74 · ص23 · ج4
الجر، لأن حرف الجر عندك بمنزلة جزءٍ من الفعلِ و"رُبَّ" حرف جر، ألا ترى أنك لا تقول: بربَّ رجلٍ مررتُ، كما تقول بكم رجل مررت؟.
أجبت: مقابلتها لـ "كَمْ" هي التي أجرتها مجرى الأسماء من وجه، ومن ثَمَّ قال الشَّيخُ -رحمه الله-: وقد تستعملها العربُ في معنى نقيضتها وهي "كم" التي للتكثير، وأنشدوا في ذلك بيت الحماسة ١:
فإن تُمْسِ مَهْجُورَ الفَنَاءِ فَرُبَّمَا … أقَامَ بِهَا بَعْدَ الوُفُودِ وُفُوْدُ
ونظيرتها في ذلك "قد" فإنها للتقليل إذا دخلت على المضارع ثم انقلبت إلى معنى التكثير في نحو قول زهير ٢:
أَخُو ثِقَةٍ لا تُهْلِكُ الخَمْرُ مالَهُ … وَلكنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نائِلُهْ
بخلاف سائر الحروف الجارة. وإذا قيل لك: ما أحسنت؟ فقل: رب إحسانٍ تقدم منّي إليك. فقد قال ابنُ السّراجِ ٣: كأنَّك قلت: قد فعلت من إحسان إليك من تقدم.
قال جارُ اللهِ: "وتُكَفُّ بـ "ما" فتدخل حينئذٍ على الاسم والفعل كقوله: ربما قام زيد، وربما زيد في الدار قال أبو دُؤادٍ:
رُبَّمَا الجَامِلُ المُؤَبِّلُ فِيْهُمُ … وعَنَاجِيْجُ بَيْنَهُنَّ المَهَارُ"
قال المُشَرِّحُ: [ابنُ السَرَّاجِ] ٤: ولما كانت "رُبَّ" تأتي لما مضى فكذلك رُبّما لما وقع بعدها الفعل كان حقه أن يكون ماضيًا فإذا رأيتَ الفعلَ
١ البيت في الحماسة (ص ٢٢٦) برواية الجواليقي لأبي العطاء السندي وينظر: شرح الحماسة للمرزوقي (ص ٨٠٠)، أمالي القالي (١/ ٢٧٧)، خزانة الأدب (٤/ ١٦٧).
٢ شرح ديوان زهير (ص ١٤١).
٣ الأصول (١/ ٤١٧).
٤ ساقط من (أ) ونص ابن السراج في الأصول (١/ ٤١٩).