1069 · ص359 · ج1
فملأ له الخمّار قدحا من خمرة كأنها العقيق، فشربه، وقال: ارفع من هذا أريد، قال: أي نوع تريد؟ قال: التي يقول فيها الشاعر: [الكامل]
فإذا حسا منها الوضيع ثلاثة ... سمح الوضيع كفعل ذي القدر
في لون ماء المزن إلا أنّها ... بين الضّلوع كواقد الجمر
فملأ له الخمّار قدحا من خمرة بيضاء، كأنها ماء المزن، فشرب الحسن، وقال للخمّار: أتعرفني؟ قال: إي والله يا سيّدي، أنا أعرف الناس بك، قال: فمن أنا؟ قال:
أنت الذي يسكر من غير وزن، فضحك الحسن، وقال لمطيط: ادفع إليه ما معك من النّفقة، فأعطاه مائة درهم وانصرف.
وقال أبو عثمان الناجم: دخلت على أبي العباس عبد الله بن المعتزّ، وهو مخمور طيّب النفس، فقال: يا أبا عثمان، أنشدني ما شئت حتى أعارضك بأحسن منه أو مثله، فأنشدته لأبي نواس: [البسيط]
وعاشق دنف نبّهته سحرا ... فقام للرّاح والتذكار مصطبحا
ودارت الخمر من صهباء صافية ... فما احتسى قدحا حتى بكى فرحا
ففكّر ساعة، وضحك وقال: [البسيط]
وقهوة كشعاع الشمس صافية ... مثل السّراب ترى في قعره شبحا
إذا تعاطيتها لم تدر من لطف ... راحا بلا قدح أعطيت أم قدحا
وقالوا: ما دراريع الخزّ والسّمور بأدفأ من الشراب للمصرور والمقرور.
وقال بعضهم: كنت في منتزه لي، وإذا شيخ منيخ على علوة معه صبيّ في يوم بارد، فكنت أسمع الصبيّ يقول للشيخ: أعطني فروتي، فيناوله شيئا لا أتبيّنه، فبعثت غلامي ينظر إليه. فإذا عند الشيخ قنّينة، كلّما طلب الصبيّ فروته سقاه قدحا.
قال: وأنشدوا للهدهد الأصبهانيّ: [السريع]
إنّا أناس حسن ديننا ... لبيعنا الآجل بالعاجل
إذا شربنا خمسة خمسة ... فقد لبسنا الفرو من داخل
وقال عمرو الضبابي: [الرجز]
أعددت للّيل إذا الليل برد ... خابيتين من طلاء قد ركد
* فتطرد الهمّ وتكفيك الصّرد*
وقال آخر: [الطويل]
إذا هبّت الأرواح فاجعل دثارها ... إذا التحف الأقوام دكن المطارف
1070 · ص359 · ج2
إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر
***
[الغلمان وما قيل فيهم شعرا]
ويتعلق بهذا ما قيل من الشعر فيمن ليس له نباهة من الغلمان: كان ابن وضاح جالسا مع جملة من الأدباء، فمرّ بهم غلام نظيف يبيع الخبز، فلم يتّجه لأحد فيه شيء إلّا ابن وضاح، فإنه قال: [المجتث]
خابز الخبز ظريف ... عذبت فيه الحتوف
خامل الأنساب لكن ... هو في الحسن شريف
خصره أهيف شخت ... وكذا الغزلان هيف
من يخاصم مقلتيه ... حكّمت فيه السيوف
ونظر إدريس بن اليماني إلى غلام وسيم بالحمّام عليه أسمال، فقال: [الطويل]
توشّح بالظلماء وهو صباح ... وأمرض بالأجفان وهي صحاح
وظلّ فؤادي طائرا عن جوانحي ... وليس له إلّا الغرام جناح
قضيب صباح في وشاح دجنّة ... ألا ليتني تحت الوشاح وشاح
ولا عجب أن أفسدتني جفونه ... فكلّ فساد في هواه صلاح
وقال الرّصافي: [الطويل]
يقولون لي يوما وقد مرّ ضاربا ... بمعوله ضرب المرجّم بالغيب
تعلّم صفّارا فقلت: استعارها ... غدّاة رنا من صبغة العاشق الصّبّ
يعود النحاس الأحمر التّبر عسجدا ... بكفّيه عند السبك والمدّ والضّرب
فحمرته مشتقة من حيائه ... وصفرته مما يخاف من العتب
قوله الدريّ: الأبيض الذي يشبه الدّرّ في لونه، ويقال: كوكب درّيّ منسوب إلى الدرّ، مشبّها به لصفائه وحسنه، بضمّ الدال وتشديد الياء، ودري بالضم والهمز، ودريء بكسر الدال مع الياء ومع الهمزة، ودرّيء بالفتح والهمز، فمن كسر وهمز فهو فعيل، من درأ الكوكب، إذا جرى في أفق السماء، ومن كسر بلا همز فلأجل الياء بعد الراء، ومن ضم وهمز فخطّأه الفراء، قال: فعيل ليس في أبنية العرب، وأثبته سيبويه. قال أبو عبيدة: أصله دروى مثيل سبوح، فجعلوا الواو ياء، وجعلوا الضمة قبلها كسرة، ومثله عتوّ وعتيّ.
قوله: الأصل النقيّ، يعني القمح الذي صنع منه كان نقيّا من الزبل وغيره. وشقاء جسمه، قد فسّر في التاسعة عشر، وهو الآن يبيّن بعض شقائه، فقبض ونشر. وقت العجن،