1237 · ص415 · ج1
[قصة المثل: ربّ رمية من غير رام]
ربّ رمية من غير رام، أي قد يصيب الغرض من ليس له علم بالرماية، وهو مثل، قاله حكيم بن عبد يغوث المنقريّ، وكان حكيم من أرمى الناس، فأقسم يوما ليعقرنّ ولا بدّ، فخرج ومعه قوسه فرمى ولم يصنع شيئا، فبات ليله بأسوإ حال، وفعل في اليوم الثاني والثالث كذلك، فلما أصبح قال لقومه: ما أنتم صانعون، فإني قاتل اليوم نفسي إن لم أعقر اليوم مهاة؟ فقال له ابنه: يا أبت احملني معك، أرفدك، فقال: وما أحمل من رعش وهل، جبان فشل، فانطلقا فإذا هما بمهاة فرماها فأخطأها، ثم مرت به أخرى، فقال له ابنه مطعم: يا أبت ناولني القوس، فغضب أبوه وهمّ أن يعلوه بها، فقال له مطعم: أحمد بحمدك، فإن سهمي سهمك، فناوله القوس، فرمى مطعم فلم يخطئ، فقال عند ذلك حكيم: رب رمية من غير رام، وقال: [الوافر]
رماها مطعم من غير علم ... بمسّ القوس لم يخطئ صلاها
وكان أبوه قد آلى عليها ... فلم تبرر أليّته مهاها
***
[الخفيف]
أيها العالم الفقيه الذي فا ... ق ذكاء فما له من شبيه
أفتنا في قضيّة حاد عنها ... كلّ قاض وحار كلّ فقيه
رجل مات عن أخ مسلم حرّ ... تقيّ من أمّه وأبيه
وله زوجة لها أيّها الح ... بر أخ خالص بلا تمويه
فحوت فرضها وحاز أخوها ... ما تبقّى بالإرث دون أخيه
فاشفنا بالجواب عمّا سألنا ... فهو نصّ لا خلف يوجد فيه
فلما قرأت شعرها، ولمحت سرّها، قلت له: على الخبير سقطت، وعند ابن بجدتها حططت، إلّا أني مضطرم الأحشاء، مضطرّ إلى العشاء؛ فأكرم مثواي، ثمّ استمع فتواي؛ فقال: لقد أنصفت في الاشتراط؛ وتجافيت عن الاشتطاط؛ فصر معي إلى مربعي لنظفر بما تبتغي، وتنقلب كما ينبغي. قال: فصاحبته إلى ذراه، كما حكم الله. فأدخلني بيتا أحرج من التابوت، وأوهن من بيت العنكبوت، إلّا أنّه جبر ضيق ربعه، بتوسعة ذرعه، فحكّمني في القرى، ومطايب ما يشترى؛ فقلت: أريد أزهى راكب على أشهى مركوب، وأنفع صاحب مع أضرّ مصحوب.
***
قوله: «فاق»، أي فضل. ذكاء: حدّة ذهن. حاد: مال.
1238 · ص415 · ج2
والحرم له ثلاثمائة سوار من الرخام، وذرع الحرم في الطول أربعمائة ذراع، وفي العرض ثلاثمائة ذراع، فتكسيره ثمانية وأربعون مرجعا، وله تسع صوامع وتسعة عشر بابا، أكثرها مفتّح على الأبواب، منها باب الصفا، وهو مفتح على خمسة أبواب، وهو أكبرها، وعليه يخرج إلى السعي بين الصفا والمروة. وللصفا أربع عشرة درجة، وللمروة خمسة، وما بين الصفا والمروة ميل، وهو اليوم سوق جميل، يجمع الفواكه بمكّة وحوانيت الباعة يمين وشمال فلا يكاد الساعون يخلصون للسعي لكثرة الزحام.
وقبّة بئر زمزم تقابل الحجر الأسود، منها إليه أربع وعشرون خطوة، وداخلها مفروش بالرخام الأبيض وتنور البئر في وسطها من رخام دوره أربعون شبرا، وارتفاعه أربعة أشبار ونصف، وغلظه شبر، وعمقه إحدى عشرة قامة، وعمق الماء سبع، وباب القبة ناظر إلى الشرق.
ثم ذكر في البيت وما يتصل به من البئر من ذلك غرائب من صنع الرخام والنقوش وغير ذلك أشياء لا يسع كتابنا ذكرها، فلنقتصر على هذا القدر.
***
فعصفت بي ريح الغرام، واهتاج لي شوق إلى البيت الحرام؛ فزممت ناقتي، ونبذت علقي وعلاقتي: [الوافر]
وقلت للائمي أقصر فإنّي ... سأختار المقام على المقام
وأنفق ما جمعت بأرض جمع ... وأسلو بالحطيم عن الحطام
ثمّ انتظمت مع رفقة كنجوم اللّيل، لهم في السّير، جرية السّيل، وإلى الخير جري الخيل؛ فلم نزل بين إدلاج وتأويب، وإيجاف وتقريب، إلى أن حبتنا أيدي المطايا بالتّحفة، في إيصالنا إلى الجحفة؛ فحللناها متأهّبين للإحرام، متباشرين بإدراك المرام، فلم يك إلّا أن أنخنا بها الرّكائب، وحططنا الحقائب، حتّى طلع علينا من بين الهضاب، شخص ضاحي الإهاب؛ وهو ينادي: يا أهل ذا النادي، هلمّ إلى ما ينجي يوم التّنادي. فانخرط إليه الحجيج وانصلتوا، واحتفّوا به وأنصتوا. فلمّا رأى تأثّفهم حوله، واستعظامهم قوله، تسنّم إحدى الآكام، ثم تنحنح مستفتحا للكلام، وقال:
***
قوله: عصفت، تحرّكت واشتدّت. الغرام: الشوق. اهتاج: تحرّك. زممت:
شددت زمامها. نبذت: رميت. علقي: ما يتعلق به ويمسكه عن إرادته. علاقتي: ما