حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير · الجزء الأول
16 قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ : الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا قَبْلَ إسْمَاعِيلَ وَيُقَالُ لَهُمْ الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ وَهُمْ قَبَائِلُ مِنْهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ وَقَحْطَانُ وَجُرْهُمُ وَغَيْرُهُمْ ، وَأَمَّا الْعَرَبُ الْمُسْتَعْرِبَةُ فَهُمْ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَهُوَ أَخَذَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ جُرْهُمَ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ إسْمَاعِيلُ فَمُرَادُهُ عَرَبِيَّةُ قُرَيْشٍ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ .
وَأَمَّا عَرَبِيَّةُ يَعْرُبَ وَقَحْطَانَ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَجُرْهُمَ فَكَانَتْ قَبْلَ إسْمَاعِيلَ كَذَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا ( قَوْلُهُ : فِيهِ مِنْ الضَّبْطِ مَا فِي الْعَرَبِ ) أَيْ لَكِنَّ الْأَوْلَى إذَا اقْتَرَنَا فَتْحُهُمَا أَوْ ضَمُّهُمَا لِلْمُشَاكَلَةِ ، وَأَمَّا فَتْحُ الْأَوَّلِ وَضَمُّ الثَّانِي أَوْ الْعَكْسُ فَهُوَ ، وَإِنْ جَازَ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ سَائِرًا قَدْ يَأْتِي لَهُ ) أَيْ لِجَمِيعٍ أَيْ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى جَمِيعٍ أَخْذًا لَهُ مِنْ سُورِ الْبَلَدِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِهَا وَظَاهِرُ إتْيَانِهِ بِقَدْ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بِمَعْنَى جَمِيعٍ مَجَازٌ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْقَامُوسِ السَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ ا هـ ، وَقَوْلُهُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ أَيْ مَجَازًا كَمَا هُوَ قَاعِدَتُهُ
( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مَعْنَاهُ بَاقِيَ ) أَيْ لِأَخْذِهِ مِنْ السُّؤْرِ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ ، وَيَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا أَيْضًا ; لِأَنَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَقِيَّةُ الْأُمَمِ أَيْ الطَّوَائِفِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ مَضَى قَبْلَهَا وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ الْتَفَتَ لِمَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُبَاشَرَةً بِاعْتِبَارِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْأُمَمِ فَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْبَعْثُ بِالْجِسْمِ لِلْجِسْمِ أَيْضًا وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأُمَمِ طَوَائِفَ أُمَّتِهِ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ جَمِيعُ الْأُمَمِ حَتَّى السَّابِقِينَ وَيُرَادُ بِالْبَعْثِ مَا يَشْمَلُ الْبَعْثَ بِالرُّوحِ ; لِأَنَّ رُوحَهُ الشَّرِيفَةَ أُرْسِلَتْ لِأَرْوَاحِ مَنْ سَبَقَ وَهَذَا مَعْنَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ نُوَّابُهُ ( قَوْلُهُ : وَالْمُرَادُ بِهِمْ ) أَيْ بِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ( قَوْلُهُ : وَغَيْرُهُمْ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَهُوَ قَوْلٌ وَعَلَيْهِ فَإِرْسَالُهُ إلَيْهِمْ رِسَالَةَ تَشْرِيفٍ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُكَلَّفُونَ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ وَارْتَضَاهُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ وَعَلَيْهِ فَتَكْلِيفُهُمْ إنَّمَا هُوَ بِبَعْضِ الْفُرُوعِ الَّتِي تَتَأَتَّى مِنْهُمْ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ لَا الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ ، وَهَذَا أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا
( قَوْلُهُ : وَعَلَى آلِهِ ) عَطْفٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَفِيهِ إيمَاءٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا لَهُمْ ، وَأَمَّا اسْتِقْلَالًا فَقِيلَ : إنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَقِيلَ حَرَامٌ وَقِيلَ تُكْرَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَأَصْلُ آلِ أَوَلٌ كَجَمَلٍ تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا وَقِيلَ أَصْلُهُ أَهَلٌ قُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً ثُمَّ الْهَمْزَةُ أَلِفًا وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ ) أَيْ الْآلُ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ إلَخْ ) أَيْ لِأَنَّ أَتْبَاعَهُ هُمْ أُمَّتُهُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ ; لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهَذَا عَنْ قَوْلِهِ وَأُمَّتُهُ ; لِأَنَّ هَذَا وَاقِعٌ فِي مَرْكَزِهِ وَالْمُكَرَّرُ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ هُوَ الْوَاقِعُ بَعْدَ تَأَمُّلٍ ( قَوْلُهُ : عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلَى التَّحْرِيرِ إلَخْ ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إنَّ أَصْحَابَ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَجَمْعٍ لَهُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّحْرِيرَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشَ يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ جَمْعٌ لِصَاحِبٍ وَأَنَّ فَاعِلًا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ فِي صَحْبٍ فَإِنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَجَمْعٌ لَهُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُنَا ( قَوْلُهُ : بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ ) أَيْ أَنَّ صَاحِبًا الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ أَصْحَابٍ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الصَّحَابِيُّ لَا مُطْلَقُ صَاحِبٍ ( قَوْلُهُ : مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ إلَخْ ) أَيْ سَوَاءٌ رَآهُ بِبَصَرِهِ أَوْ لَا كَالْعُمْيَانِ ( قَوْلُهُ : : فِي حَيَاتِهِ ) خَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ مَنَامًا أَوْ يَقَظَةً كَالْجَلَالِ السُّيُوطِيّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ فَلَا يَكُونُ صَحَابِيًّا ( قَوْلُهُ : مُؤْمِنًا ) أَيْ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ فَقَطْ ( قَوْلُهُ : وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ ) خَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ 17 عَلَى رِدَّتِهِ كَابْنِ خَطَلٍ وَاعْتُرِضَ هَذَا الْقَيْدُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الصُّحْبَةَ لَا تَتَحَقَّقُ لِأَحَدٍ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ قَيْدٌ فَتَنْتَفِي الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَائِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَعَدَمُ وَصْفِ الْمُرْتَدِّ بِهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ أَحْبَطَتْهَا بَعْدَ وُجُودِهَا كَالْإِيمَانِ سَوَاءً ( قَوْلُهُ : : الصَّادِقُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ) أَيْ فَيَشْمَلُ بَنَاتِهِ الْأَرْبَعَ فَاطِمَةَ وَرُقَيَّةَ وَزَيْنَبَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَأَوْلَادَهُ الذُّكُورَ الثَّلَاثَةَ الْقَاسِمَ وَعَبْدَ اللَّهِ وَإِبْرَاهِيمَ ، وَأَمَّا الطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ فَهُمَا لَقَبَانِ لِعَبْدِ اللَّهِ وَكُلُّ أَوْلَادِهِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ خَدِيجَةَ إلَّا إبْرَاهِيمَ ; لِأَنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ وَيَشْمَلُ جَمِيعَ أَوْلَادِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا ( قَوْلُهُ : أَيْ أَكْثَرُهَا ثَوَابًا ) أَيْ وَمَنَاقِبُ أَيْ مَفَاخِرُ وَكَمَالَاتٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ أَكْثَرِيَّةُ الْمَنَاقِبِ ( قَوْلُهُ : هِيَ ظَرْفُ زَمَانٍ هُنَا ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْمَعْنَى مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَيْ فِي الزَّمَانِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ فَأَقُولُ قَدْ سَأَلَنِي إلَخْ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ هُنَا عَنْهَا فِي قَوْلِك دَارُ زَيْدٍ بَعْدَ دَارِ عَمْرٍو فَإِنَّهَا ظَرْفُ مَكَان هَذَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هُنَا ظَرْفَ مَكَان بِاعْتِبَارِ الرَّقْمِ وَالْمَعْنَى مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي رُسِمَتْ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ فَأَقُولُ قَدْ سَأَلَنِي إلَخْ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْلُهَا هُنَا ظَرْفَ زَمَانٍ بِاعْتِبَارِ النُّطْقِ وَظَرْفَ مَكَان بِاعْتِبَارِ الرَّقَمِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ : لَفْظًا لَا مَعْنًى ) أَيْ فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْمَعْنَى ( قَوْلُهُ : وَلِذَا بُنِيَتْ عَلَى الضَّمِّ ) أَيْ وَلِأَجْلِ إضَافَتِهَا فِي الْمَعْنَى بُنِيَتْ لِأَدَائِهَا لِمَعْنَى الْإِضَافَةِ الَّذِي هُوَ نِسْبَةُ جُزْئِيَّةٍ حَقُّهَا أَنْ تُؤَدَّى بِالْحَرْفِ فَالْبِنَاءُ لِلشَّبَهِ الْمَعْنَوِيِّ ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الشَّارِحِ أَنَّ مَا ذُكِرَ عِلَّةً لِلْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا ذُكِرَ عِلَّةً لِلْبِنَاءِ ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ فِي كَوْنِهِ عَلَى الضَّمِّ فَهُوَ تَكْمِيلُ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ لَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي حَالَةِ إعْرَابِهَا إمَّا أَنْ تُنْصَبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ تُجَرَّ بِمِنْ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ مَضْمُومَةً فِي حَالِ بِنَائِهَا لِأَجْلِ أَنْ تُسْتَوْفَى الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ وَالْعِلَّةُ فِي كَوْنِ الْبِنَاءِ عَلَى حَرَكَةِ التَّخَلُّصِ مِنْ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ( قَوْلُهُ : : وَالْوَاوُ نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا ) أَيْ وَأَمَّا نَائِبَةٌ عَنْ مَهْمَا وَيَكُنْ فَالْعِبَارَةُ فِيهَا حَذْفٌ بِدَلِيلِ التَّفْسِيرِ الَّذِي بَعْدَهُ ( قَوْلُهُ : أَيْ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ إلَخْ ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ بَعْدَ مِنْ مَعْمُولَاتِ الشَّرْطِ ، وَالْأَحْسَنُ جَعْلُهَا مَعْمُولَةً لِلْجَزَاءِ وَالْمَعْنَى مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَأَقُولُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ قَدْ سَأَلَنِي فَيَكُونُ الْجَزَاءُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ الْمَذْكُورُ مُعَلَّقًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا ، وَالدُّنْيَا مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ شَيْءٍ فِيهَا فَيَكُونُ الْجَوَابُ مُعَلَّقًا عَلَى مُحَقَّقٍ وَالْمُعَلَّقُ عَلَى مُحَقَّقٍ مُحَقَّقٌ بِخِلَافِ جَعْلِهَا مَعْمُولَةً لِلشَّرْطِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَوَابَ مُعَلَّقٌ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ غَيْرُ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ ( قَوْلُهُ : بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ ) أَيْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ إلَيْهِ وَنَوَى مَعْنَاهُ وَبَنَى الظَّرْفَ عَلَى الضَّمِّ وَحُذِفَتْ مَهْمَا وَيَكُنْ وَأُقِيمَتْ مَا مَقَامَهُمَا ثُمَّ حُذِفَتْ أَمَّا وَأُقِيمَتْ الْوَاوُ مَقَامَهَا ( قَوْلُهُ : أَيْ فَأَقُولُ إلَخْ ) إنَّمَا قَدَّرَهُ ; لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاقِعٍ إذْ لَا صِحَّةَ لِتَعْلِيقِ الْوَاقِعِ وَكَوْنُهُ قَدْ سَأَلَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَصَرًا 18 أَمْرٌ وَاقِعِيٌّ فَلَا صِحَّةَ لِتَعْلِيقِهِ وَجَعْلِهِ جَوَابًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ قَدْ سَأَلَنِي مَقُولَةً لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هُوَ الْجَوَابُ لَا أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ الْجَوَابُ لِمَا عَلِمْت ( قَوْلُهُ : الْأَثَرُ ) أَيْ الْعَلَامَةُ ( قَوْلُهُ : أَرَادَ بِهَا أَدِلَّةَ التَّحْقِيقِ ) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ ( قَوْلُهُ : أَوْ أَتَى بِهِ إلَخْ ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى إثْبَاتِ الْمَسْأَلَةِ بِالدَّلِيلِ وَعَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهَا دَلِيلٌ ( قَوْلُهُ : وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا كَانَ حَقًّا ) أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ
( قَوْلُهُ : اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ ) تَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ شَبَّهْت الْأَدِلَّةَ بِالْمَعَالِمِ أَيْ الْعَلَامَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا بِجَامِعِ التَّوَصُّلِ بِكُلٍّ لِلْمَقْصُودِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرِّحَةِ وَالْمَعْنَى أَظْهَرَ اللَّهُ لِي وَلَهُمْ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ الْحَقَّةِ الْمُطَابِقَةِ لِلْوَاقِعِ .
لَا يُقَالُ : إنَّ هَذِهِ رُتْبَةُ الْمُجْتَهِدِ لَا الْمُقَلِّدِ وَالْمُصَنِّفُ مُقَلِّدٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ لَا إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ الْمُقَرَّرَةِ بِأَدِلَّتِهَا وَالْمُصَنِّفُ سَأَلَ ظُهُورَ الْأَدِلَّةِ لِأَجْلِ أَنْ يُثْبِتَ بِهَا الْأَحْكَامَ الْمُقَرَّرَةَ ( قَوْلُهُ : بِطَرِيقِ سُلُوكِ ) أَيْ ذَاتِ مَعَالِمَ ( قَوْلُهُ : وَسَلَكَ بِنَا إلَخْ ) السُّلُوكُ هُوَ الذَّهَابُ وَالسَّيْرُ فِي الْأَرْضِ اسْتَعَارَهُ هُنَا لِلتَّوْفِيقِ أَيْ وَوَفَّقَنَا وَإِيَّاهُمْ إلَى الطَّرِيقِ الْأَحْسَنِ الْمُوصِلَةِ لِرِضَاهُ تَعَالَى أَيْ خَلَقَ فِينَا وَفِيهِمْ قُدْرَةً عَلَى ارْتِكَابِ أَحْسَنِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إلَى رِضَاهُ وَقَالَ شَيْخُنَا فِي الْحَاشِيَةِ جُمْلَةُ وَسَلَكَ إلَخْ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى وَالْمَعْنَى اللَّهُمَّ اُسْلُكْ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ إلَّا أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وَهُوَ كَوْنُ الْمَوْلَى يَذْهَبُ مَعَهُمْ فِي الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ الْأَنْفَعِ غَيْرُ مُرَادٍ ; لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ وَتَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ شَبَّهَ صَرْفَ اللَّهِ إرَادَتَهُمْ لِلْوَجْهِ الْأَنْفَعِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ بِسُلُوكِهِ مَعَهُمْ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ عَلَى فَرْضِ تَحَقُّقِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَاشْتُقَّ مِنْ السُّلُوكِ سَلَكَ بِمَعْنَى اُسْلُكْ مُرَادًا بِهِ صَرْفُ إرَادَتِنَا لِلْوَجْهِ الْأَنْفَعِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ ( قَوْلُهُ : أَنْفَعَ طَرِيقٍ ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَلَا يُقَالُ أَنْفَعَ لَيْسَ بِظَرْفٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ ; لِأَنَّ الظَّرْفَ اسْمُ الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ الْمُضَمَّنِ مَعْنَى فِي بِاطِّرَادٍ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا أُضِيفَ أَفْعَلُ إلَى ظَرْفِ الْمَكَانِ كَانَ بَعْضُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ ( قَوْلُهُ : أَيْ طَرِيقًا أَنْفَعَ ) أَيْ فِي طَرِيقٍ أَنْفَعَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَنْفَعَ طَرِيقٍ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَارْتَكَبَهَا الْمُصَنِّفُ مَعَ كَوْنِهَا خِلَافَ الْأَصْلِ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ ( قَوْلُهُ : تَأْلِيفًا ) قَدَّرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ مُخْتَصَرًا صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ ( قَوْلُهُ : وَالِاخْتِصَارُ إلَخْ ) وَعَلَى هَذَا فَالْمُخْتَصَرُ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ وَيُقَابِلُهُ الْمُطَوَّلُ وَهُوَ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَعَلَى هَذَا فَمَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَقَلَّ مَعْنَاهُ أَوْ قَلَّ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمُخْتَصَرِ وَالْمُطَوَّلِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ 19 لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْمُخْتَصَرَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ أَمْ لَا وَأَنَّ الْمُطَوَّلَ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ كَثُرَ مَعْنَاهُ أَوْ قَلَّ فَقَوْلُ الشَّارِحِ الِاخْتِصَارُ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ مَعَ كَثْرَةِ الْمَعْنَى هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَثُرَ الْمَعْنَى أَمْ لَا ( قَوْلُهُ : أَيْ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ ) أَشَارَ إلَى أَنَّ عَلَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّف بِمَعْنَى فِي وَأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ مَثَلًا عِبَارَةٌ عَمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَيْ الَّتِي بَذَلَ وُسْعَهُ فِي تَحْصِيلِهَا فَالْأَحْكَامُ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ لَا تُعَدُّ مِنْ مَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَفِي ح عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَلْ يُقَالُ فِي أَقْوَالِ الْأَصْحَابِ : إنَّهَا مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ فَقَالَ : إنْ كَانَ الْمُسْتَخْرِجُ لَهَا عَارِفًا بِقَوَاعِدِ إمَامِهِ وَأَحْسَنَ مُرَاعَاتَهَا صَحَّ نِسْبَتُهَا لِلْإِمَامِ وَجَعْلُهَا مِنْ مَذْهَبِهِ وَإِلَّا نُسِبَتْ لِقَائِلِهَا ( قَوْلُهُ : إمَامُ الْأَئِمَّةِ ) أَمَّا إمَامَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فَظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَخَذَ عَنْهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ أُسْتَاذِي وَعَنْهُ أَخَذْت الْعِلْمَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ قَدْ أَخَذَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ أَلَّفَ السُّيُوطِيّ تَزْيِينَ الْمَمَالِكِ بِتَرْجَمَةِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَثْبَتَ فِيهِ أَخْذَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْهُ قَالَ وَأَلَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ .
( قَوْلُهُ : ابْنُ مَالِكٍ ) أَيْ بْنُ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ غَيْمَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلُهُ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ابْنُ خُثَيْمٍ بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرًا أَوَّلُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَيُقَالُ أَيْضًا بِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ( قَوْلُهُ : : الْأَصْبَحِيُّ ) نِسْبَةٌ لِذِي أَصْبَحَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ فَهُوَ مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ ; لِأَنَّ أَذْوَاءَ الْيَمَنِ التَّبَابِعَةَ كَذِي يَزِنَ كَمَا فِي طفى يَزِيدُونَ لِلْمَلِكِ مِنْهُمْ فِي عِلْمِهِ ذُو تَعْظِيمًا كَذِي يَزِنَ أَيْ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ وَلَمَّا كَانَتْ بُيُوتُ الْمُلُوكِ مِنْ أَصْبَحَ زَادُوا فِيهَا ذُو وَقَالُوا ذُو أَصْبَحَ وَكَانَ أَنَسٌ وَالِدُ الْإِمَامِ فَقِيهًا وَكَانَ جَدُّهُ مَالِكٌ مِنْ التَّابِعِينَ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ حَمَلُوا عُثْمَانَ إلَى قَبْرِهِ لَيْلًا وَدَفَنُوهُ فِي الْبَقِيعِ
وَأَبُو عَامِرٍ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْمَغَازِيَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بَدْرًا وَالْإِمَامُ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ وَقِيلَ : إنَّهُ تَابِعِيٌّ ; لِأَنَّهُ أَدْرَكَ عَائِشَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدْ قِيلَ بِصُحْبَتِهَا لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ صَحَابِيَّةً وَحَمَلَتْ أُمُّ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَهِيَ الْعَالِيَةُ بِنْتُ شَرِيكٍ الْأَزْدِيَّةُ بِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى الْأَشْهَرِ بِذِي الْمَرْوَةِ مَوْضِعٌ بِمَسَاجِدِ تَبُوكَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَكَانَ وِلَادَتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَوَفَاتُهُ سَنَةَ مِائَةٍ وَتِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَكَانَ عُمْرُهُ تِسْعًا وَثَمَانِينَ ( قَوْلُهُ : نَعْتٌ ثَانٍ لِمُخْتَصَرٍ ) لَكِنَّ إسْنَادَ الْبَيَانِ لَهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ ; لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ فِيهِ لَا مُبَيِّنٌ وَيَصِحُّ جَعْلُهُ حَالًا مِنْ يَاءِ 20 سَأَلَنِي أَيْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ تَأْلِيفًا مُخْتَصَرًا حَالَةَ كَوْنِي مُبَيِّنًا لَهُمْ فِيهِ الْقَوْلَ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَذْكُورِ
( قَوْلُهُ : لِمَا بِهِ الْفَتْوَى ) فِيهِ أَنَّ مَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ كُلَّ قَوْلٍ بِهِ الْفَتْوَى ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ هَذَا إخْبَارٌ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْزِمُ عَلَى أَمْرٍ وَلَا يَتِمُّ لَهُ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ لِنِسْيَانٍ أَوْ نَحْوِهِ ( قَوْلُهُ : أَوْ الْمُرَجَّحَ ) أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ ; لِأَنَّ مَا بِهِ الْفَتْوَى إمَّا مَشْهُورٌ فَقَطْ أَوْ رَاجِحٌ فَقَطْ أَوْ مَشْهُورٌ وَرَاجِحٌ وَالْمُرَجَّحُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَقْوَالٌ قِيلَ إنَّهُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى الرَّاجِحِ وَقِيلَ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ إنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ الْفَتْوَى إنَّمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَوْ الرَّاجِحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الشَّاذُّ وَالْمُرَجَّحُ أَيْ الضَّعِيفُ فَلَا يُفْتَى بِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا الْحُكْمُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ بَلْ يُقَدَّمُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْغَيْرِ قَوِيَ فِي مَذْهَبِهِ كَذَا قَالَ الْأَشْيَاخُ وَذَكَرَ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ جَوَازَ الْعَمَلِ بِالشَّاذِّ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ وَأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ وَالْأَوَّلُ هُوَ اخْتِيَارُ الْمِصْرِيِّينَ وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْمَغَارِبَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَفِي ح أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ شَيْئًا وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ضَمِنَ إنْ انْتَصَبَ وَتَوَلَّى فِعْلَ مَا أَفْتَى فِيهِ وَإِلَّا كَانَتْ فَتْوَاهُ غُرُورًا قَوْلِيًّا لَا ضَمَانَ فِيهِ وَيُزْجَرُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ أُدِّبَ وَتَجُوزُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْفُتْيَا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ زَرُّوقٍ قَدْ سَمِعْت بِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ أَفْتَى بِأَنَّ مَنْ أَفْتَى مِنْ التَّقَايِيدِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَاسْتَظْهَرَ ح حَمْلَهُ عَلَى التَّقَايِيدِ الْمُخَالِفَةِ لِلنُّصُوصِ أَوْ الْقَوَاعِدِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا التَّقَايِيدُ الْمَنْقُولَةُ مِنْ الشُّرَّاحِ وَالنُّصُوصِ فَيَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِنْهَا قَطْعًا ، فَإِنْ جَهِلَ حَالَ تِلْكَ التَّقَايِيدِ فَقَالَ فِي عج الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُعَدُّ نَقْلًا عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ وَفِي شب يَمْتَنِعُ تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ وَفَسَّرَهَا بِمَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ مِنْ مُخَالِفِ النَّصِّ وَجَلِيِّ الْقِيَاسِ وَقَالَ غَيْرُهُ : إنَّ الْمُرَادَ بِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ رَفْعُ مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ بِاتِّبَاعِ كُلِّ سَهْلٍ وَفِيهِ أَيْضًا امْتِنَاعُ التَّلْفِيقِ وَاَلَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْ شَيْخِنَا نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ وَهُوَ فُسْحَةٌ ا هـ وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي التَّلْفِيقِ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ مَذْهَبَيْنِ طَرِيقَتَانِ : الْمَنْعُ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمَصَارِوَةِ وَالْجَوَازُ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمَغَارِبَةِ وَرُجِّحَتْ .
( قَوْلُهُ : فَأَجَبْت سُؤَالَهُمْ ) أَيْ بِوَضْعِ جَمِيعِ التَّأْلِيفِ إنْ كَانَتْ الْخُطْبَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ إنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً وَلَيْسَ قَوْلُهُ : بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ مُعَيَّنًا أَنَّ الْإِجَابَةَ بِالشُّرُوعِ لِصِدْقِهِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ ; لِأَنَّ بَعْدَ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ ( قَوْلُهُ : بَلْ أَتَى بِهِ ) أَيْ بِمَا سَأَلُوهُ ( قَوْلُهُ : : أَيْ بَعْدَ طَلَبِ الْخِيَرَةِ ) أَيْ بَعْدَ طَلَبِ مَا فِيهِ خَيْرٌ أَيْ طَلَبِ بَيَانٍ مَا هُوَ خَيْرٌ لِي وَأَوْلَى لِي هَلْ الِاشْتِغَالُ بِتَأْلِيفِ مُخْتَصَرٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ أَوْ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهِ مِنْ أَوْجَهِ الطَّاعَاتِ ( قَوْلُهُ : وَطَلَبُهَا ) أَيْ وَطَلَبُ بَيَانِهَا ( قَوْلُهُ : : بِصَلَاتِهَا إلَخْ ) أَيْ بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْكَافِرُونَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَفِي الثَّانِيَة الْإِخْلَاصَ كَذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهُمَا يَسْتَغْفِرُ 21 اللَّهَ نَحْوَ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ ، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنْهُ وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ وَرَضِّنِي بِهِ ا هـ وَقَوْلُهُ : إنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ أَيْ الْمُلَاحَظُ فِي ذِهْنِهِ ، وَإِنْ شَاءَ صَرَّحَ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ثُمَّ إذَا فَرَغَ مِنْ عَمَلِ الِاسْتِخَارَةِ فَكُلُّ مَا انْشَرَحَ لَهُ صَدْرُهُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مَضَى إلَيْهِ ( قَوْلُهُ : : لِيَقِفَ النَّاظِرُ عَلَيْهِ ) أَيْ لِيَقِفَ عَلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ النَّاظِرُ فِي كِتَابِهِ ( قَوْلُهُ : مُقَدَّرَةٌ ) أَيْ لَا مُقَارَنَةٌ ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَيْسَتْ مُقَارِنَةً لِإِجَابَتِهِمْ بِالشُّرُوعِ فِي التَّأْلِيفِ
( قَوْلُهُ : وَنَحْوِهِ إلَخْ ) إشَارَةً إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفَ الْوَاوِ مَعَ مَا عُطِفَتْ ( قَوْلُهُ : مِنْ كُلِّ ضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ غَائِبٍ ) أَيْ مِثْلُ أُقِيمُ مِنْهَا وَظَاهِرُهَا وَحُمِلَتْ وَقُيِّدَتْ ( قَوْلُهُ : : أَوْ إنَّهُ إلَخْ ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِفِيهَا عَنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ وَصَحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهَا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ لِتَقَرُّرِهَا فِي أَذْهَانِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ حَتَّى قَالَ مَشَايِخُهُمْ : إنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ تُجْزِي عَنْ غَيْرِهَا وَلَا يُجْزِي غَيْرُهَا عَنْهَا ( قَوْلُهُ : : الَّتِي هِيَ الْأُمُّ ) أَيْ لِكُتُبِ الْمَذْهَبِ أَوْ لِلْمَذْهَبِ نَفْسِهِ ( قَوْلُهُ : مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ ) أَيْ مَا رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ ( قَوْلُهُ : وَمَا قَالَهُ ) أَيْ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ اجْتِهَادِهِ ( قَوْلُهُ : أَيْ بِمَادَّةٍ أَوَّلَ ) أَيْ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ تَأْوِيلَانِ وَتَأْوِيلَاتٌ ( قَوْلُهُ : الْمُؤَدَّى ) نَعْتٌ لِمَوْضِعٍ وَقَوْلُهُمْ كُلٌّ أَيْ مِنْ الشُّرَّاحِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ فَاعِلٌ بِالْمُؤَدَّى وَقَوْلُهُ : لَهُ أَيْ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَوْلُهُ : إلَى خِلَافٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُؤَدَّى ( قَوْلُهُ : وَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ ) أَيْ بِذَلِكَ الْفَهْمِ ( قَوْلُهُ : وَيَصِيرُ ) أَيْ ذَلِكَ الْفَهْمُ وَقَوْله بِكُلٍّ أَيْ 22 مِنْ الْفَهْمَيْنِ ( قَوْلُهُ : بَلْ يَجُوزُ ) أَيْ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ كَانَ مَوْجُودًا ، وَالْأَغْلَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ مَوْجُودٍ ( قَوْلُهُ : مُلْتَبِسَةً بِصِيغَةِ الْفِعْلِ ) أَيْ مِنْ الْتِبَاسِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ
وَأَمَّا عَرَبِيَّةُ يَعْرُبَ وَقَحْطَانَ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَجُرْهُمَ فَكَانَتْ قَبْلَ إسْمَاعِيلَ كَذَا فِي حَاشِيَةِ شَيْخِنَا ( قَوْلُهُ : فِيهِ مِنْ الضَّبْطِ مَا فِي الْعَرَبِ ) أَيْ لَكِنَّ الْأَوْلَى إذَا اقْتَرَنَا فَتْحُهُمَا أَوْ ضَمُّهُمَا لِلْمُشَاكَلَةِ ، وَأَمَّا فَتْحُ الْأَوَّلِ وَضَمُّ الثَّانِي أَوْ الْعَكْسُ فَهُوَ ، وَإِنْ جَازَ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى ( قَوْلُهُ : لِأَنَّ سَائِرًا قَدْ يَأْتِي لَهُ ) أَيْ لِجَمِيعٍ أَيْ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنَى جَمِيعٍ أَخْذًا لَهُ مِنْ سُورِ الْبَلَدِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِهَا وَظَاهِرُ إتْيَانِهِ بِقَدْ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بِمَعْنَى جَمِيعٍ مَجَازٌ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الْقَامُوسِ السَّائِرُ الْبَاقِي لَا الْجَمِيعُ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ ا هـ ، وَقَوْلُهُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لَهُ أَيْ مَجَازًا كَمَا هُوَ قَاعِدَتُهُ
( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مَعْنَاهُ بَاقِيَ ) أَيْ لِأَخْذِهِ مِنْ السُّؤْرِ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى الْبَقِيَّةِ ، وَيَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا أَيْضًا ; لِأَنَّ أُمَّتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَقِيَّةُ الْأُمَمِ أَيْ الطَّوَائِفِ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ مَضَى قَبْلَهَا وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْمُصَنِّفُ الْتَفَتَ لِمَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُبَاشَرَةً بِاعْتِبَارِ عَالَمِ الْأَجْسَامِ ، وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ جَمِيعُ الْأُمَمِ فَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْبَعْثُ بِالْجِسْمِ لِلْجِسْمِ أَيْضًا وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْأُمَمِ طَوَائِفَ أُمَّتِهِ وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ جَمِيعُ الْأُمَمِ حَتَّى السَّابِقِينَ وَيُرَادُ بِالْبَعْثِ مَا يَشْمَلُ الْبَعْثَ بِالرُّوحِ ; لِأَنَّ رُوحَهُ الشَّرِيفَةَ أُرْسِلَتْ لِأَرْوَاحِ مَنْ سَبَقَ وَهَذَا مَعْنَى مَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ نُوَّابُهُ ( قَوْلُهُ : وَالْمُرَادُ بِهِمْ ) أَيْ بِجَمِيعِ الْأُمَمِ الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ ( قَوْلُهُ : وَغَيْرُهُمْ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ وَهُوَ قَوْلٌ وَعَلَيْهِ فَإِرْسَالُهُ إلَيْهِمْ رِسَالَةَ تَشْرِيفٍ وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَيُفِيدُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مُكَلَّفُونَ وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ وَارْتَضَاهُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ وَعَلَيْهِ فَتَكْلِيفُهُمْ إنَّمَا هُوَ بِبَعْضِ الْفُرُوعِ الَّتِي تَتَأَتَّى مِنْهُمْ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ لَا الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ ، وَهَذَا أَقْوَى الْقَوْلَيْنِ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا
( قَوْلُهُ : وَعَلَى آلِهِ ) عَطْفٌ عَلَى مُحَمَّدٍ وَفِيهِ إيمَاءٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا لَهُمْ ، وَأَمَّا اسْتِقْلَالًا فَقِيلَ : إنَّهَا خِلَافُ الْأَوْلَى وَقِيلَ حَرَامٌ وَقِيلَ تُكْرَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَأَصْلُ آلِ أَوَلٌ كَجَمَلٍ تَحَرَّكَتْ الْوَاوُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا قُلِبَتْ أَلِفًا وَقِيلَ أَصْلُهُ أَهَلٌ قُلِبَتْ الْهَاءُ هَمْزَةً ثُمَّ الْهَمْزَةُ أَلِفًا وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ ( قَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ ) أَيْ الْآلُ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ إلَخْ ) أَيْ لِأَنَّ أَتْبَاعَهُ هُمْ أُمَّتُهُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ ; لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهَذَا عَنْ قَوْلِهِ وَأُمَّتُهُ ; لِأَنَّ هَذَا وَاقِعٌ فِي مَرْكَزِهِ وَالْمُكَرَّرُ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ هُوَ الْوَاقِعُ بَعْدَ تَأَمُّلٍ ( قَوْلُهُ : عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلَى التَّحْرِيرِ إلَخْ ) أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : إنَّ أَصْحَابَ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَجَمْعٍ لَهُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّحْرِيرَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَشَ يَتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ جَمْعٌ لِصَاحِبٍ وَأَنَّ فَاعِلًا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ ، وَالْخِلَافُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ فِي صَحْبٍ فَإِنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَجَمْعٌ لَهُ عِنْدَ الْأَخْفَشِ كَذَا ذَكَرَ شَيْخُنَا ( قَوْلُهُ : بِمَعْنَى الصَّحَابِيِّ ) أَيْ أَنَّ صَاحِبًا الَّذِي هُوَ مُفْرَدُ أَصْحَابٍ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا الصَّحَابِيُّ لَا مُطْلَقُ صَاحِبٍ ( قَوْلُهُ : مَنْ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ إلَخْ ) أَيْ سَوَاءٌ رَآهُ بِبَصَرِهِ أَوْ لَا كَالْعُمْيَانِ ( قَوْلُهُ : : فِي حَيَاتِهِ ) خَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ مَنَامًا أَوْ يَقَظَةً كَالْجَلَالِ السُّيُوطِيّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْمُرْسِيِّ فَلَا يَكُونُ صَحَابِيًّا ( قَوْلُهُ : مُؤْمِنًا ) أَيْ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ فَقَطْ ( قَوْلُهُ : وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ ) خَرَجَ مَنْ اجْتَمَعَ مُؤْمِنًا بِهِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَمَاتَ 17 عَلَى رِدَّتِهِ كَابْنِ خَطَلٍ وَاعْتُرِضَ هَذَا الْقَيْدُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الصُّحْبَةَ لَا تَتَحَقَّقُ لِأَحَدٍ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ; لِأَنَّ الْمَوْتَ قَيْدٌ فَتَنْتَفِي الْحَقِيقَةُ بِانْتِفَائِهِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَعَدَمُ وَصْفِ الْمُرْتَدِّ بِهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ ; لِأَنَّ الرِّدَّةَ أَحْبَطَتْهَا بَعْدَ وُجُودِهَا كَالْإِيمَانِ سَوَاءً ( قَوْلُهُ : : الصَّادِقُ بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ) أَيْ فَيَشْمَلُ بَنَاتِهِ الْأَرْبَعَ فَاطِمَةَ وَرُقَيَّةَ وَزَيْنَبَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَأَوْلَادَهُ الذُّكُورَ الثَّلَاثَةَ الْقَاسِمَ وَعَبْدَ اللَّهِ وَإِبْرَاهِيمَ ، وَأَمَّا الطَّيِّبُ وَالطَّاهِرُ فَهُمَا لَقَبَانِ لِعَبْدِ اللَّهِ وَكُلُّ أَوْلَادِهِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ خَدِيجَةَ إلَّا إبْرَاهِيمَ ; لِأَنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ وَيَشْمَلُ جَمِيعَ أَوْلَادِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا ( قَوْلُهُ : أَيْ أَكْثَرُهَا ثَوَابًا ) أَيْ وَمَنَاقِبُ أَيْ مَفَاخِرُ وَكَمَالَاتٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَثْرَةِ الثَّوَابِ أَكْثَرِيَّةُ الْمَنَاقِبِ ( قَوْلُهُ : هِيَ ظَرْفُ زَمَانٍ هُنَا ) أَيْ وَحِينَئِذٍ فَالْمَعْنَى مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَيْ فِي الزَّمَانِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ فَأَقُولُ قَدْ سَأَلَنِي إلَخْ وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ هُنَا عَنْهَا فِي قَوْلِك دَارُ زَيْدٍ بَعْدَ دَارِ عَمْرٍو فَإِنَّهَا ظَرْفُ مَكَان هَذَا وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هُنَا ظَرْفَ مَكَان بِاعْتِبَارِ الرَّقْمِ وَالْمَعْنَى مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي رُسِمَتْ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَالْحَمْدَلَةُ فَأَقُولُ قَدْ سَأَلَنِي إلَخْ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْلُهَا هُنَا ظَرْفَ زَمَانٍ بِاعْتِبَارِ النُّطْقِ وَظَرْفَ مَكَان بِاعْتِبَارِ الرَّقَمِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ الشَّارِحِ مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ : لَفْظًا لَا مَعْنًى ) أَيْ فِي اللَّفْظِ لَا فِي الْمَعْنَى ( قَوْلُهُ : وَلِذَا بُنِيَتْ عَلَى الضَّمِّ ) أَيْ وَلِأَجْلِ إضَافَتِهَا فِي الْمَعْنَى بُنِيَتْ لِأَدَائِهَا لِمَعْنَى الْإِضَافَةِ الَّذِي هُوَ نِسْبَةُ جُزْئِيَّةٍ حَقُّهَا أَنْ تُؤَدَّى بِالْحَرْفِ فَالْبِنَاءُ لِلشَّبَهِ الْمَعْنَوِيِّ ثُمَّ إنَّ ظَاهِرَ الشَّارِحِ أَنَّ مَا ذُكِرَ عِلَّةً لِلْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَا ذُكِرَ عِلَّةً لِلْبِنَاءِ ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ فِي كَوْنِهِ عَلَى الضَّمِّ فَهُوَ تَكْمِيلُ الْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ لَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي حَالَةِ إعْرَابِهَا إمَّا أَنْ تُنْصَبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ تُجَرَّ بِمِنْ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ مَضْمُومَةً فِي حَالِ بِنَائِهَا لِأَجْلِ أَنْ تُسْتَوْفَى الْحَرَكَاتُ الثَّلَاثُ وَالْعِلَّةُ فِي كَوْنِ الْبِنَاءِ عَلَى حَرَكَةِ التَّخَلُّصِ مِنْ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ( قَوْلُهُ : : وَالْوَاوُ نَائِبَةٌ عَنْ أَمَّا ) أَيْ وَأَمَّا نَائِبَةٌ عَنْ مَهْمَا وَيَكُنْ فَالْعِبَارَةُ فِيهَا حَذْفٌ بِدَلِيلِ التَّفْسِيرِ الَّذِي بَعْدَهُ ( قَوْلُهُ : أَيْ مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ إلَخْ ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ بَعْدَ مِنْ مَعْمُولَاتِ الشَّرْطِ ، وَالْأَحْسَنُ جَعْلُهَا مَعْمُولَةً لِلْجَزَاءِ وَالْمَعْنَى مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ فَأَقُولُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ قَدْ سَأَلَنِي فَيَكُونُ الْجَزَاءُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ الْمَذْكُورُ مُعَلَّقًا عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا ، وَالدُّنْيَا مَا دَامَتْ مَوْجُودَةً لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ شَيْءٍ فِيهَا فَيَكُونُ الْجَوَابُ مُعَلَّقًا عَلَى مُحَقَّقٍ وَالْمُعَلَّقُ عَلَى مُحَقَّقٍ مُحَقَّقٌ بِخِلَافِ جَعْلِهَا مَعْمُولَةً لِلشَّرْطِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَوَابَ مُعَلَّقٌ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ غَيْرُ مُحَقَّقِ الْوُقُوعِ ( قَوْلُهُ : بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ ) أَيْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ إلَيْهِ وَنَوَى مَعْنَاهُ وَبَنَى الظَّرْفَ عَلَى الضَّمِّ وَحُذِفَتْ مَهْمَا وَيَكُنْ وَأُقِيمَتْ مَا مَقَامَهُمَا ثُمَّ حُذِفَتْ أَمَّا وَأُقِيمَتْ الْوَاوُ مَقَامَهَا ( قَوْلُهُ : أَيْ فَأَقُولُ إلَخْ ) إنَّمَا قَدَّرَهُ ; لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَاقِعٍ إذْ لَا صِحَّةَ لِتَعْلِيقِ الْوَاقِعِ وَكَوْنُهُ قَدْ سَأَلَهُ جَمَاعَةٌ مُخْتَصَرًا 18 أَمْرٌ وَاقِعِيٌّ فَلَا صِحَّةَ لِتَعْلِيقِهِ وَجَعْلِهِ جَوَابًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ جُمْلَةَ قَوْلِهِ قَدْ سَأَلَنِي مَقُولَةً لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ هُوَ الْجَوَابُ لَا أَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَذْكُورَةَ هِيَ الْجَوَابُ لِمَا عَلِمْت ( قَوْلُهُ : الْأَثَرُ ) أَيْ الْعَلَامَةُ ( قَوْلُهُ : أَرَادَ بِهَا أَدِلَّةَ التَّحْقِيقِ ) أَيْ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ ( قَوْلُهُ : أَوْ أَتَى بِهِ إلَخْ ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ التَّحْقِيقَ يُطْلَقُ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى إثْبَاتِ الْمَسْأَلَةِ بِالدَّلِيلِ وَعَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ ، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ لَهَا دَلِيلٌ ( قَوْلُهُ : وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا كَانَ حَقًّا ) أَيْ مِنْ الْأَحْكَامِ
( قَوْلُهُ : اسْتِعَارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ ) تَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ شَبَّهْت الْأَدِلَّةَ بِالْمَعَالِمِ أَيْ الْعَلَامَاتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا بِجَامِعِ التَّوَصُّلِ بِكُلٍّ لِلْمَقْصُودِ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرِّحَةِ وَالْمَعْنَى أَظْهَرَ اللَّهُ لِي وَلَهُمْ أَدِلَّةَ الْأَحْكَامِ الْحَقَّةِ الْمُطَابِقَةِ لِلْوَاقِعِ .
لَا يُقَالُ : إنَّ هَذِهِ رُتْبَةُ الْمُجْتَهِدِ لَا الْمُقَلِّدِ وَالْمُصَنِّفُ مُقَلِّدٌ ; لِأَنَّا نَقُولُ الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ لَا إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ الْمُقَرَّرَةِ بِأَدِلَّتِهَا وَالْمُصَنِّفُ سَأَلَ ظُهُورَ الْأَدِلَّةِ لِأَجْلِ أَنْ يُثْبِتَ بِهَا الْأَحْكَامَ الْمُقَرَّرَةَ ( قَوْلُهُ : بِطَرِيقِ سُلُوكِ ) أَيْ ذَاتِ مَعَالِمَ ( قَوْلُهُ : وَسَلَكَ بِنَا إلَخْ ) السُّلُوكُ هُوَ الذَّهَابُ وَالسَّيْرُ فِي الْأَرْضِ اسْتَعَارَهُ هُنَا لِلتَّوْفِيقِ أَيْ وَوَفَّقَنَا وَإِيَّاهُمْ إلَى الطَّرِيقِ الْأَحْسَنِ الْمُوصِلَةِ لِرِضَاهُ تَعَالَى أَيْ خَلَقَ فِينَا وَفِيهِمْ قُدْرَةً عَلَى ارْتِكَابِ أَحْسَنِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إلَى رِضَاهُ وَقَالَ شَيْخُنَا فِي الْحَاشِيَةِ جُمْلَةُ وَسَلَكَ إلَخْ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى وَالْمَعْنَى اللَّهُمَّ اُسْلُكْ بِنَا وَبِهِمْ أَنْفَعَ طَرِيقٍ إلَّا أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وَهُوَ كَوْنُ الْمَوْلَى يَذْهَبُ مَعَهُمْ فِي الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ الْأَنْفَعِ غَيْرُ مُرَادٍ ; لِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ وَتَقْرِيرُهَا أَنْ يُقَالَ شَبَّهَ صَرْفَ اللَّهِ إرَادَتَهُمْ لِلْوَجْهِ الْأَنْفَعِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ بِسُلُوكِهِ مَعَهُمْ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ عَلَى فَرْضِ تَحَقُّقِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِيلًا وَاسْتَعَارَ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبَّهِ وَاشْتُقَّ مِنْ السُّلُوكِ سَلَكَ بِمَعْنَى اُسْلُكْ مُرَادًا بِهِ صَرْفُ إرَادَتِنَا لِلْوَجْهِ الْأَنْفَعِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ ( قَوْلُهُ : أَنْفَعَ طَرِيقٍ ) نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ وَلَا يُقَالُ أَنْفَعَ لَيْسَ بِظَرْفٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ ; لِأَنَّ الظَّرْفَ اسْمُ الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ الْمُضَمَّنِ مَعْنَى فِي بِاطِّرَادٍ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا أُضِيفَ أَفْعَلُ إلَى ظَرْفِ الْمَكَانِ كَانَ بَعْضُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ ( قَوْلُهُ : أَيْ طَرِيقًا أَنْفَعَ ) أَيْ فِي طَرِيقٍ أَنْفَعَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ أَنْفَعَ طَرِيقٍ مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ وَارْتَكَبَهَا الْمُصَنِّفُ مَعَ كَوْنِهَا خِلَافَ الْأَصْلِ رِعَايَةً لِلسَّجْعِ ( قَوْلُهُ : تَأْلِيفًا ) قَدَّرَهُ إشَارَةً إلَى أَنَّ مُخْتَصَرًا صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ ( قَوْلُهُ : وَالِاخْتِصَارُ إلَخْ ) وَعَلَى هَذَا فَالْمُخْتَصَرُ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ وَيُقَابِلُهُ الْمُطَوَّلُ وَهُوَ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَعَلَى هَذَا فَمَا كَثُرَ لَفْظُهُ وَقَلَّ مَعْنَاهُ أَوْ قَلَّ لَفْظُهُ وَمَعْنَاهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْمُخْتَصَرِ وَالْمُطَوَّلِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ 19 لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ الْمُخْتَصَرَ مَا قَلَّ لَفْظُهُ وَكَثُرَ مَعْنَاهُ أَمْ لَا وَأَنَّ الْمُطَوَّلَ مَا كَثُرَ لَفْظُهُ كَثُرَ مَعْنَاهُ أَوْ قَلَّ فَقَوْلُ الشَّارِحِ الِاخْتِصَارُ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ مَعَ كَثْرَةِ الْمَعْنَى هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ تَقْلِيلُ اللَّفْظِ مُطْلَقًا أَيْ سَوَاءٌ كَثُرَ الْمَعْنَى أَمْ لَا ( قَوْلُهُ : أَيْ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ ) أَشَارَ إلَى أَنَّ عَلَى فِي كَلَامِ الْمُصَنِّف بِمَعْنَى فِي وَأَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ مَثَلًا عِبَارَةٌ عَمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَيْ الَّتِي بَذَلَ وُسْعَهُ فِي تَحْصِيلِهَا فَالْأَحْكَامُ الَّتِي نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهَا فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ لَا تُعَدُّ مِنْ مَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَفِي ح عِنْدَ قَوْلِهِ وَبِالتَّرَدُّدِ لِتَرَدُّدِ الْمُتَأَخِّرِينَ سُئِلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَلْ يُقَالُ فِي أَقْوَالِ الْأَصْحَابِ : إنَّهَا مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ فَقَالَ : إنْ كَانَ الْمُسْتَخْرِجُ لَهَا عَارِفًا بِقَوَاعِدِ إمَامِهِ وَأَحْسَنَ مُرَاعَاتَهَا صَحَّ نِسْبَتُهَا لِلْإِمَامِ وَجَعْلُهَا مِنْ مَذْهَبِهِ وَإِلَّا نُسِبَتْ لِقَائِلِهَا ( قَوْلُهُ : إمَامُ الْأَئِمَّةِ ) أَمَّا إمَامَتُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ فَظَاهِرَةٌ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَخَذَ عَنْهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ أُسْتَاذِي وَعَنْهُ أَخَذْت الْعِلْمَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ قَدْ أَخَذَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ فَقَدْ أَلَّفَ السُّيُوطِيّ تَزْيِينَ الْمَمَالِكِ بِتَرْجَمَةِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَأَثْبَتَ فِيهِ أَخْذَ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْهُ قَالَ وَأَلَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ جُزْءًا فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مَالِكٍ .
( قَوْلُهُ : ابْنُ مَالِكٍ ) أَيْ بْنُ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ غَيْمَانَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ أَوَّلُهُ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ابْنُ خُثَيْمٍ بِالْمُثَلَّثَةِ مُصَغَّرًا أَوَّلُهُ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ وَيُقَالُ أَيْضًا بِالْجِيمِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ( قَوْلُهُ : : الْأَصْبَحِيُّ ) نِسْبَةٌ لِذِي أَصْبَحَ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ فَهُوَ مِنْ بُيُوتِ الْمُلُوكِ ; لِأَنَّ أَذْوَاءَ الْيَمَنِ التَّبَابِعَةَ كَذِي يَزِنَ كَمَا فِي طفى يَزِيدُونَ لِلْمَلِكِ مِنْهُمْ فِي عِلْمِهِ ذُو تَعْظِيمًا كَذِي يَزِنَ أَيْ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ وَلَمَّا كَانَتْ بُيُوتُ الْمُلُوكِ مِنْ أَصْبَحَ زَادُوا فِيهَا ذُو وَقَالُوا ذُو أَصْبَحَ وَكَانَ أَنَسٌ وَالِدُ الْإِمَامِ فَقِيهًا وَكَانَ جَدُّهُ مَالِكٌ مِنْ التَّابِعِينَ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ حَمَلُوا عُثْمَانَ إلَى قَبْرِهِ لَيْلًا وَدَفَنُوهُ فِي الْبَقِيعِ
وَأَبُو عَامِرٍ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْمَغَازِيَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بَدْرًا وَالْإِمَامُ مِنْ تَابِعِ التَّابِعِينَ وَقِيلَ : إنَّهُ تَابِعِيٌّ ; لِأَنَّهُ أَدْرَكَ عَائِشَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَقَدْ قِيلَ بِصُحْبَتِهَا لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهَا لَيْسَتْ صَحَابِيَّةً وَحَمَلَتْ أُمُّ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَهِيَ الْعَالِيَةُ بِنْتُ شَرِيكٍ الْأَزْدِيَّةُ بِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى الْأَشْهَرِ بِذِي الْمَرْوَةِ مَوْضِعٌ بِمَسَاجِدِ تَبُوكَ عَلَى ثَمَانِيَةِ بُرُدٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَكَانَ وِلَادَتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ وَوَفَاتُهُ سَنَةَ مِائَةٍ وَتِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَكَانَ عُمْرُهُ تِسْعًا وَثَمَانِينَ ( قَوْلُهُ : نَعْتٌ ثَانٍ لِمُخْتَصَرٍ ) لَكِنَّ إسْنَادَ الْبَيَانِ لَهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ ; لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ فِيهِ لَا مُبَيِّنٌ وَيَصِحُّ جَعْلُهُ حَالًا مِنْ يَاءِ 20 سَأَلَنِي أَيْ سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ تَأْلِيفًا مُخْتَصَرًا حَالَةَ كَوْنِي مُبَيِّنًا لَهُمْ فِيهِ الْقَوْلَ الَّذِي بِهِ الْفَتْوَى مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَذْكُورِ
( قَوْلُهُ : لِمَا بِهِ الْفَتْوَى ) فِيهِ أَنَّ مَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ مَعَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْ كُلَّ قَوْلٍ بِهِ الْفَتْوَى ، وَقَدْ يُقَالُ : إنَّ هَذَا إخْبَارٌ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْزِمُ عَلَى أَمْرٍ وَلَا يَتِمُّ لَهُ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ لِنِسْيَانٍ أَوْ نَحْوِهِ ( قَوْلُهُ : أَوْ الْمُرَجَّحَ ) أَوْ مَانِعَةُ خُلُوٍّ تُجَوِّزُ الْجَمْعَ ; لِأَنَّ مَا بِهِ الْفَتْوَى إمَّا مَشْهُورٌ فَقَطْ أَوْ رَاجِحٌ فَقَطْ أَوْ مَشْهُورٌ وَرَاجِحٌ وَالْمُرَجَّحُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ أَقْوَالٌ قِيلَ إنَّهُ مَا قَوِيَ دَلِيلُهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى الرَّاجِحِ وَقِيلَ مَا كَثُرَ قَائِلُهُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَقِيلَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ ثُمَّ إنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ يَقْتَضِي أَنَّ الْفَتْوَى إنَّمَا تَكُونُ بِالْقَوْلِ الْمَشْهُورِ أَوْ الرَّاجِحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَأَمَّا الْقَوْلُ الشَّاذُّ وَالْمُرَجَّحُ أَيْ الضَّعِيفُ فَلَا يُفْتَى بِهِمَا وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا الْحُكْمُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ بَلْ يُقَدَّمُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ قَوْلَ الْغَيْرِ قَوِيَ فِي مَذْهَبِهِ كَذَا قَالَ الْأَشْيَاخُ وَذَكَرَ الْحَطَّابُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ جَوَازَ الْعَمَلِ بِالشَّاذِّ فِي خَاصَّةِ النَّفْسِ وَأَنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ ; لِأَنَّهُ قَوْلٌ فِي الْمَذْهَبِ وَالْأَوَّلُ هُوَ اخْتِيَارُ الْمِصْرِيِّينَ وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْمَغَارِبَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا وَفِي ح أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ شَيْئًا وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهَا ، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا لَمْ يَضْمَنْ ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ضَمِنَ إنْ انْتَصَبَ وَتَوَلَّى فِعْلَ مَا أَفْتَى فِيهِ وَإِلَّا كَانَتْ فَتْوَاهُ غُرُورًا قَوْلِيًّا لَا ضَمَانَ فِيهِ وَيُزْجَرُ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ أُدِّبَ وَتَجُوزُ الْأُجْرَةُ عَلَى الْفُتْيَا إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ زَرُّوقٍ قَدْ سَمِعْت بِأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ أَفْتَى بِأَنَّ مَنْ أَفْتَى مِنْ التَّقَايِيدِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّبُ وَاسْتَظْهَرَ ح حَمْلَهُ عَلَى التَّقَايِيدِ الْمُخَالِفَةِ لِلنُّصُوصِ أَوْ الْقَوَاعِدِ ; لِأَنَّهُ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا ، وَأَمَّا التَّقَايِيدُ الْمَنْقُولَةُ مِنْ الشُّرَّاحِ وَالنُّصُوصِ فَيَجُوزُ الْإِفْتَاءُ مِنْهَا قَطْعًا ، فَإِنْ جَهِلَ حَالَ تِلْكَ التَّقَايِيدِ فَقَالَ فِي عج الظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُعَدُّ نَقْلًا عِنْدَ جَهْلِ الْحَالِ وَفِي شب يَمْتَنِعُ تَتَبُّعُ رُخَصِ الْمَذَاهِبِ وَفَسَّرَهَا بِمَا يُنْقَضُ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ مِنْ مُخَالِفِ النَّصِّ وَجَلِيِّ الْقِيَاسِ وَقَالَ غَيْرُهُ : إنَّ الْمُرَادَ بِتَتَبُّعِ الرُّخَصِ رَفْعُ مَشَقَّةِ التَّكْلِيفِ بِاتِّبَاعِ كُلِّ سَهْلٍ وَفِيهِ أَيْضًا امْتِنَاعُ التَّلْفِيقِ وَاَلَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْ شَيْخِنَا نَقْلًا عَنْ شَيْخِهِ الصَّغِيرِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ وَهُوَ فُسْحَةٌ ا هـ وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي التَّلْفِيقِ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ مَذْهَبَيْنِ طَرِيقَتَانِ : الْمَنْعُ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمَصَارِوَةِ وَالْجَوَازُ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمَغَارِبَةِ وَرُجِّحَتْ .
( قَوْلُهُ : فَأَجَبْت سُؤَالَهُمْ ) أَيْ بِوَضْعِ جَمِيعِ التَّأْلِيفِ إنْ كَانَتْ الْخُطْبَةُ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ أَوْ بِالشُّرُوعِ فِيهِ إنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً وَلَيْسَ قَوْلُهُ : بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ مُعَيَّنًا أَنَّ الْإِجَابَةَ بِالشُّرُوعِ لِصِدْقِهِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ ; لِأَنَّ بَعْدَ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ ( قَوْلُهُ : بَلْ أَتَى بِهِ ) أَيْ بِمَا سَأَلُوهُ ( قَوْلُهُ : : أَيْ بَعْدَ طَلَبِ الْخِيَرَةِ ) أَيْ بَعْدَ طَلَبِ مَا فِيهِ خَيْرٌ أَيْ طَلَبِ بَيَانٍ مَا هُوَ خَيْرٌ لِي وَأَوْلَى لِي هَلْ الِاشْتِغَالُ بِتَأْلِيفِ مُخْتَصَرٍ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ أَوْ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهِ مِنْ أَوْجَهِ الطَّاعَاتِ ( قَوْلُهُ : وَطَلَبُهَا ) أَيْ وَطَلَبُ بَيَانِهَا ( قَوْلُهُ : : بِصَلَاتِهَا إلَخْ ) أَيْ بِأَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْكَافِرُونَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَفِي الثَّانِيَة الْإِخْلَاصَ كَذَلِكَ ثُمَّ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهُمَا يَسْتَغْفِرُ 21 اللَّهَ نَحْوَ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِك وَأَسْتَقْدِرُك بِقُدْرَتِك وَأَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ ، وَإِنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاصْرِفْهُ عَنْهُ وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ وَرَضِّنِي بِهِ ا هـ وَقَوْلُهُ : إنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ أَيْ الْمُلَاحَظُ فِي ذِهْنِهِ ، وَإِنْ شَاءَ صَرَّحَ بِهِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ كَانَ الشَّيْءُ الْفُلَانِيُّ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ثُمَّ إذَا فَرَغَ مِنْ عَمَلِ الِاسْتِخَارَةِ فَكُلُّ مَا انْشَرَحَ لَهُ صَدْرُهُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ مَضَى إلَيْهِ ( قَوْلُهُ : : لِيَقِفَ النَّاظِرُ عَلَيْهِ ) أَيْ لِيَقِفَ عَلَى ذَلِكَ الِاصْطِلَاحِ النَّاظِرُ فِي كِتَابِهِ ( قَوْلُهُ : مُقَدَّرَةٌ ) أَيْ لَا مُقَارَنَةٌ ; لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لَيْسَتْ مُقَارِنَةً لِإِجَابَتِهِمْ بِالشُّرُوعِ فِي التَّأْلِيفِ
( قَوْلُهُ : وَنَحْوِهِ إلَخْ ) إشَارَةً إلَى أَنَّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَذْفَ الْوَاوِ مَعَ مَا عُطِفَتْ ( قَوْلُهُ : مِنْ كُلِّ ضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ غَائِبٍ ) أَيْ مِثْلُ أُقِيمُ مِنْهَا وَظَاهِرُهَا وَحُمِلَتْ وَقُيِّدَتْ ( قَوْلُهُ : : أَوْ إنَّهُ إلَخْ ) أَشَارَ إلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِفِيهَا عَنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ مَجَازًا مِنْ إطْلَاقِ الْخَاصِّ وَإِرَادَةِ الْعَامِّ وَصَحَّ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهَا غَيْرَ مَذْكُورَةٍ لِتَقَرُّرِهَا فِي أَذْهَانِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ حَتَّى قَالَ مَشَايِخُهُمْ : إنَّهَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ كَالْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ تُجْزِي عَنْ غَيْرِهَا وَلَا يُجْزِي غَيْرُهَا عَنْهَا ( قَوْلُهُ : : الَّتِي هِيَ الْأُمُّ ) أَيْ لِكُتُبِ الْمَذْهَبِ أَوْ لِلْمَذْهَبِ نَفْسِهِ ( قَوْلُهُ : مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ ) أَيْ مَا رَوَاهُ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ ( قَوْلُهُ : وَمَا قَالَهُ ) أَيْ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ اجْتِهَادِهِ ( قَوْلُهُ : أَيْ بِمَادَّةٍ أَوَّلَ ) أَيْ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ تَأْوِيلَانِ وَتَأْوِيلَاتٌ ( قَوْلُهُ : الْمُؤَدَّى ) نَعْتٌ لِمَوْضِعٍ وَقَوْلُهُمْ كُلٌّ أَيْ مِنْ الشُّرَّاحِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ فَاعِلٌ بِالْمُؤَدَّى وَقَوْلُهُ : لَهُ أَيْ لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَوْلُهُ : إلَى خِلَافٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُؤَدَّى ( قَوْلُهُ : وَيَخْتَلِفُ الْمَعْنَى بِهِ ) أَيْ بِذَلِكَ الْفَهْمِ ( قَوْلُهُ : وَيَصِيرُ ) أَيْ ذَلِكَ الْفَهْمُ وَقَوْله بِكُلٍّ أَيْ 22 مِنْ الْفَهْمَيْنِ ( قَوْلُهُ : بَلْ يَجُوزُ ) أَيْ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ كَانَ مَوْجُودًا ، وَالْأَغْلَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ مَوْجُودٍ ( قَوْلُهُ : مُلْتَبِسَةً بِصِيغَةِ الْفِعْلِ ) أَيْ مِنْ الْتِبَاسِ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith