← المكتبة ▭▭ 2 pages
مدارج السالكين - ط عطاءات العلم
ابن القيم الرقائق والآداب والأذكار 751 هـ
A− A+
268 · ص56 · ج2
أي: فطرهم منيبين إليه، فلو خُلُّوا وفِطَرَهم لما عَدَلتْ عن الإنابة إليه، ولكنَّها تُحوَّل وتغيَّر عمَّا فطرت عليه، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مولودٍ إلّا يولد على هذه الملَّة ١ حتى يُعرِب عنه لسانُه» ٢. وقال عن نبيِّه داود عليه السلام: {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)} [ص: ٢٤]. وأخبر أنّ ثوابه وجنّته لأهل الخشية والإنابة فقال: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} [ق: ٣١ - ٣٤]. وأخبر سبحانه أنَّ البشرى منه إنّما هي لأهل الإنابة فقال: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى} [الزمر: ١٧]. والإنابة إنابتان: إنابة لربوبيّته، وهي إنابة المخلوقات كلِّها، يشترك فيها المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، قال الله تعالى: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ} [الروم: ٣٣]، فهذا عامٌّ في حقِّ كلِّ داعٍ أصابه ضرٌّ، كما هو الواقع، وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام، بل تجامع الشِّرك والكفر، كما قال تعالى في حقِّ هؤلاء: {ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ} [الروم: ٣٣ - ٣٤] فهذا حالهم بعد إنابتهم.
١ السياق في ع: «على الفطرة ــ وفي رواية: على الملة ــ». ٢ أخرجه أحمد (٧٤٤٥)، ومسلم (٢٦٥٨/ ٢٣) من حديث أبي هريرة بنحوه. وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٥٨٩)، وأبو يعلى (٩٤٢)، وابن حبان (١٣٢) وغيرهم من حديث الأسود بن سَريع بنحوه.
→ prev 268 / 2526 next ←