261 · ص89 · ج3
واصبر على ما ناب من فاقة ... صبر أولى العزم وأغمض عليه
ولا ترق ماء المحيّا ولو ... خوّلك المسئول ما في يديه
فالحرّ من إن قذيت عينه ... أخفي قذى جفنيه عن ناظريه
ومن إذا أخلق ديباجه ... لم ير أن يخلق ديباجتيه
***
فلق: شقّ من بين شفتيه، نحت: نجر، أراد إنشاء قصائده. والقوافي، من قفوت الشيء، إذا تتبعته، وسميت بذلك الاتباع بعضها بعضا. القلّ: القلّة. المتراقي: المرتفع، لبدتيه. شعر متلبد على كفله وبين كتفيه، ناب: نزل. فاقة: فقر. أغمض، أي استره واغفل عنه، والمحيّا: الوجه، خولك: ملكك. الناظر: سواد العين، فيريد أنه إذا وقع في عينيه قذى وهو السقط على شدّة إذايته، احتمله الحرّ الكريم وصبر عليه، وأخفاه من ناظريه: تجلد، أي أخفي أذى بعض العينين عن بعض، وهذا غاية في المبالغة، ديباجه:
ثوبه، والديباج: ثوب رفيع، ديباجتيه: خدّيه، وقيل ديباجة الخدّ حسن بشرته، وأخلق الشيء، وأخلقه غيره لازم ومتعدّ: يقول: إذا افتقرت وبلي ثوبك فلا تبذل وجهك لأحد، ولا تهنه بالسؤال، وهذا من قول حبيب: [البسيط]
ذلّ السؤال شجا في حلق معترض ... من دونه شرق من خلفه حرض (١)
ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
وقال في ابن الزيات: [البسيط]
اعطى ونطفة وجهي في قراراتها ... يصونها الوجنات الغضّة القشب (٢)
ويقول: لم يخلق وجهي سؤال، فوجهي غضّ جديد، والنطفة: ماء الوجه الذي نهى الحريري عن إراقته حين قال: [السريع]
ولا ترق ماء المحيّا ولو ... خوّلك المسئول ما في يديه
[أبو تمام وعبد الصمد بن المعذل]
قال الصوليّ: كان حبيب رحمه الله تعالى لا يجيب هاجيا، ترفّعا عنه، فانحدر إلى البصرة والأهواز يمدح من بهما، فكتب إليه عبد الصمد بن المعذل: [الخفيف]
أنت بين اثنتين تبرز للنّاس ... س بكلتيهما بوجه مذال
لست تنفك طالبا لوصال ... من حبيب أو طالبا لنوال
(١) البيتان في ديوان أبي تمام ص ١٤٩.
(٢) البيت في ديوان أبي تمام ص ٤٨.
262 · ص90 · ج1
وكسوه. وقشرته: ثوبه، لأنه قدّم أنّ هيئته كانت رثّة، فاحتاجوا أن يكسوه.
***
قال المخبر بهذه الحكاية: فلمّا رأيت تلهّب جذوته، وتألّق جلوته، أمعنت النّظر في توسّمه، وسرّحت الطّرف في ميسمه، فإذا هو شيخنا السّروجيّ، وقد أقمر ليله الدّجوجيّ، فهنّأت نفسي بمورده، وابتدرت استلام يده، وقلت له: ما الّذي أحال صفتك، حتّى جهلت معرفتك، وأيّ شيء شيّب لحيتك، حتّى أنكرت حليتك! فأنشأ يقول: [المجثث]
وقع الشّوائب شيّب ... والدّهر بالنّاس قلّب
إن دان يوما لشخص ... ففي غد يتغلّب
فلا تثق بوميض ... من برقه فهو خلّب
واصبر إذا هو أضرى ... بك الخطوب وألّب
فما على التّبر عار ... في النّار حين يقلّب
ثم نهض مفارقا موضعه، ومستصحبا القلوب معه
***
تلتهب جذوته: اشتعال جمرته واتّقادها؛ وأراد حدّة ذهنه، والجذوة: النار في طرف العود. تألق: لمعان. جلوته: ما جلاه وكشفه من وجهه، وتقول: جلوت العروس جلوة، إذا أزلت نقابها، وأظهرت وجهها، والجلوة بالكسر: هيئة جلوة حين يجلى، وأراد بتألّق جلوته بريق وجهه. أمعنت: بالغت وأدمت النظر، وأصله من أمعن في الأرض إذا أبعد الذهاب فيها. توسمه: نظر سماته، وهي علامته التي يعرف بها، ويريد أنه أدام النظر في نعوته. سرّحت الطّرف: أرسلت العين بالنظر، وأصل الطرف تحرّك العين عند النّظر، تقول: طرفت العين طرفا. والعين: الجارحة، والبصر: ما تدركه بنظرها، ثمّ سمّيت العين طرفا لذلك. وميسمه: علامته. أقمر: ابيضّ، فصار مثل لون القمر. الدّجوجيّ: الشديد السواد، وأراد نبات شعره الأسود.
قوله: «بمورده»، أي بقدومه وإتيانه، تقول: ورد علينا فلان، إذا قدم عليك من بلد آخر، والمورد: مصدر ورد، وهو بمعنى الورود، لأنه قدّم أنه غاب عنه مدّة لا يعرف له موضعا، ولا يجد عنه مخبرا؛ حيث قال: «واستتر عنّي حينا»، فلما رآه ببلده بالبصرة فرح بقدومه وهنّأ نفسه على ذلك.
استلام: تقبل اليد. ابن الأنباريّ: استلم الحجر، معناه أخذه ومسّه بيده، واستلم، افتعل، من المسالمة. يريد أخذ الحجر وضمّه إليه، أو يكون استفعل، من اللأمة وهي