المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السابع
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي زَادَهَا ابْنُ عُمَرَ مِنْ كَلَامِهِ ، وَهَذَا لَفْظُ الْجَمِيعِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ } قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ ، وَالرَّغْبَةُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو حَاتِمٍ الْبُسْتِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فَقَالَ : رَوَى بَعْضُهُمْ 255 هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَلَا يَصِحُّ هَذَا ، قَالَ : وَالصَّحِيحُ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ وَالتَّلْبِيَةِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي انْعِقَادِ الْإِحْرَامِ بِالنِّيَّةِ دُونَ التَّلْبِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) حَدِيثُ : { أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ } فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ ضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ عَنْ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ عَنْ أَبِي فُدَيْكٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي مُرْسَلٌ ، مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ ( قُلْتُ ) فَمَنْ ذَكَرَ فِيهِ سَعِيدًا قَالَ : هُوَ خَطَأٌ لَيْسَ فِيهِ سَعِيدٌ .
( قُلْتُ ) ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ وَغَيْرُهُ رَوَى عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالُوا : عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
256 وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ فِي آخِرِهِ - وَاسْمُهُ سَهْلٌ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا بَلَغْنَا الرَّوْحَاءَ حَتَّى سَمِعْتُ عَامَّةَ النَّاسِ قَدْ بُحَّتْ أَصْوَاتُهُمْ مِنْ التَّلْبِيَةِ } فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ ، قَالَ : أَبُو حَرِيزٍ هَذَا ضَعِيفٌ . قَالَ : وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ صَهْبَانَ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ : { لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ } فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُظْهِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ - فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ ، قَالَ : حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُمْ فِيهِ فَزَادَ فِيهَا - لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ } قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَحَسِبْت أَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ . هَكَذَا رَوَيَاهُ مُرْسَلًا .
( وَأَمَّا ) حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - مَغْفِرَتَهُ ، وَرِضْوَانَهُ ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ } قَالَ صَالِحٌ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : وَكَانَ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَالِحُ بْنُ عُمَرَ هَذَا ضَعِيفٌ صَرَّحَ بِضِعْفِهِ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَالرِّفَاقُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - جَمْعُ رُفْقَةٍ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الرِّفَاقُ جَمْعُ رُفْقَةٍ - بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَكَسْرِهَا - وَهِيَ الْجَمَاعَةُ يَتَرَافَقُونَ فَيَنْزِلُونَ مَعًا ، وَيَرْحَلُونَ مَعًا ، وَيَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ، تَقُولُ : رَافَقْتُهُ ، وَتَرَافَقْنَا ، وَهُوَ رَفِيقٌ ، وَمُرَافِقِي ، وَجَمْعُ رَفِيقٍ رُفَقَاءُ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ فِي كُلِّ صَعُودٍ وَهُبُوطٍ ، فَالصَّعُودُ وَالْهُبُوطُ 257 بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا - اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي يُصْعَدُ فِيهِ وَيُهْبَطُ مِنْهُ وَبِضَمِّهِمَا وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ ( وَأَمَّا ) الْأَكَمَةُ - فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ - وَهِيَ دُونَ الرَّابِيَةِ ( وَأَمَّا ) الْعَجُّ فَرَفْعُ الصَّوْتِ وَالثَّجُّ إرَاقَةُ الدِّمَاءِ ( وَقَوْلُهُ ) فِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ " وَالرَّغْبَةُ إلَيْكَ " كَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ " وَالرَّغْبَةُ " وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا : " وَالرَّغْبَاءُ " وَفِيهَا لُغَتَانِ الرَّغْبَاءُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ - وَالرُّغْبَى - بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْقَصْرِ وَمَعْنَاهَا الرَّغْبَةُ ، ( وَقَوْلُهُ ) : الْعَيْشُ عَيْشُ الْآخِرَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْهَنِيَّةَ الْمَطْلُوبَةَ الدَّائِمَةَ هِيَ حَيَاةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ ، ( وَأَمَّا ) لَفْظُ التَّلْبِيَةِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : التَّلْبِيَةُ مُثَنَّاةٌ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ وَلُزُومًا لِطَاعَتِكَ فَثَنَّى لِلتَّوْكِيدِ لَا تَثْنِيَةً حَقِيقِيَّةً بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى - : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) أَيْ نِعْمَتَاهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْيَدِ بِالنِّعْمَةِ هُنَا ، وَنِعَمُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا تُحْصَى .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ : لَبَّيْكَ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَا مُثَنًّى قَالَ : وَأَلِفُهُ إنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ مُثَنًّى بِدَلِيلِ قَلْبِهَا يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : ثَنَّوْا لَبَّيْكَ كَمَا ثَنَّوْا حَنَانَيْكَ أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ ، وَأَصْلُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْعَ بَيْنَ ثَلَاثِ بَاءَاتٍ فَأَبْدَلُوا مِنْ الثَّلَاثَةِ يَاءً كَمَا قَالُوا مِنْ الظَّنِّ تَظَنَّيْتُ وَالْأَصْلُ تَظَنَّنْت وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى لَبَّيْكَ وَاشْتِقَاقِهَا ( فَقِيلَ ) : مَعْنَاهَا اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إلَيْكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : دَارِي تَلِبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا ، ( وَقِيلَ ) : مَعْنَاهَا مَحَبَّتِي لَكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : امْرَأَةٌ لَبَّةٌ إذَا كَانَتْ مُحِبَّةً وَلَدَهَا عَاطِفَةً عَلَيْهِ ، ( وَقِيلَ ) : إخْلَاصِي لَكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : حُبٌّ لُبَابٌ إذَا كَانَ خَالِصًا مَحْضًا وَمِنْ ذَلِكَ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ ، ( وَقِيلَ ) مَعْنَاهَا أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ وَإِجَابَتِك مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ وَأَلَبَّ إذَا أَقَامَ فِيهِ وَلَزِمَهُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَبِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ 258 قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ هَذِهِ الْإِجَابَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي مَعْنَى لَبَّيْكَ : أَيْ قُرْبًا مِنْكَ وَطَاعَةً وَالْإِلْبَابُ الْقُرْبُ قَالَ : أَبُو نَصْرٍ : مَعْنَاهُ أَنَا مُلَبٍّ بَيْنَ يَدَيْكَ أَيْ خَاضِعٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ( قَوْلُهُ ) لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ يُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إنَّ وَفَتْحِهَا - وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ الْجُمْهُورُ : وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْفَتْحُ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ ، قَالَ ثَعْلَبٌ : الِاخْتِيَارُ الْكَسْرُ وَهُوَ أَجْوَدُ فِي الْمَعْنَى مِنْ الْفَتْحِ ; لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَنْ فَتَحَ قَالَ : لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ ، ( وَقَوْلُهُ ) : وَالنِّعْمَةَ لَكَ الْمَشْهُورُ فِيهِ نَصْبُ النِّعْمَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَيَجُوزُ رَفْعُهَا مَعَ الِابْتِدَاءِ وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ خَبَرَ إنَّ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ : إنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ وَقَوْلُهُ : وَسَعْدَيْكَ قَالَ الْقَاضِي : إعْرَابُهَا وَتَثْنِيَتُهَا مَا سَبَقَ فِي لَبَّيْكَ وَمَعْنَاهَا مُسَاعَدَةً لِطَاعَتِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَقَوْلُهُ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ ( أَيْ ) الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمِنْ فَضْلِهِ وَقَوْلُهُ : ( الرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ ) مَعْنَاهُ الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ إلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَهُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا الْأَحْكَامُ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّلْبِيَةِ وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا فِي دَوَامِ الْإِحْرَامِ وَيُسْتَحَبُّ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا وَجُنُبًا وَحَائِضًا وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهَا فِي كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَحُدُوثِ أَمْرٍ مِنْ رُكُوبٍ أَوْ نُزُولٍ أَوْ اجْتِمَاعِ رُفْقَةٍ أَوْ فَرَاغٍ مِنْ صَلَاةٍ وَعِنْدَ إقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَوَقْتِ السَّحَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ نَصَّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى وَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ 259 لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ نُسُكٍ وَفِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ قَوْلَانِ : ( الْأَصَحُّ ) الْجَدِيدُ يُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ ، ( وَالْقَدِيمُ ) لَا يُلَبِّي لِئَلَّا يُهَوِّشَ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالْمُتَعَبِّدِينَ ، ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ : وَالْقَوْلَانِ فِي أَصْلِ التَّلْبِيَةِ فَإِنْ اسْتَحْبَبْنَاهَا اسْتَحْبَبْنَا رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا وَإِلَّا فَلَا وَجَعَلَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ ثُمَّ قَالَ : لَمْ يُسْتَحَبَّ رَفْعُهُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَفِي الرَّفْعِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَجْهَانِ : ( وَالْمَذْهَبُ ) الْأَوَّلُ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ؟ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الْأَصَحُّ الْجَدِيدُ : لَا يُلَبِّي وَالْقَدِيمُ يُلَبِّي وَلَا يَجْهَرُ وَلَا يُلَبِّي فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ لِخُرُوجِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ رَفْعُ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وَلَا تَجْهَرُ بِهَا امْرَأَةٌ بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى سَمَاعِ نَفْسِهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ : فَإِنْ رَفَعَتْ صَوْتَهَا لَمْ يَحْرُمْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ هَذَا كَلَامُ الرُّويَانِيِّ وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ : لَا يَحْرُمُ لَكِنْ يُكْرَهُ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَيَخْفِضُ الْخُنْثَى صَوْتَهُ كَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الرَّجُلِ فِي صَلَاتِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِبَ التَّلْبِيَةِ دُونَ صَوْتِهِ بِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يُكَرِّرَهَا وَهُوَ : " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ " . قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ زَادَ لَمْ يُكْرَهْ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ : وَغَلِطُوا بَلْ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وَلَا تُسْتَحَبُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيُسْتَحَبُّ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُولَ : لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 260 وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ النَّارِ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ تَلْبِيَتِهِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَكِنْ لَوْ سُلِّمَ عَلَيْهِ رَدَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ وَيُكْرَهُ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ فِي حَالِ تَلْبِيَتِهِ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّلْبِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ يُلَبِّي بِلِسَانِهِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ أَتَى بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : إذَا لَمْ يُحْسِنْ التَّلْبِيَةَ أُمِرَ بِالتَّعْلِيمِ وَفِي مُدَّةِ التَّعْلِيمِ يُلَبِّي بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَهَلْ يَجُوزُ بِلُغَةٍ أُخْرَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ ؟ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّسْبِيحَاتِ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ : تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ فِي مَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَإِذَا لَبَّى فَأَسْتَحِبُّ أَنْ يُلَبِّيَ ثَلَاثًا قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يُكَرِّرَ قَوْلَهُ : لَبَّيْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ( وَالثَّانِي ) يُكَرِّرُ قَوْلَهُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ( وَالثَّالِثُ ) يُكَرِّرُ جَمِيعَ التَّلْبِيَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَذَا كَلَامُهُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ وَالْأَوَّلَانِ فَاسِدَانِ ; لِأَنَّ فِيهِمَا تَغْيِيرًا لِلَّفْظِ التَّلْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : حُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاجِبَةٌ قَالَ : وَزَعَمَا أَنَّهُمَا وَجَدَا لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا دَلَّ عَلَيْهِ قَالَ : وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ نَصٌّ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ قَالَ الطَّبَرِيُّ - يَعْنِي أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ : لِلشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، قَالَ : وَبِهِ قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
261 فَرْعٌ ) مَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُ التَّلْبِيَةِ فِي كُلِّ مَكَان وَفِي الْأَمْصَارِ وَالْبَرَارِيِّ ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : إظْهَارُ التَّلْبِيَةِ فِي الْأَمْصَارِ وَمَسَاجِدِهَا لَا يُكْرَهُ وَلَيْسَ لَهَا مَوْضِعٌ تَخْتَصُّ بِهِ ، قَالَ : وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، قَالَ : وَقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مَسْنُونٌ فِي الصَّحَارِي ، قَالَ : وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ فِي الْمِصْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) حَدِيثُ : { أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ } فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ : مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ ضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ عَنْ أَبِي فُدَيْكٍ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو السَّوَّاقُ عَنْ أَبِي فُدَيْكٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ : سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ : هُوَ عِنْدِي مُرْسَلٌ ، مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ ( قُلْتُ ) فَمَنْ ذَكَرَ فِيهِ سَعِيدًا قَالَ : هُوَ خَطَأٌ لَيْسَ فِيهِ سَعِيدٌ .
( قُلْتُ ) ضِرَارُ بْنُ صُرَدٍ وَغَيْرُهُ رَوَى عَنْ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَقَالُوا : عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْهُ ، هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
256 وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَبِي حَرِيزٍ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ فِي آخِرِهِ - وَاسْمُهُ سَهْلٌ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْغَيْثِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا بَلَغْنَا الرَّوْحَاءَ حَتَّى سَمِعْتُ عَامَّةَ النَّاسِ قَدْ بُحَّتْ أَصْوَاتُهُمْ مِنْ التَّلْبِيَةِ } فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَضَعَّفَهُ ، قَالَ : أَبُو حَرِيزٍ هَذَا ضَعِيفٌ . قَالَ : وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ صَهْبَانَ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( وَأَمَّا ) حَدِيثُ : { لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ } فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُظْهِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ - فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ ، قَالَ : حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُمْ فِيهِ فَزَادَ فِيهَا - لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ } قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَحَسِبْت أَنَّ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ . هَكَذَا رَوَيَاهُ مُرْسَلًا .
( وَأَمَّا ) حَدِيثُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ فَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَسَانِيدِهِمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - مَغْفِرَتَهُ ، وَرِضْوَانَهُ ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ } قَالَ صَالِحٌ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : وَكَانَ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَالِحُ بْنُ عُمَرَ هَذَا ضَعِيفٌ صَرَّحَ بِضِعْفِهِ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( وَأَمَّا ) أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَالرِّفَاقُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - جَمْعُ رُفْقَةٍ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا - لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : الرِّفَاقُ جَمْعُ رُفْقَةٍ - بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَكَسْرِهَا - وَهِيَ الْجَمَاعَةُ يَتَرَافَقُونَ فَيَنْزِلُونَ مَعًا ، وَيَرْحَلُونَ مَعًا ، وَيَرْتَفِقُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ، تَقُولُ : رَافَقْتُهُ ، وَتَرَافَقْنَا ، وَهُوَ رَفِيقٌ ، وَمُرَافِقِي ، وَجَمْعُ رَفِيقٍ رُفَقَاءُ .
( وَأَمَّا ) قَوْلُهُ فِي كُلِّ صَعُودٍ وَهُبُوطٍ ، فَالصَّعُودُ وَالْهُبُوطُ 257 بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا - اسْمٌ لِلْمَكَانِ الَّذِي يُصْعَدُ فِيهِ وَيُهْبَطُ مِنْهُ وَبِضَمِّهِمَا وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ هُنَا بِالْوَجْهَيْنِ ( وَأَمَّا ) الْأَكَمَةُ - فَبِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْكَافِ - وَهِيَ دُونَ الرَّابِيَةِ ( وَأَمَّا ) الْعَجُّ فَرَفْعُ الصَّوْتِ وَالثَّجُّ إرَاقَةُ الدِّمَاءِ ( وَقَوْلُهُ ) فِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ " وَالرَّغْبَةُ إلَيْكَ " كَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ " وَالرَّغْبَةُ " وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا : " وَالرَّغْبَاءُ " وَفِيهَا لُغَتَانِ الرَّغْبَاءُ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ - وَالرُّغْبَى - بِضَمِّ الرَّاءِ وَالْقَصْرِ وَمَعْنَاهَا الرَّغْبَةُ ، ( وَقَوْلُهُ ) : الْعَيْشُ عَيْشُ الْآخِرَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَيَاةَ الْهَنِيَّةَ الْمَطْلُوبَةَ الدَّائِمَةَ هِيَ حَيَاةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ ، ( وَأَمَّا ) لَفْظُ التَّلْبِيَةِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : التَّلْبِيَةُ مُثَنَّاةٌ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهُ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ وَلُزُومًا لِطَاعَتِكَ فَثَنَّى لِلتَّوْكِيدِ لَا تَثْنِيَةً حَقِيقِيَّةً بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى - : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) أَيْ نِعْمَتَاهُ عَلَى تَأْوِيلِ الْيَدِ بِالنِّعْمَةِ هُنَا ، وَنِعَمُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا تُحْصَى .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ : لَبَّيْكَ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَا مُثَنًّى قَالَ : وَأَلِفُهُ إنَّمَا انْقَلَبَتْ يَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ مُثَنًّى بِدَلِيلِ قَلْبِهَا يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : ثَنَّوْا لَبَّيْكَ كَمَا ثَنَّوْا حَنَانَيْكَ أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ ، وَأَصْلُ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْعَ بَيْنَ ثَلَاثِ بَاءَاتٍ فَأَبْدَلُوا مِنْ الثَّلَاثَةِ يَاءً كَمَا قَالُوا مِنْ الظَّنِّ تَظَنَّيْتُ وَالْأَصْلُ تَظَنَّنْت وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى لَبَّيْكَ وَاشْتِقَاقِهَا ( فَقِيلَ ) : مَعْنَاهَا اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إلَيْكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : دَارِي تَلِبُّ دَارَكَ أَيْ تُوَاجِهُهَا ، ( وَقِيلَ ) : مَعْنَاهَا مَحَبَّتِي لَكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : امْرَأَةٌ لَبَّةٌ إذَا كَانَتْ مُحِبَّةً وَلَدَهَا عَاطِفَةً عَلَيْهِ ، ( وَقِيلَ ) : إخْلَاصِي لَكَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : حُبٌّ لُبَابٌ إذَا كَانَ خَالِصًا مَحْضًا وَمِنْ ذَلِكَ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ ، ( وَقِيلَ ) مَعْنَاهَا أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِكَ وَإِجَابَتِك مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ : لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ وَأَلَبَّ إذَا أَقَامَ فِيهِ وَلَزِمَهُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَبِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ 258 قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ هَذِهِ الْإِجَابَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي مَعْنَى لَبَّيْكَ : أَيْ قُرْبًا مِنْكَ وَطَاعَةً وَالْإِلْبَابُ الْقُرْبُ قَالَ : أَبُو نَصْرٍ : مَعْنَاهُ أَنَا مُلَبٍّ بَيْنَ يَدَيْكَ أَيْ خَاضِعٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْقَاضِي ( قَوْلُهُ ) لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ يُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ مِنْ إنَّ وَفَتْحِهَا - وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ قَالَ الْجُمْهُورُ : وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْفَتْحُ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ ، قَالَ ثَعْلَبٌ : الِاخْتِيَارُ الْكَسْرُ وَهُوَ أَجْوَدُ فِي الْمَعْنَى مِنْ الْفَتْحِ ; لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَنْ فَتَحَ قَالَ : لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ ، ( وَقَوْلُهُ ) : وَالنِّعْمَةَ لَكَ الْمَشْهُورُ فِيهِ نَصْبُ النِّعْمَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَيَجُوزُ رَفْعُهَا مَعَ الِابْتِدَاءِ وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا ، قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ خَبَرَ إنَّ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ : إنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَكَ وَقَوْلُهُ : وَسَعْدَيْكَ قَالَ الْقَاضِي : إعْرَابُهَا وَتَثْنِيَتُهَا مَا سَبَقَ فِي لَبَّيْكَ وَمَعْنَاهَا مُسَاعَدَةً لِطَاعَتِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ وَقَوْلُهُ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ ( أَيْ ) الْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمِنْ فَضْلِهِ وَقَوْلُهُ : ( الرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ ) مَعْنَاهُ الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ إلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَهُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
أَمَّا الْأَحْكَامُ فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّلْبِيَةِ وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْهَا فِي دَوَامِ الْإِحْرَامِ وَيُسْتَحَبُّ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا وَجُنُبًا وَحَائِضًا وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهَا فِي كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَحُدُوثِ أَمْرٍ مِنْ رُكُوبٍ أَوْ نُزُولٍ أَوْ اجْتِمَاعِ رُفْقَةٍ أَوْ فَرَاغٍ مِنْ صَلَاةٍ وَعِنْدَ إقْبَالِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَوَقْتِ السَّحَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَغَايُرِ الْأَحْوَالِ نَصَّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقَتْ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى وَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَاتٍ 259 لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ نُسُكٍ وَفِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ قَوْلَانِ : ( الْأَصَحُّ ) الْجَدِيدُ يُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ ، ( وَالْقَدِيمُ ) لَا يُلَبِّي لِئَلَّا يُهَوِّشَ عَلَى الْمُصَلِّينَ وَالْمُتَعَبِّدِينَ ، ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ : وَالْقَوْلَانِ فِي أَصْلِ التَّلْبِيَةِ فَإِنْ اسْتَحْبَبْنَاهَا اسْتَحْبَبْنَا رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا وَإِلَّا فَلَا وَجَعَلَهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ ثُمَّ قَالَ : لَمْ يُسْتَحَبَّ رَفْعُهُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ فَفِي الرَّفْعِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَجْهَانِ : ( وَالْمَذْهَبُ ) الْأَوَّلُ وَهَلْ يُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ؟ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَهُمَا مَشْهُورَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ بِدَلِيلِهِمَا الْأَصَحُّ الْجَدِيدُ : لَا يُلَبِّي وَالْقَدِيمُ يُلَبِّي وَلَا يَجْهَرُ وَلَا يُلَبِّي فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالْوَدَاعِ بِلَا خِلَافٍ لِخُرُوجِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ رَفْعُ صَوْتِهِ بِالتَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِنَفْسِهِ وَلَا تَجْهَرُ بِهَا امْرَأَةٌ بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى سَمَاعِ نَفْسِهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ : فَإِنْ رَفَعَتْ صَوْتَهَا لَمْ يَحْرُمْ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ هَذَا كَلَامُ الرُّويَانِيِّ وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ : لَا يَحْرُمُ لَكِنْ يُكْرَهُ صَرَّحَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَيَخْفِضُ الْخُنْثَى صَوْتَهُ كَالْمَرْأَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَوْتُ الرَّجُلِ فِي صَلَاتِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقِبَ التَّلْبِيَةِ دُونَ صَوْتِهِ بِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ يُكَرِّرَهَا وَهُوَ : " لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ " . قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ زَادَ لَمْ يُكْرَهْ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ : وَغَلِطُوا بَلْ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وَلَا تُسْتَحَبُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيُسْتَحَبُّ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُولَ : لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 260 وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ - تَعَالَى - رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَيَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ النَّارِ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا أَحَبَّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ تَلْبِيَتِهِ بِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَكِنْ لَوْ سُلِّمَ عَلَيْهِ رَدَّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ وَتَابَعَهُ الْأَصْحَابُ وَيُكْرَهُ التَّسْلِيمُ عَلَيْهِ فِي حَالِ تَلْبِيَتِهِ وَمَنْ لَا يُحْسِنُ التَّلْبِيَةَ بِالْعَرَبِيَّةِ يُلَبِّي بِلِسَانِهِ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ أَحْسَنَ الْعَرَبِيَّةَ أَتَى بِهَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : إذَا لَمْ يُحْسِنْ التَّلْبِيَةَ أُمِرَ بِالتَّعْلِيمِ وَفِي مُدَّةِ التَّعْلِيمِ يُلَبِّي بِلِسَانِ قَوْمِهِ وَهَلْ يَجُوزُ بِلُغَةٍ أُخْرَى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّلْبِيَةِ ؟ حُكْمُهُ حُكْمُ التَّسْبِيحَاتِ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ : تُكْرَهُ التَّلْبِيَةُ فِي مَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَإِذَا لَبَّى فَأَسْتَحِبُّ أَنْ يُلَبِّيَ ثَلَاثًا قَالَ : وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يُكَرِّرَ قَوْلَهُ : لَبَّيْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ( وَالثَّانِي ) يُكَرِّرُ قَوْلَهُ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ( وَالثَّالِثُ ) يُكَرِّرُ جَمِيعَ التَّلْبِيَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ هَذَا كَلَامُهُ وَهَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ وَالْأَوَّلَانِ فَاسِدَانِ ; لِأَنَّ فِيهِمَا تَغْيِيرًا لِلَّفْظِ التَّلْبِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَتْ وَاجِبَةً هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : حُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَاجِبَةٌ قَالَ : وَزَعَمَا أَنَّهُمَا وَجَدَا لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا دَلَّ عَلَيْهِ قَالَ : وَلَيْسَ يُعْرَفُ لِلشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِهِ نَصٌّ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي ، وَقَالَ الدَّارِمِيُّ قَالَ الطَّبَرِيُّ - يَعْنِي أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ : لِلشَّافِعِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، قَالَ : وَبِهِ قَالَ ابْنُ خَيْرَانَ وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ .
261 فَرْعٌ ) مَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُ التَّلْبِيَةِ فِي كُلِّ مَكَان وَفِي الْأَمْصَارِ وَالْبَرَارِيِّ ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : إظْهَارُ التَّلْبِيَةِ فِي الْأَمْصَارِ وَمَسَاجِدِهَا لَا يُكْرَهُ وَلَيْسَ لَهَا مَوْضِعٌ تَخْتَصُّ بِهِ ، قَالَ : وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، قَالَ : وَقَالَ أَحْمَدُ : هُوَ مَسْنُونٌ فِي الصَّحَارِي ، قَالَ : وَلَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُلَبِّيَ فِي الْمِصْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith