288 · ص288
وَحَكَوْا عن ذي الرُّمَّة ١ أنه لمَّا أَنْشَدَ قولَه ٢:
إذا غَيّر النأيُ ٣ المحبينَ لم يكدْ ... رَسِيسُ ٤ الهوى مِن حبِّ مَيّة ٥ يبرحُ
عِيبَ عليه؛ لأنه قال: لَمْ يَكَدْ يَبْرَحُ فيكون قد بَرِحَ، فغيَّره إلى قوله: (لم يَزَلْ) أو ما هو بمعناه ٦.
والذي غَرَّ هؤلاء قوله- تعالى-: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: ٧١] قالوا: فهي هنا منفيَّةٌ وخبرُها مُثْبَتٌ في المعنى، لأن الذبْحَ وقع؛ لقوله: {فَذَبَحُوهَا}.
والجوابُ عن هذهِ الآية من وَجْهَين، أحدُهما: أنه يُحْمَلُ على اختلافِ وقتين، أي: ذبحوها في وقتٍ، وما كادوا يفعلونَ في وقتٍ آخرَ، والثاني: أنه عبَّر بنفي مقاربةِ الفعل عن شدَّةِ تعنُّتهم وعُسرِهم في الفعل.
وأمَّا ما حَكَوهُ عن ذي الرُّمَّة فقد غلَّط الجمهورُ ذا الرُّمة في رجوعه عن قولِه، وقالوا: هو أبلغ ٧ وأحسنُ مِمَّا غيَّره إليه". اهـ ٨
١ غَيْلان بن عُقْبَة المُضَرِيّ، أبو الحارث، المعروف بذي الرُّمَّة، من فحول الشعراء، عَشِقَ مَيَّة المِنْقَرِيّة واشتُهر بذلك، قال أبو عمرو ابن العلاء: "افتتح الشعر بامرئ القيس، وخُتم بذي الرمة"اهـ، له ديوان شعر مشهور، توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر: طبقات فحول الشعراء، للجمحي (٢: ٥٣٤)، البداية والنهاية، لابن كثير (١٣: ٧٨).
٢ البيت في ديوان ذي الرمة (ص: ٤٣)، وهو أيضاً في العين، للخليل بن أحمد، مادة: رس (٧: ١٩١)، وفي تهذيب اللغة، للأزهري، مادة: رس (١٢: ٢٠٥)، وفي مصادر أخرى.
٣ النَّأْيُ: البُعدُ. ينظر: العين، للخليل بن أحمد، مادة: ناء (٨: ٣٩٢)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: نأي (١٥: ٣٠٠).
٤ الرَّسيس: الشيء الثابتُ اللازمُ مكانَه، ورسيس الهوى: بقيته وأثره، وقيل: ابتداءه وأصله. ينظر: العين، للخليل بن أحمد، مادة: رس (٧: ١٩١)، تهذيب اللغة، للأزهري، مادة: رس (١٢: ٢٠٥)، لسان العرب، لابن منظور، مادة: رس (٦: ٩٧)، تاج العروس، للزبيدي، مادة: رس (١٦: ١٢٣).
٥ مَيَّة بِنْت مُقَاتِل بن طَلَبَة بن قَيْس الْمِنْقَرِيّ التَمِيمِيّ، عشقها ذو الرُّمة، وله فيها أشعار، توفيت نحو ١٥٠ هـ. ينظر: وفيات الأعيان، لابن خلكان (٤: ١١)، البداية والنهاية، لابن كثير (١٣: ٧٨).
٦ ينظر: دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني (١: ٢٧٤).
٧ ينظر: دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجاني (١: ٢٧٤)، شرح الكافية الشافية، لابن مالك (١: ٤٦٨).
٨ الدر المصون (١: ١٧٦).::