819 · ص834 · ج2
وجه الدلالة: أنَّ مَنْ اتخذَ عالمًا إِمامًا له يعرضُ عليه نصوصَ الكتابِ والسنةِ، فما وافقَ قولَ إِمامِه قَبِلَه، وما خالفه تركه، مع أنَّه يُقر بأنَّ هذا قول الله وقول رسوله - صلى الله عليه وسلم -: فقد اتخذ إِمامَه مِنْ دونِ الله وليًا ١.
مناقشة الدليل الأول: يمكن أن يناقش وجه الدلالة من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ ما ذُكرَ في وجه الدلالةِ هو التعصّب لأقوالِ الإِمامِ، وليس هذا ما نتحدثُ عنه.
الوجه الثاني: لا يصح تنزيلُ الآيةِ على مَنْ يعتقدُ أنَّ الحلالَ هو ما أحلَّه الله ورسولُه - صلى الله عليه وسلم -، وأنَّ الحرامَ هو ما حرَّمه اللهُ ورسولُه - صلى الله عليه وسلم -، لكن لما قَصُرَ علمُه وفهمُه عمَّا قاله النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وضعفَ إِدراكُه عن بلوغِه، ولم يكنْ عنده علمٌ بطرقِ الجمعِ بين الأدلةِ: اتَّبع عالمًا يغلبُ على ظنِّه أنَّه متبعٌ للكتاب والسنةِ - وإنْ علم مِنْ إِمامِه مخالفةً للدليلِ تَرَكَ قولَه - فإِنَّ مثلَ هذا لا يلحَقه لومٌ، ولا تتوجه إِليه هذه الآيات ٢.
الدليل الثاني: قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} ٣.
وجه الدلالة: أنَّه لا وليجةَ أعظم ممَّنْ جَعَل أقوالَ عالمٍ بعينِه عيارًا ٤ على كلامِ الله تعالى، وكلامِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - ٥.
مناقشة الدليل الثاني: الَّذي يأخذُ قولَ إِمامِه؛ لاعتقادِه أنَّ قولَه كاشفٌ عن مرادِ الله ومرادِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - لا أنَّه اختارَ قولَ إِمامِه وقدّمه على قولِ الله
١ انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٤).
٢ انظر: حجة الله البالغة للدهلوي (١/ ٤٧٧)، والدرر السنية لابن قاسم (٤/ ٧٢).
٣ من الآية (١٦) من سورة التوبة.
٤ العيار: الوِزَان، تقول: عيّر الدنانير، أي: وزنها واحدًا بعد واحدِ. انظر: لسان العرب، مادة: (عير)، (٤/ ٦٢٣)، والقاموس المحيط، مادة: (عير)، (ص/ ٥٧٥).
٥ انظر: الإِحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٦/ ١٢٤)، وإعلام الموقعين (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩).