ذُكِرَ جَائِزٌ إنْ كَانَ قَاضِيًا وَإِلَّا فَوَاجِبٌ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْمَلُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ فِي الْحَجْرِ وَيَأْخُذُ رَهْنًا إنْ رَآهُ ، وَعَلَى الثَّانِي يُحْمَلُ قَوْلُهُمَا هُنَا وَمُرْتَهِنٌ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا ، وَالتَّعْبِيرُ بِالْجَوَازِ لَا يُنَافِي الْوُجُوبَ ، وَقَوْلُهُمَا 225 إنْ رَأَى إنْ اقْتَضَى نَظَرُهُ أَصْلَ الْفِعْلِ لَا إنْ رَأَى الْأَخْذَ فَقَطْ ا هـ . وَمَا هُنَا لَا يُنَافِيهِ لِإِمْكَانِ حَمْلِ قَوْلِهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلِ الْقَرْضِ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَ الرَّهْنِ وَالْإِشْهَادِ وَاجِبَيْنِ حَيْثُ رَأَى الْقَرْضَ مَصْلَحَةً ، لَكِنْ عِبَارَةُ حَجّ إنْ رَأَى الْقَاضِي أَخْذَهُ ا هـ وَهِيَ لَا تَقْبَلُ هَذَا التَّأْوِيلَ ، وَقَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ الْوُجُوبُ مُطْلَقًا : أَيْ قَاضِيًا أَوْ غَيْرَهُ ( قَوْلُهُ : إذَا رَضِيَ الْغُرَمَاءُ ) أَيْ الْكَامِلُونَ فَلَا عِبْرَةَ بِرِضَا أَوْلِيَائِهِمْ ( قَوْلُهُ : أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ فَقَطْ ) أَيْ دُونَ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ ( قَوْلُهُ : بِمَنْفَعَةِ بَدَنِهِ الْخَفِيفَةِ ) أَيْ الَّتِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ كَأَنْ كَانَ غَنِيًّا كَمَا يَأْتِي لَهُ ( قَوْلُهُ : وَيَدُلُّ لِذَلِكَ ) أَيْ لِقَوْلِهِ وَمُرَادُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ ( قَوْلُهُ : أَنَّ الْأَلْفَ ) أَيْ فِي قَوْلِهِ التَّبَرُّعُ .
الأم
اقرأ →
باب الرهن
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
3 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الرَّهْنِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَذِنَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالرَّهْنِ فِي الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ حَقٌّ فَكَذَلِكَ كُلُّ حَقٍّ لَزِمَ فِي حِينِ الرَّهْنِ وَمَا تَقَدَّمَ الرَّهْنَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ الرَّهْنُ أَحَدُ الْوَثَائِقِ فِي الْحُقُوقِ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] وَقُرِئَ " فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ " وَفِي اخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُمْ : فَرِهَانٌ جَمْعٌ ، وَرُهُنٌ جَمْعُ الْجَمْعِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : فَرِهَانٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي السَّبْقِ وَالنِّضَالِ ، وَقَوْلُهُ : فَرُهُنٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَأَمَّا الرَّهِينَةُ ، فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَيْنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي ارْتِهَانِ النُّفُوسِ . قَالَ الْفَرَزْدَقُ :
﴿﴾ وَمِنَّا الَذِي أَعْطَى يَدَيْهِ رَهِينَةً ﴿﴾ ﴿﴾ لِغَارَيْ مَعَدٍّ يَوْمَ ضَرْبِ الْجَمَاجِمِ ﴿﴾ ثُمَّ مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ ، الَذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ غَيْرُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ .
وَفِي قَوْلِهِ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الدَّيْنُ بِتَلَفِهِ .
وَالثَّانِي : وَهُوَ أَشْبَهُ : أَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ مَحَلِّهِ .
قَالَ زُهَيْرٌ :
4 ﴿﴾ وَفَارَقَتْكَ بِدَيْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الدَّيْنُ قَدْ غَلِقَا ﴿﴾ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَقْرَبُ النَّفَقَةُ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ فَكَاكِهِ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى وَهَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ : أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ فَكَاكِهِ لِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تُوُفَّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ : نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى مَحْمُولًا عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً .
فَصْلٌ : وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الرَّهْنِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ إِذَا تَمَّ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَيَكُونُ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ رَامَ الرَّاهِنُ فَسْخَهُ قَبْلَ فَكَاكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَأَصْلُ الرَّهْنِ فِي اللُّغَةِ : هُوَ الِاحْتِبَاسُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ الْمُدَّثِّرِ : 38 ] أَيْ مُحْتَبَسَةٌ .
وَقَالَ الْأَعْشَى :
﴿﴾ فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيَادِي الْبِلَا ﴿﴾ ﴿﴾ دَ مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ أَنْ يَأْتِيَنْ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حَافِظٌ ﴿﴾ ﴿﴾ فَقُلْ فِي امْرِئٍ غَلِقٍ مُرْتَهِنْ ﴿﴾ فَإِذَا تَمَهَّدَ مَا ذَكَرْنَا فَالرَّهْنُ عِنْدَنَا يَجُوزُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْكَاتِبِ وَعَدَمِهِ ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَدَاوُدُ : لَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ وَلَا مَعَ وُجُودِ 5 الْكَاتِبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] فَأَبَاحَهُ بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ : السَّفَرِ وَعَدَمِ الْكَاتِبِ .
وَدَلِيلُنَا : رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفٌ فَقَالَ لِي : يَا أَبَا رَافِعٍ اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَقُلْ لَهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بِعْنِي إِلَى رَجَبٍ فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَبِيعُهُ إِلَا بِرَهْنٍ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : اذْهَبْ بِدِرْعِي الْجَدِيدِ إِلَيْهِ فَرَهَنَهُ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ ، لِأَنَّ هَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ تَجُوزُ سَفَرًا فَجَازَتْ حَضَرًا كَالضَّمِينِ : وَلِأَنَّ كُلَّ حَالٍ جَازَ فِيهَا الضَّمِينُ جَازَ فِيهَا الرَّهْنُ كَالسَّفَرِ فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهَا السَّفَرُ لِتَعَذُّرِ الشَّهَادَةِ فِيهِ غَالِبًا لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ .
فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الرَّهْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَالْحُقُوقُ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ يَجِبُ فِي مَالٍ ، وَضَرْبٌ يَجِبُ فِي غَيْرِ مَالٍ .
فَأَمَّا الْحُقُوقُ الَّتِي لَا تَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ : فَكَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ ، فَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ وَإِنْ جَازَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ : لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ فِي مَالٍ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ ، وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ قَدْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ .
وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ فِي الْأَمْوَالِ فَضَرْبَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ أَعْيَانًا قَائِمَةً .
وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ .
فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْقَائِمَةُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَضْمُونَةً كَالْمَغْصُوبِ أَوْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ كَالْوَدَائِعِ وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ بِالتَّلَفِ يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّلَفِ قَالَ : لِأَنَّهُ مَالٌ مَضْمُونٌ فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي الذِّمَمِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ وَثِيقَةً لِمَا فِي الذِّمَّةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَثِيقَةً لِلْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ كَالشَّهَادَةِ .
وَدَلِيلُنَا هُوَ : أَنَّهَا عَيْنٌ بَاقِيَةٌ فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا كَالْعَيْنِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً .
وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهَا إِذَا كَانَتْ أَمَانَةً لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهَا إِذَا كَانَتْ مَضْمُونَةً .
أَصْلُهُ : مَا فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنَ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ .
وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْهُ ، وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ مَعَ بَقَائِهَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ بَدَلِهَا ، 6 وَلَا الْعُدُولُ إِلَى قِيمَتِهَا دُونَ أَنْ تُرَدَّ الْعَيْنُ ، وَالْعَيْنُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنَ الرَّهْنِ ، وَكُلُّ رَهْنٍ لَمْ يُمْلَكِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ كَانَ رَهْنًا بَاطِلًا كَالْوَقْفِ .
فَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الرَّهْنِ ، فَجَازَ فِيهِ الرَّهْنُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَيْنُ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَالْمَعْنَى فِي الشَّهَادَةِ أَنَّهَا لَمَّا جَازَتْ عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ جَازَتْ عَلَى عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ وَلَمَّا لَمْ يَجُزِ الرَّهْنُ فِي عَيْنٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ لَمْ يَجُزْ فِي عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ فِي كَفَالَاتِ النُّفُوسِ لَا يَجُوزُ .
فَصْلٌ : [ أَقْسَامُ الْأَمْوَالِ بِاعْتِبَارِ مَا لَزِمَ لِلذِّمَّةِ وَمَا لَا يَلْزَمُ وَمَا يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ ] .
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَعَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ :
أَحَدُهَا : مَا كَانَ لَازِمًا لِلذِّمَّةِ ثَابِتًا فِيهَا كَالْأَثْمَانِ وَالدُّيُونِ وَالْمُهُورِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَالسَّلَمِ فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا شَاكَلَهُ ، يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ حَالًا أَوْ مُؤَجَّلًا .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا مِنَ الذِّمَّةِ فِي الْحَالِ وَلَا تُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ مِثْلُ مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ الرَّهْنُ بِحَالٍ : لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الذِّمَّةِ ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الذِّمَّةِ .
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لِلذِّمَّةِ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ كَمَالِ الْجَعَالَةِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ لُزُومِهِ بِحُصُولِ الْعَمَلِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ كَالدُّيُونِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ لُزُومِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْعَمَلِ فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الرَّهْنِ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا فِي الْحَالِ ، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَأَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ أَخْذَ الرَّهْنِ فِيهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ بِحُصُولِ الْعَمَلِ فَمَا فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْجُعْلِ مِنَ الْعَمَلِ لَا يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ ، لِأَنَّ الْمَبْذُولَ لَهُ الْجُعْلُ بِالْخِيَارِ أَبَدًا إِنْ شَاءَ عَمِلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَعْمَلْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَنُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، لِأَنَّ الْعِوَضَ وَالْمُعَوَّضَ قَدْ يُفْضِيَانِ إِلَى اللُّزُومِ بِمَا افْتَرَقَا .
فَصْلٌ : وَأَمَّا أَخْذُ الرَّهْنِ فِي عِوَضِ السَّبْقِ وَالنِّضَالِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ لُزُومِهِ بِوُجُودِ السَّبْقِ ، وَحُصُولِ النِّضَالِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ كَالدَّيْنِ .
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ وُجُودِ السَّبْقِ وَالنِّضَالِ ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ 7 عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي عَقْدِ السَّبْقِ وَالنِّضَالِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْإِجَارَةِ ، أَوْ مَجْرَى الْجَعَالَةِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْإِجَارَةِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ .
وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْجَعَالَةِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عِنْدَنَا عَقْدُ الرَّهْنِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : الرَّهْنُ يَتِمُّ بِالْعَقْدِ وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ الْمَائِدَةِ : 1 ] وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَالضَّمَانِ .
وَلِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ إِذَا شُرِطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ بِنَفْسِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ كَالْأَجَلِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ بَعْدَ الْقَبْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ لَازِمًا كَالْإِجَارَةِ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] وَالدَّلَالَةُ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ وَصَفَ الرَّهْنَ بِالْقَبْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ كَوَصْفِ الرَّقَبَةِ بِالْإِيمَانِ وَالِاعْتِكَافِ بِالْمَسْجِدِ ، وَالشَّهَادَةِ بِالْعَدَالَةِ ، ثُمَّ كَانَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ شُرُوطًا ، فَكَذَا الْقَبْضُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ ذَكَرَ غَيْرَ الرَّهْنِ مِنَ الْعُقُودِ وَلَمْ يَصِفْهَا بِالْقَبْضِ ، وَذَكَرَ الرَّهْنَ وَوَصَفَهُ بِالْقَبْضِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَصْفُ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ إِمَّا لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ ، أَوْ لِيَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِهِ فِيهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ ذِكْرَ الْقَبْضِ يُوجِبُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً لَا تُسْتَفَادُ بِحَذْفِ ذِكْرِهِ وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ إِنْ لَمْ يُجْعَلِ الْقَبْضُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ لَمْ يُجْبَرْ وَارِثُهُ عَلَى الْإِقْبَاضِ ، فَلَوْ كَانَ لَازِمًا بِالْقَوْلِ كَالْبَيْعِ لَاسْتَحَقَّ عَلَى وَارِثِهِ الْإِقْبَاضُ كَالْبَيْعِ ، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَى وَارِثِهِ الْإِقْبَاضُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ الْإِقْبَاضُ كَالْجَعَالَةِ .
وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ قَدْ يَتَحَرَّرُ مِنَ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ رَهْنٌ غَيْرُ مَقْبُوضٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ تَسْلِيمُهُ كَالْوَارِثِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَلْزَمُ وَارِثَ الْعَاقِدِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْعَاقِدَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَصْلُهُ عَقْدُ الْجَعَالَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبُولُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ لُزُومِهِ الْقَبْضُ كَالْقَرْضِ .
8 وَقَوْلُنَا : شَرْطُهُ الْقَبُولُ احْتِرَازًا مِنَ الْوَقْفِ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِعُمُومِ الْآيَةِ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الضَّمَانِ فَالْمَعْنَى فِي الضَّمَانِ أَنَّهُ لَمَّا تَمَّ بِالضَّامِنِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ تَمَّ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ وَلَمَّا لَمْ يَتِمَّ الرَّهْنُ بِالرَّاهِنِ وَحْدَهُ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ الْقَوْلُ جَازَ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْأَجَلِ فَالْمَعْنَى فِي الْأَجَلِ أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ إِنْ شُرِطَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَانْبِرَامِهِ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ كَسَائِرِ صِفَاتِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ : لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفَرِدُ عَنِ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ تَمَامِ ثُبُوتِهِ لَوْ شُرِطَ فِي الْعَقْدِ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ فَالْمَعْنَى فِي الْبَيْعِ : أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْوَرَثَةَ لَزِمَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالرَّهْنُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمِ الْوَرَثَةَ لَمْ يَلْزَمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْإِجَارَةِ فَالْمَعْنَى فِيهِ كَالْمَعْنَى فِي الْبَيْعِ .
كِتَابُ الرَّهْنِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَذِنَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالرَّهْنِ فِي الدَّيْنِ وَالدَّيْنُ حَقٌّ فَكَذَلِكَ كُلُّ حَقٍّ لَزِمَ فِي حِينِ الرَّهْنِ وَمَا تَقَدَّمَ الرَّهْنَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ الرَّهْنُ أَحَدُ الْوَثَائِقِ فِي الْحُقُوقِ .
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] وَقُرِئَ " فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ " وَفِي اخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُمْ : فَرِهَانٌ جَمْعٌ ، وَرُهُنٌ جَمْعُ الْجَمْعِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : فَرِهَانٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي السَّبْقِ وَالنِّضَالِ ، وَقَوْلُهُ : فَرُهُنٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَأَمَّا الرَّهِينَةُ ، فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَيْنِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي ارْتِهَانِ النُّفُوسِ . قَالَ الْفَرَزْدَقُ :
﴿﴾ وَمِنَّا الَذِي أَعْطَى يَدَيْهِ رَهِينَةً ﴿﴾ ﴿﴾ لِغَارَيْ مَعَدٍّ يَوْمَ ضَرْبِ الْجَمَاجِمِ ﴿﴾ ثُمَّ مِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ ، الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ ، الَذِي رَهَنَهُ لَهُ غُنْمُهُ غَيْرُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ .
وَفِي قَوْلِهِ : لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الدَّيْنُ بِتَلَفِهِ .
وَالثَّانِي : وَهُوَ أَشْبَهُ : أَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ بِالدَّيْنِ عِنْدَ مَحَلِّهِ .
قَالَ زُهَيْرٌ :
4 ﴿﴾ وَفَارَقَتْكَ بِدَيْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَمْسَى الدَّيْنُ قَدْ غَلِقَا ﴿﴾ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَقْرَبُ النَّفَقَةُ .
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ فَكَاكِهِ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى وَهَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ : أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ فَكَاكِهِ لِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : تُوُفَّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ : نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى مَحْمُولًا عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً .
فَصْلٌ : وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الرَّهْنِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ إِذَا تَمَّ مِنَ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ مِنْ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَيَكُونُ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنْ رَامَ الرَّاهِنُ فَسْخَهُ قَبْلَ فَكَاكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ كَانَ لَهُ ، لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ وَأَصْلُ الرَّهْنِ فِي اللُّغَةِ : هُوَ الِاحْتِبَاسُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [ الْمُدَّثِّرِ : 38 ] أَيْ مُحْتَبَسَةٌ .
وَقَالَ الْأَعْشَى :
﴿﴾ فَهَلْ يَمْنَعَنِّي ارْتِيَادِي الْبِلَا ﴿﴾ ﴿﴾ دَ مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ أَنْ يَأْتِيَنْ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَيَّ رَقِيبٌ لَهُ حَافِظٌ ﴿﴾ ﴿﴾ فَقُلْ فِي امْرِئٍ غَلِقٍ مُرْتَهِنْ ﴿﴾ فَإِذَا تَمَهَّدَ مَا ذَكَرْنَا فَالرَّهْنُ عِنْدَنَا يَجُوزُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَعِنْدَ وُجُودِ الْكَاتِبِ وَعَدَمِهِ ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَدَاوُدُ : لَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ وَلَا مَعَ وُجُودِ 5 الْكَاتِبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] فَأَبَاحَهُ بِوُجُودِ شَرْطَيْنِ : السَّفَرِ وَعَدَمِ الْكَاتِبِ .
وَدَلِيلُنَا : رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفٌ فَقَالَ لِي : يَا أَبَا رَافِعٍ اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَقُلْ لَهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بِعْنِي إِلَى رَجَبٍ فَأَتَيْتُهُ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَبِيعُهُ إِلَا بِرَهْنٍ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : اذْهَبْ بِدِرْعِي الْجَدِيدِ إِلَيْهِ فَرَهَنَهُ بِطَعَامٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى .
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْحَضَرِ ، لِأَنَّ هَذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهَا وَثِيقَةٌ تَجُوزُ سَفَرًا فَجَازَتْ حَضَرًا كَالضَّمِينِ : وَلِأَنَّ كُلَّ حَالٍ جَازَ فِيهَا الضَّمِينُ جَازَ فِيهَا الرَّهْنُ كَالسَّفَرِ فَأَمَّا الْآيَةُ فَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهَا السَّفَرُ لِتَعَذُّرِ الشَّهَادَةِ فِيهِ غَالِبًا لَا أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهِ .
فَصْلٌ : فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الرَّهْنِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، فَالْحُقُوقُ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ يَجِبُ فِي مَالٍ ، وَضَرْبٌ يَجِبُ فِي غَيْرِ مَالٍ .
فَأَمَّا الْحُقُوقُ الَّتِي لَا تَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ : فَكَالْقِصَاصِ ، وَحَدِّ الْقَذْفِ ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُطَالَبَةُ بِالشُّفْعَةِ وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ ، فَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ وَإِنْ جَازَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ : لِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ فِي مَالٍ يُسْتَوْفَى الْحَقُّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ ، وَمَا لَيْسَ بِمَالٍ قَدْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ ، فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ .
وَأَمَّا الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ فِي الْأَمْوَالِ فَضَرْبَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ أَعْيَانًا قَائِمَةً .
وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ .
فَأَمَّا الْأَعْيَانُ الْقَائِمَةُ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مَضْمُونَةً كَالْمَغْصُوبِ أَوْ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ كَالْوَدَائِعِ وَقَالَ مَالِكٌ : كُلُّ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ بِالتَّلَفِ يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ عَلَيْهَا قَبْلَ التَّلَفِ قَالَ : لِأَنَّهُ مَالٌ مَضْمُونٌ فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى مَا فِي الذِّمَمِ ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَكُونَ وَثِيقَةً لِمَا فِي الذِّمَّةِ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَثِيقَةً لِلْعَيْنِ الْمَضْمُونَةِ كَالشَّهَادَةِ .
وَدَلِيلُنَا هُوَ : أَنَّهَا عَيْنٌ بَاقِيَةٌ فَلَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ بِهَا كَالْعَيْنِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً .
وَهَذَا لِأَنَّ كُلَّ عَيْنٍ لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهَا إِذَا كَانَتْ أَمَانَةً لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهَا إِذَا كَانَتْ مَضْمُونَةً .
أَصْلُهُ : مَا فِي يَدِ الْبَائِعِ مِنَ الْعَيْنِ الْمَبِيعَةِ .
وَلِأَنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْهُ ، وَالْعَيْنُ الْمَضْمُونَةُ مَعَ بَقَائِهَا لَا يَجُوزُ أَخْذُ بَدَلِهَا ، 6 وَلَا الْعُدُولُ إِلَى قِيمَتِهَا دُونَ أَنْ تُرَدَّ الْعَيْنُ ، وَالْعَيْنُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهَا مِنَ الرَّهْنِ ، وَكُلُّ رَهْنٍ لَمْ يُمْلَكِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ كَانَ رَهْنًا بَاطِلًا كَالْوَقْفِ .
فَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الرَّهْنِ ، فَجَازَ فِيهِ الرَّهْنُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَيْنُ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَالْمَعْنَى فِي الشَّهَادَةِ أَنَّهَا لَمَّا جَازَتْ عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ جَازَتْ عَلَى عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ وَلَمَّا لَمْ يَجُزِ الرَّهْنُ فِي عَيْنٍ غَيْرِ مَضْمُونَةٍ لَمْ يَجُزْ فِي عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ فِي كَفَالَاتِ النُّفُوسِ لَا يَجُوزُ .
فَصْلٌ : [ أَقْسَامُ الْأَمْوَالِ بِاعْتِبَارِ مَا لَزِمَ لِلذِّمَّةِ وَمَا لَا يَلْزَمُ وَمَا يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ ] .
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الَّتِي فِي الذِّمَّةِ فَعَلَى ثَلَاثَةٍ أَضْرُبٍ :
أَحَدُهَا : مَا كَانَ لَازِمًا لِلذِّمَّةِ ثَابِتًا فِيهَا كَالْأَثْمَانِ وَالدُّيُونِ وَالْمُهُورِ وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَالسَّلَمِ فَهَذَا كُلُّهُ وَمَا شَاكَلَهُ ، يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ حَالًا أَوْ مُؤَجَّلًا .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا مِنَ الذِّمَّةِ فِي الْحَالِ وَلَا تُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ مِثْلُ مَالِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ الرَّهْنُ بِحَالٍ : لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ مِنَ الذِّمَّةِ ، وَمَالُ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرِ اسْتِيفَاؤُهُ مِنَ الذِّمَّةِ .
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : مَا لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لِلذِّمَّةِ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ فِي ثَانِي حَالٍ كَمَالِ الْجَعَالَةِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ لُزُومِهِ بِحُصُولِ الْعَمَلِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ كَالدُّيُونِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ لُزُومِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْعَمَلِ فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الرَّهْنِ فِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : يَجُوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ ، لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ ، فَجَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا فِي الْحَالِ ، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَيْسَ بِلَازِمٍ ، وَأَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّ أَخْذَ الرَّهْنِ فِيهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ بِحُصُولِ الْعَمَلِ فَمَا فِي مُقَابَلَةِ هَذَا الْجُعْلِ مِنَ الْعَمَلِ لَا يُفْضِي إِلَى اللُّزُومِ ، لِأَنَّ الْمَبْذُولَ لَهُ الْجُعْلُ بِالْخِيَارِ أَبَدًا إِنْ شَاءَ عَمِلَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَعْمَلْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّمَنُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ ، لِأَنَّ الْعِوَضَ وَالْمُعَوَّضَ قَدْ يُفْضِيَانِ إِلَى اللُّزُومِ بِمَا افْتَرَقَا .
فَصْلٌ : وَأَمَّا أَخْذُ الرَّهْنِ فِي عِوَضِ السَّبْقِ وَالنِّضَالِ ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ لُزُومِهِ بِوُجُودِ السَّبْقِ ، وَحُصُولِ النِّضَالِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ كَالدَّيْنِ .
وَإِنْ كَانَ قَبْلَ وُجُودِ السَّبْقِ وَالنِّضَالِ ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ 7 عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي عَقْدِ السَّبْقِ وَالنِّضَالِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى الْإِجَارَةِ ، أَوْ مَجْرَى الْجَعَالَةِ ؟ فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْإِجَارَةِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ .
وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْجَعَالَةِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عِنْدَنَا عَقْدُ الرَّهْنِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ .
وَقَالَ مَالِكٌ : الرَّهْنُ يَتِمُّ بِالْعَقْدِ وَيُجْبَرُ عَلَى الْقَبْضِ ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [ الْمَائِدَةِ : 1 ] وَلِأَنَّهُ عَقْدُ وَثِيقَةٍ ، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَالضَّمَانِ .
وَلِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهِ إِذَا شُرِطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُلْزَمَ بِنَفْسِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ كَالْأَجَلِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ بَعْدَ الْقَبْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْبَيْعِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ لَازِمًا كَالْإِجَارَةِ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى : فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [ الْبَقَرَةِ : 283 ] وَالدَّلَالَةُ فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهُ وَصَفَ الرَّهْنَ بِالْقَبْضِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ كَوَصْفِ الرَّقَبَةِ بِالْإِيمَانِ وَالِاعْتِكَافِ بِالْمَسْجِدِ ، وَالشَّهَادَةِ بِالْعَدَالَةِ ، ثُمَّ كَانَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ شُرُوطًا ، فَكَذَا الْقَبْضُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ ذَكَرَ غَيْرَ الرَّهْنِ مِنَ الْعُقُودِ وَلَمْ يَصِفْهَا بِالْقَبْضِ ، وَذَكَرَ الرَّهْنَ وَوَصَفَهُ بِالْقَبْضِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ وَصْفُ الرَّهْنِ بِالْقَبْضِ إِمَّا لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ ، أَوْ لِيَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى لُزُومِهِ فِيهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ ذِكْرَ الْقَبْضِ يُوجِبُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً لَا تُسْتَفَادُ بِحَذْفِ ذِكْرِهِ وَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ إِنْ لَمْ يُجْعَلِ الْقَبْضُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ لَمْ يُجْبَرْ وَارِثُهُ عَلَى الْإِقْبَاضِ ، فَلَوْ كَانَ لَازِمًا بِالْقَوْلِ كَالْبَيْعِ لَاسْتَحَقَّ عَلَى وَارِثِهِ الْإِقْبَاضُ كَالْبَيْعِ ، فَلَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَى وَارِثِهِ الْإِقْبَاضُ لَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ الْإِقْبَاضُ كَالْجَعَالَةِ .
وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ قَدْ يَتَحَرَّرُ مِنَ اعْتِلَالِهِ قِيَاسَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ رَهْنٌ غَيْرُ مَقْبُوضٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ تَسْلِيمُهُ كَالْوَارِثِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَلْزَمُ وَارِثَ الْعَاقِدِ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ الْعَاقِدَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ أَصْلُهُ عَقْدُ الْجَعَالَةِ ، وَلِأَنَّهُ عَقْدُ إِرْفَاقٍ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبُولُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِ لُزُومِهِ الْقَبْضُ كَالْقَرْضِ .
8 وَقَوْلُنَا : شَرْطُهُ الْقَبُولُ احْتِرَازًا مِنَ الْوَقْفِ .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِعُمُومِ الْآيَةِ فَمَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الضَّمَانِ فَالْمَعْنَى فِي الضَّمَانِ أَنَّهُ لَمَّا تَمَّ بِالضَّامِنِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ تَمَّ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ وَلَمَّا لَمْ يَتِمَّ الرَّهْنُ بِالرَّاهِنِ وَحْدَهُ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ الْقَوْلُ جَازَ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ ، وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْأَجَلِ فَالْمَعْنَى فِي الْأَجَلِ أَنَّهُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْعَقْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِنَفْسِهِ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ إِنْ شُرِطَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَانْبِرَامِهِ وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ كَسَائِرِ صِفَاتِ الْعَقْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّهْنُ : لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَيْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفَرِدُ عَنِ الْعَقْدِ فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ بَعْدَ تَمَامِ ثُبُوتِهِ لَوْ شُرِطَ فِي الْعَقْدِ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْبَيْعِ فَالْمَعْنَى فِي الْبَيْعِ : أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَ الْوَرَثَةَ لَزِمَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالرَّهْنُ لَمَّا لَمْ يَلْزَمِ الْوَرَثَةَ لَمْ يَلْزَمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَأَمَّا قِيَاسُهُ عَلَى الْإِجَارَةِ فَالْمَعْنَى فِيهِ كَالْمَعْنَى فِي الْبَيْعِ .
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
فَصْلٌ
وَأَمَّا شَرْطُ لُزُومِ الْهِبَةِ ، فَهُوَ الْقَبْضُ ، فَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْهَدِيَّةِ إِلَّا بِقَبْضِهِمَا ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ : يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ كَالْوَقْفِ . وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ : الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ قَبَضَ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكٌ بِالْعَقْدِ . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَقْوَالِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ ، لِمَنْ تَكُونُ ؟ وَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ ، فَوَجْهَانِ . وَقِيلَ : قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ ، لِجَوَازِهِ ، كَالشَّرِكَةِ ، وَالْوَكَالَةِ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا يَنْفَسِخُ ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ . كَالْبَيْعِ الْجَائِزِ ، بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ . فَعَلَى هَذَا ، إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ فِي الْإِقْبَاضِ . وَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبَضَ وَارِثُهُ إِنْ أَقْبَضَهُ الْوَاهِبُ . وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي جُنُونِ أَحَدِهِمَا وَإِغْمَائِهِ .
قُلْتُ : قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَيَقْبِضُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ مِنْهُمَا ، وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فِي حَالِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
الْقَبْضُ الْمُحَصِّلُ لِلْمِلْكِ ، هُوَ الْوَاقِعُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ ، فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إِذْنِهِ ، لَمْ يَمْلِكْهُ ، 376 وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ، سَوَاءٌ قَبَضَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ . وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ . وَلَوْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، صَحَّ رُجُوعُهُ ، فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ بَعْدَهُ . وَكَذَا لَوْ أَذِنَ ، ثُمَّ مَاتَ الْآذِنُ أَوِ الْمَأْذُونُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، بَطَلَ الْإِذْنُ .
فَرْعٌ
بَعَثَ هَدِيَّةً إِلَى إِنْسَانٍ ، فَمَاتَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ ، بَقِيَتِ الْهَدِيَّةُ لِلْمُهْدِي . وَلَوْ مَاتَ الْمُهْدِي ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ ، وَكَذَا الْمُسَافِرُ إِذَا اشْتَرَى لِأَصْدِقَائِهِ هَدَايَا ، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِمْ ، فَهِيَ لَهُ تَرِكَةٌ .
فَرْعٌ
كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ . وَحَكَيْنَا هُنَا قَوْلًا ، أَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْمَنْقُولِ قَبْضٌ . قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا جَرَيَانَ لَهُ هُنَا ، لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، فَجُعِلَ التَّمْكِينُ قَبْضًا ، وَفِي الْهِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ وَلَمْ يَكْتَفَ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ .
قُلْتُ : فَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَشَاعًا ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ ، فَقَبَضَهُ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا ، فَقَبَضَهُ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : صَاحِبُ " الشَّامِلِ " وَآخَرُونَ : فَيُقَالُ لِلشَّرِيكِ لِيَرْضَى بِتَسْلِيمِ نَصِيبِهِ أَيْضًا إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ، لِيَكُونَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً حَتَّى يَتَأَتَّى الْقَبْضُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ . فَإِنْ فَعَلَ [ فَقَبَضَ الْمَوْهُوبُ الْجَمِيعَ ، مَلَكَ . وَإِنِ 377 امْتَنَعَ ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ : وَكِّلِ الشَّرِيكَ فِي الْقَبْضِ لَكَ . فَإِنْ فَعَلَ ] نَقَلَهُ الشَّرِيكُ وَقَبَضَهُ لَهُ . فَإِنِ امْتَنَعَا ، نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمَا .
[ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ]
فَرْعٌ
لَوْ أَتْلَفَ الْمُتَّهِبُ الْمَوْهُوبَ ، لَمْ يَصِرْ قَابِضًا ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إِذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ ، وَالْفَرْقُ مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ . وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي أَكْلِ طَعَامِ الْمَوْهُوبِ ، فَأَكَلَهُ ، أَوْ فِي إِعْتَاقِ الْمَوْهُوبِ ، فَأَعْتَقَهُ ، أَوْ أَمَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ بِإِعْتَاقِهِ ، فَأَعْتَقَهُ ، كَانَ قَابِضًا .
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ ، صَحَّ بَيْعُهُ وَبَطَلَتِ الْهِبَةُ . وَإِنِ اعْتَقَدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ قَوْلَانِ ، كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ أَنَّهُ حَيٌّ ، فَبَانَ مَيِّتًا .
378 فَرْعٌ
فِي مَسَائِلَ مَحْكِيَّةٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
لَوْ قَالَ : وَهَبْتُهُ لَهُ وَمَلَّكَهُ ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِلُزُومِ الْهِبَةِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ ، وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْيَقِينِ . وَلَوْ قَالَ : وَهَبْتُهُ لَهُ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْقَبْضِ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْوَاهِبِ ، فَلَا . وَلَوْ قِيلَ لَهُ : وَهَبْتُ دَارَكَ لِفُلَانٍ وَأَقْبَضْتُهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْهِبَةِ وَالْإِقْبَاضِ .
وَأَمَّا شَرْطُ لُزُومِ الْهِبَةِ ، فَهُوَ الْقَبْضُ ، فَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْهَدِيَّةِ إِلَّا بِقَبْضِهِمَا ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ . وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ : يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ كَالْوَقْفِ . وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ : الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ ، فَإِنْ قَبَضَ ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكٌ بِالْعَقْدِ . وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَقْوَالِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ ، لِمَنْ تَكُونُ ؟ وَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ ، فَوَجْهَانِ . وَقِيلَ : قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ ، لِجَوَازِهِ ، كَالشَّرِكَةِ ، وَالْوَكَالَةِ . وَأَصَحُّهُمَا : لَا يَنْفَسِخُ ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ . كَالْبَيْعِ الْجَائِزِ ، بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ . فَعَلَى هَذَا ، إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ فِي الْإِقْبَاضِ . وَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبَضَ وَارِثُهُ إِنْ أَقْبَضَهُ الْوَاهِبُ . وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي جُنُونِ أَحَدِهِمَا وَإِغْمَائِهِ .
قُلْتُ : قَالَ الْبَغَوِيُّ : وَيَقْبِضُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ مِنْهُمَا ، وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فِي حَالِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
الْقَبْضُ الْمُحَصِّلُ لِلْمِلْكِ ، هُوَ الْوَاقِعُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ ، فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إِذْنِهِ ، لَمْ يَمْلِكْهُ ، 376 وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ ، سَوَاءٌ قَبَضَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ . وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ . وَلَوْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، صَحَّ رُجُوعُهُ ، فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ بَعْدَهُ . وَكَذَا لَوْ أَذِنَ ، ثُمَّ مَاتَ الْآذِنُ أَوِ الْمَأْذُونُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ ، بَطَلَ الْإِذْنُ .
فَرْعٌ
بَعَثَ هَدِيَّةً إِلَى إِنْسَانٍ ، فَمَاتَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ ، بَقِيَتِ الْهَدِيَّةُ لِلْمُهْدِي . وَلَوْ مَاتَ الْمُهْدِي ، لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ ، وَكَذَا الْمُسَافِرُ إِذَا اشْتَرَى لِأَصْدِقَائِهِ هَدَايَا ، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِمْ ، فَهِيَ لَهُ تَرِكَةٌ .
فَرْعٌ
كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ . وَحَكَيْنَا هُنَا قَوْلًا ، أَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْمَنْقُولِ قَبْضٌ . قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا جَرَيَانَ لَهُ هُنَا ، لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ ، وَلِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِهِ ، فَجُعِلَ التَّمْكِينُ قَبْضًا ، وَفِي الْهِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ وَلَمْ يَكْتَفَ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ .
قُلْتُ : فَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَشَاعًا ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ ، فَقَبَضَهُ بِالتَّخْلِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا ، فَقَبَضَهُ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : صَاحِبُ " الشَّامِلِ " وَآخَرُونَ : فَيُقَالُ لِلشَّرِيكِ لِيَرْضَى بِتَسْلِيمِ نَصِيبِهِ أَيْضًا إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ ، لِيَكُونَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً حَتَّى يَتَأَتَّى الْقَبْضُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ . فَإِنْ فَعَلَ [ فَقَبَضَ الْمَوْهُوبُ الْجَمِيعَ ، مَلَكَ . وَإِنِ 377 امْتَنَعَ ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ : وَكِّلِ الشَّرِيكَ فِي الْقَبْضِ لَكَ . فَإِنْ فَعَلَ ] نَقَلَهُ الشَّرِيكُ وَقَبَضَهُ لَهُ . فَإِنِ امْتَنَعَا ، نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمَا .
[ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ]
فَرْعٌ
لَوْ أَتْلَفَ الْمُتَّهِبُ الْمَوْهُوبَ ، لَمْ يَصِرْ قَابِضًا ، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إِذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ ، وَالْفَرْقُ مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ . وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي أَكْلِ طَعَامِ الْمَوْهُوبِ ، فَأَكَلَهُ ، أَوْ فِي إِعْتَاقِ الْمَوْهُوبِ ، فَأَعْتَقَهُ ، أَوْ أَمَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ بِإِعْتَاقِهِ ، فَأَعْتَقَهُ ، كَانَ قَابِضًا .
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ : أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ ، صَحَّ بَيْعُهُ وَبَطَلَتِ الْهِبَةُ . وَإِنِ اعْتَقَدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ قَوْلَانِ ، كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ أَنَّهُ حَيٌّ ، فَبَانَ مَيِّتًا .
378 فَرْعٌ
فِي مَسَائِلَ مَحْكِيَّةٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -
لَوْ قَالَ : وَهَبْتُهُ لَهُ وَمَلَّكَهُ ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِلُزُومِ الْهِبَةِ ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ ، وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْيَقِينِ . وَلَوْ قَالَ : وَهَبْتُهُ لَهُ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْقَبْضِ ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْوَاهِبِ ، فَلَا . وَلَوْ قِيلَ لَهُ : وَهَبْتُ دَارَكَ لِفُلَانٍ وَأَقْبَضْتُهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْهِبَةِ وَالْإِقْبَاضِ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
215 كِتَابُ الرَّهْنِ الرَّهْنُ فِي اللُّغَةِ : الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ . يُقَالُ : مَاءٌ رَاهِنٌ . أَيْ رَاكِدٌ . وَنِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ . أَيْ ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْحَبْسِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } وَقَالَ : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } . وَقَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ وَفَارَقَتْك بِرَهْنٍ لَا فِكَاكَ لَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ يَوْمَ الْوَدَاعِ فَأَضْحَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا ﴿﴾ شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِهِ لَهَا ، وَاحْتِبَاسَهُ عِنْدَهَا ، لِشِدَّةِ وَجْدِهِ بِهَا ، بِالرَّهْنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْمُرْتَهِنُ ، فَيُبْقِيه عِنْدَهُ ، وَلَا يُفَارِقُهُ . وَغَلْقُ الرَّهْنِ : اسْتِحْقَاقُ الْمُرْتَهِنِ إيَّاهُ ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عَنْ فِكَاكِهِ . وَالرَّهْنُ فِي الشَّرْعِ : الْمَالُ الَّذِي يُجْعَلُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِنْ ثَمَنِهِ إنْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ . وَهُوَ جَائِزٌ . بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } . وَتُقْرَأُ : { فَرُهُنٌ } . وَالرِّهَانُ : جَمْعُ رَهْنٍ ، وَالرُّهُنُ : جَمْعُ الْجَمْعِ . قَالَهُ الْفَرَّاءُ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ رَهْنٍ ، مِثْل سَقْفٍ وَسُقُفٍ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ ، إذَا كَانَ مَرْهُونًا ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يُغْلَقُ الرَّهْنُ } . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الرَّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ .
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
بَابُ الرَّهْنُ ( وَهُوَ ) فِي اللُّغَةِ الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ يُقَالُ : مَاءٌ رَاهِنٌ ، أَيْ : رَاكِدٌ وَنَعْمَةٌ رَاهِنَةٌ أَيْ : دَائِمَةٌ وَقِيلَ : هُوَ الْحَبْسُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } أَيْ : مَحْبُوسَةٌ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ ثَابِتٌ فِي مَكَان لَا يُزَايِلُهُ وَشَرْعًا ( تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ ) أَيْ : جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ ( يُمْكِنُ أَخْذُهُ ) أَيْ : الدَّيْنِ ( أَوْ ) أَخْذُ ( بَعْضِهِ مِنْهَا ) أَيْ : مِنْ الْعَيْنِ إذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ ( أَوْ ) يُمْكِنُ أَخْذُهُ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ ( ثَمَنِهَا ) أَيْ : ثَمَنِ الْعَيْنِ ، إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ ( إنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهَا ) 321 أَيْ : مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ .
وَفِي الزَّرْكَشِيّ : تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى قَوْلٍ - يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ إنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُقَدَّمَ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ ، وَلَوْ لِمَنْ هُوَ عِنْدَهُ ، خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي السَّلَمِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَالرَّهْنُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إجْمَاعًا ; لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ .
وَفِي الزَّرْكَشِيّ : تَوْثِقَةُ دَيْنٍ بِعَيْنٍ أَوْ بِدَيْنٍ عَلَى قَوْلٍ - يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ إنْ تَعَذَّرَ الْوَفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُقَدَّمَ لَا يَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ ، وَلَوْ لِمَنْ هُوَ عِنْدَهُ ، خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ فِي السَّلَمِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَالرَّهْنُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إجْمَاعًا ; لِأَنَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ ، فَلَمْ يَجِبْ كَالضَّمَانِ .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
بَابُ الرَّهْنِ لُغَةً : الثُّبُوتُ وَالدَّوَامُ ، وَمِنْهُ { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } وَشَرْعًا : ( تَوْثِقَةُ دَيْنٍ ) غَيْرِ سَلَمٍ وَدَيْنِ كِتَابَةٍ ، وَلَوْ فِي الْمَآلِ ، كَعَيْنٍ مَضْمُونَةٍ ( بِعَيْنٍ ) لَا دَيْنٍ وَلَا مَنْفَعَةٍ 104 ( يُمْكِنُ أَخْذُهُ ) أَيْ الدَّيْنِ كُلِّهِ ( وَ ) أَخَذَ ( بَعْضِهِ ) إنْ لَمْ يَفِ بِهِ ( مِنْهَا ) أَيْ الْعَيْنِ ، إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ ، وَخَرَجَ بِذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ وَنَحْوُهَا ، مِمَّا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ ( أَوْ ) يُمْكِنُ أَخْذُهُ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ ( ثَمَنِهَا ) إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } وَحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَيَجُوزُ حَضَرًا وَسَفَرًا ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَذِكْرُ السَّفَرِ فِي الْآيَةِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ عَدَمُ الْكَاتِبِ
الإنصاف
اقرأ →
فَائِدَةٌ : لَوْ أَخَذَ السَّيِّدُ حَقَّهُ ظَاهِرًا ، ثُمَّ قَالَ : هُوَ حُرٌّ . ثُمَّ بَانَ مُسْتَحَقًّا : لَمْ يُعْتَقْ . قَالَهُ الْأَصْحَابُ . وَإِنْ ادَّعَى السَّيِّدُ تَحْرِيمَ الْعِوَضِ : قُبِلَ بِبَيِّنَةٍ . وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ : قُبِلَ قَوْلُ الْعَبْدِ مَعَ يَمِينِهِ ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَخْذُهُ ، وَيُعْتَقُ بِهِ . ثُمَّ يَلْزَمُ السَّيِّدَ رَدُّهُ إلَى مَالِكِهِ ، إنْ أَضَافَهُ إلَى مَالِكٍ . وَإِنْ نَكَلَ : الْعَبْدُ حَلَفَ سَيِّدُهُ . وَلَهُ قَبْضُهُ مِنْ دَيْنٍ غَيْرِ دَيْنِ الْكِتَابَةِ وَتَعْجِيزُهُ . وَفِي تَعْجِيزِهِ قَبْلَ أَخْذِ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ : وَجْهَانِ فِي التَّرْغِيبِ . وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ . وَالِاعْتِبَارُ بِقَصْدِ السَّيِّدِ فِي قَبْضِهِ عَنْ أَحَدِ الدَّيْنَيْنِ . وَفَائِدَتُهُ : يَمِينُهُ عِنْدَ النِّزَاعِ قُلْت : قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الرَّهْنِ : أَنَّهُ لَوْ قَضَى بَعْضَ دَيْنِهِ ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ 455 وَبِبَعْضِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ : كَانَ عَمَّا نَوَاهُ الدَّافِعُ ، أَوْ الْمُبْرِئُ مِنْ الْقِسْمَيْنِ . وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي النِّيَّةِ بِلَا نِزَاعٍ . فَيَخْرُجُ هُنَا مِثْلُهُ .
الفروع
اقرأ →
باب الرهن
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب الرهن
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
باب الرهن
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
362 كِتَابُ الرَّهْنِ 1209 - مَسْأَلَةٌ :
لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ إلَّا فِي الْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ ، أَوْ فِي السَّلَمِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ خَاصَّةً ، أَوْ فِي الْقَرْضِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ خَاصَّةً ، مَعَ عَدَمِ الْكَاتِبِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : أَنَّ اشْتِرَاطَ الرَّهْنِ شَرْطٌ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ }
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } فَهَاهُنَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ حَيْثُ أَجَازَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا ، أَوْ سَلَمًا ، أَوْ قَرْضًا .
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ يَجُوزُ فِيهَا اشْتِرَاطُ التَّأْجِيلِ لِوُرُودِ النُّصُوصِ بِوُجُوبِهِ فِي السَّلَمِ ، وَجَوَازُهُ فِي الْقَرْضِ ، وَالْبَيْعِ - وَلَا يَجُوزُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُعَامَلَات سِوَى مَا ذَكَرْنَا نَصٌّ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ التَّأْجِيلِ ، فَهُوَ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ .
وَصَحَّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ .
وَأَمَّا الْحَضَرُ - : فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسَدَّدٌ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ - حَدَّثَهُ 363 الْأَعْمَشُ نا إبْرَاهِيمُ نا الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ نا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَاَللَّهِ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ دِرْعَهُ لَمَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَخَذَهَا طَعَامًا لِأَهْلِهِ
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَى أَنَسٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ شَعِيرًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَجَلٍ ؟ قُلْنَا : وَلَا فِيهِ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ مِنْ الرَّهْنِ بِغَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ مِنْ الرَّاهِنِ حِينَئِذٍ ، وَالتَّطَوُّعُ بِمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ حَسَنٌ .
فَإِنْ ذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فِي بَعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ إلَى يَهُودِيٍّ لِيُسَلِّفهُ طَعَامًا لِضَيْفٍ نَزَلَ بِهِ فَأَبَى إلَّا بِرّهنَّ فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ .
فَهَذَا خَبَرٌ انْفَرَدَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدٍ الرَّبَذِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - ضَعَّفَهُ الْقَطَّانُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ
لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ إلَّا فِي الْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ ، أَوْ فِي السَّلَمِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ خَاصَّةً ، أَوْ فِي الْقَرْضِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فِي السَّفَرِ خَاصَّةً ، مَعَ عَدَمِ الْكَاتِبِ فِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : أَنَّ اشْتِرَاطَ الرَّهْنِ شَرْطٌ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَيْسَ لَهُ }
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } فَهَاهُنَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ حَيْثُ أَجَازَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا ، أَوْ سَلَمًا ، أَوْ قَرْضًا .
فَهَذِهِ الْوُجُوهُ يَجُوزُ فِيهَا اشْتِرَاطُ التَّأْجِيلِ لِوُرُودِ النُّصُوصِ بِوُجُوبِهِ فِي السَّلَمِ ، وَجَوَازُهُ فِي الْقَرْضِ ، وَالْبَيْعِ - وَلَا يَجُوزُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ أَصْلًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُعَامَلَات سِوَى مَا ذَكَرْنَا نَصٌّ بِجَوَازِ اشْتِرَاطِ التَّأْجِيلِ ، فَهُوَ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ .
وَصَحَّ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الرَّهْنُ إلَّا فِي السَّفَرِ .
وَأَمَّا الْحَضَرُ - : فَلِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا مُسَدَّدٌ نا عَبْدُ الْوَاحِدِ - حَدَّثَهُ 363 الْأَعْمَشُ نا إبْرَاهِيمُ نا الْأَسْوَدُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } .
وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ نا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَاَللَّهِ لَقَدْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّ دِرْعَهُ لَمَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ بِعِشْرِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَخَذَهَا طَعَامًا لِأَهْلِهِ
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رَوَى أَنَسٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ شَعِيرًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ } ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَجَلٍ ؟ قُلْنَا : وَلَا فِيهِ اشْتِرَاطُ الرَّهْنِ ، وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ مِنْ الرَّهْنِ بِغَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْعَقْدِ ، لِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ مِنْ الرَّاهِنِ حِينَئِذٍ ، وَالتَّطَوُّعُ بِمَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ حَسَنٌ .
فَإِنْ ذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ فِي بَعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ إلَى يَهُودِيٍّ لِيُسَلِّفهُ طَعَامًا لِضَيْفٍ نَزَلَ بِهِ فَأَبَى إلَّا بِرّهنَّ فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ .
فَهَذَا خَبَرٌ انْفَرَدَ بِهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدٍ الرَّبَذِيُّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - ضَعَّفَهُ الْقَطَّانُ ، وَابْنُ مَعِينٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ