107 · ص24 · ج1
فإن قيل: لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة "إلى" التي هي للانتهاء، لا أداة "على" التي هي للوجوب. ألا ترى أنّه لمّا أراد الوصول قال: {(٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا} ١ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]، وقال: {إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} [يونس: ٧٠]، {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ} [الأنعام: ١٠٨]؛ وقال لمّا أراد الوجوب: {(٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا} [الغاشية: ٢٦]، {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: ١٧]، {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: ٦] ونظائر ذلك؟
قيل: في ذكر أداة "على" سرٌّ لطيفٌ، وهو الإشعار بكون السّالك على هذا الصِّراط على هدًى وحقٍّ مع وصوله إلى الله تعالى؛ فغايتُه الوصول إلى الله، وهو في حال استقامته على هدًى ٢ وعلى حقٍّ؛ كما قال في حقِّ المؤمنين: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ} [البقرة: ٥]. وقال لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [النمل: ٧٩]. والله عزّ وجلّ هو الحقُّ، وسراطه ٣ حقٌّ، ودينه حقٌّ، فمن استقام على صراطه فهو على الحقِّ والهدى. وكان ٤ في دلالة أداة "على" على هذا المعنى ما ليس في أداة "إلى" ٥ فتأمّله، فإنّه سرٌّ بديعٌ.
١ لم ترد الآية الثانية هنا في ع، وذلك أنسب. وفيها بعد الآية الأولى: "ثم قال".
٢ العبارة: "وحقٍّ مع وصوله ... على هدًى" ساقطة من ع لانتقال النظر.
٣ كذا في ق، ل بالسين هنا وبالصاد فيما يأتي. وفي غيرهما بالصاد في الموضعين.
٤ كذا في جميع النسخ غير أن ل كان فيها "فكان" ــ فيما يظهر ــ ثم أصلح إلى "وكان"، والأول أشبه.
٥ ش: "في دلالة إلى". وقد كتب بعضهم في هامش م: "دلالة" مع إشارة اللحق بعد "في". يعني: "في دلالة أداة (إلى) ".