993 · ص1015 · ج2
مناقشة الدليل الأول: نُسَلِّمُ لكم أنَّ التيسيرَ مِنْ مقاصدِ الشريعةِ الإِسلاميةِ، والنصوصُ مِن الكتابِ والسنةِ متضافرةٌ على هذا الأمرِ، لكنَّ المرادَ به هو أنَّ حوائجَ البشرِ تسيرُ مع تعاليمِ الشرعِ، دونَ مشقةٍ عليهم، وليس المرادُ تركَ تعاليم الشرعِ؛ لرخصِ المذاهبِ، وبناءً عليه لا نُسلّمُ لكم أنَّ مِنْ مقتضى التيسير تتبّعَ الرخصِ ١.
الدليل الثاني: عن جابرِ بنِ عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بُعِثتُ بالحنيفيةِ السمحةِ، أو السهلة) ٢.
= (ص/ ٢٣)، والدرر البهية في الرخص الشرعية للصلابي (ص/ ٨٧)، والتقليد في الشريعة الإِسلامية لعبد الله الشنقيطي (ص/ ١٥١)، وتبصير النجباء للدكتور محمد الحفناوي (ص/ ٢٨٨)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٦)، والأخذ بالرخص الشرعية للدكتور وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإِسلامي، العدد: الثامن (١/ ٦٢)، والتلفيق في الفتوى للدكتور سعد العنزي، مجلة الشريعة والدراسات الإِسلامية، العدد: الثامن والثلاثون (ص / ٢٩٥)، ومقاصد المكلفين للدكتور فيصل الحليبي (ص / ٨٨٨).
١ انظر: الاجتهاد والتقليد للدكتور محمد الدسوقي (ص/ ٢٣٦)، والتقليد وأحكامه للدكتور سعد الشثري (ص/ ١٥٧).
٢ أخرج الحديث بهذا اللفظ: الخطيب البغدادي في: تاريخ مدينة السَّلام (٨/ ١١٧)؛ وابن النجار في: ذيل تاريخ بغداد (٣/ ٦٠٥).
وفي سنده: مسلم بن عبد ربه، قال عنه الذَّهبي في: ميزان الاعتدال (٤/ ١٠٥): "ضعفه الازدي، ولا أدري مَنْ ذا". ويقول ابن حجر في: لسان الميزان (٨/ ٥٢): "هو الطالقاني".
ويقول المناوي في: فيض القدير (٣/ ٢٠٣) عن حديث جابر - رضي الله عنه -: "له طرق ثلاث ليس يبعد أنْ لا ينزل بسببها عن درجة الحسن".
وللحديث شواهد يرتقي بها إِلى درجة الحسن، منها:
أولًا: حديث أبي أمامة - رضي الله عنه - مرفوعًا، ولفظه: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكني بعثت بالحنيفية السمحة)، وأخرجه: أحمد في: المسند (٣٦/ ٦٢٣)، برقم (٢٢٢٩١)، وقال ابن رجب في: فتح الباري (١/ ١٤٩) عن إِسناد رواية أحمد: "إِسناد ضعيف". والطَّبراني في: المعجم الكبير (٨/ ٢١٦)، برقم (٧٨٦٨)؛ والخطيب البغدادي في: الفقيه والمتفقه (٢/ ٤٣٠)، برقم (١٢١٨).
ثانيًا: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعًا: (أحب الدين إِلى الله الحنيفية السمحة): ذكر الحديثَ البخاريُّ مجردًا عن راويه في: صحيحه معلّقًا، كتاب: الإِيمان، باب: الدين يسر (ص/ ٣١). ويقول ابن حجر في: فتح الباري (١/ ٩٤): "هذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب؛ لأنَّه ليس على شرطه، نعم وصله في كتاب: الأدب المفرد"، وانظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ١٤٨). =
994 · ص1016 · ج2
وجه الدلالة: أنَّ قولَه - صلى الله عليه وسلم -: (بُعثتُ بالحنيفيةِ السمحة) يقتضي جوازَ تتبعِ الرخصِ؛ إِذ في الرخصةِ سهولةٌ، والأَخْذ بالرخصِ فيه سماحةٌ، وقد
= وفي لفظ: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الأديان أحب إِلى الله عز وجل؟ قال: (الحنيفية السمحة)، وأخرجه: البخاريُّ في: الأدب المفرد، باب: حسن الخلق إِذا فقهوا (ص/ ١٠٨)، برقم (٢٨٧)؛ وعبد بن حميد في: المنتخب (١/ ٤٤٥)، برقم (٥٦٧)؛ وأحمد في: المسند (٤/ ١٦ - ١٧)، برقم (٢١٠٧)؛ والطَّبراني في: المعجم الأوسط (١/ ٣٠٠)، برقم (١٠٠٦).
وضعف ابنُ رجب في كتابه: فتح الباري (١/ ١٤٨) الحديثَ، وحسَّنه إِسناده ابن حجر في: فتح الباري (١/ ٩٤).
ولم يرتض الألبانيُّ في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٢/ ٥٤١) تحسين ابن حجر للحديث؛ لأنَّ في إِسناده ابن إِسحاق، وهو مدلس، وقد عنعنه، لكن للحديث شواهد، ولذا رأى الألباني في: المصدر السابق (٢/ ٥٤١)، و (٦/ ق ٢/ ١٠٢٤)، وفي: صحيح الأدب المفرد (ص/ ١٢٢) أن حديث ابن عبَّاس حسن لغيره.
وقد أُعلَّ حديث ابن عبَّاس بأن رواية داود بن الحصين عن عكرمة ضعيفة. انظر: فتح الباري لابن رجب (١/ ١٤٨)، وتقريب التهذيب لابن حجر (ص/ ٢٣٨)، وزوائد تاريخ بغداد للدكتور خلدون الأحدب (٥/ ٥٢٨).
ويشهد لحديث ابن عبَّاس: مرسل عمر بن عبد العزيز قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الدين أفضل؟ فقال: (الحنيفية السمحة)، وأخرجه: عبد الرزاق في: المصنِّف، باب: الرخص في الأعمال والقصد (١١/ ٢٩٢)، برقم (٢٠٥٧٤).
وقال ابن حجر في: تغليق التعليق (٢/ ٤٢) عن مرسل عمر بن عبد العزيز: "مرسلٌ صحيحٌ".
ثالثًا: حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا، وفيه: (إني أرسلت بحنيفية سمحة)، وأخرجه: أحمد في: المسند (٤١/ ٣٤٩)، برقم (٢٤٨٥٥)؛ والحميدي بنحوه في: المسند (١٢٨٦)، برقم (٢٥٦).
وحسَّن إِسنادَه ابنُ حجر في: تغليق التعليق (٢/ ٤٣)، والسخاويُّ في: المقاصد الحسنة (ص/ ١٥٩)، والألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ق ٢/ ١٠٢٤). وانظر: تعليق محققي المسند (٤١/ ٣٤٩) حاشية رقم (١).
رابعًا: مرسل أبي قلابة، ولفظه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (بعثت بالحنيفية السمحة)، وأخرجه: ابن سعد في: الطبقات الكبرى (١/ ١٩٢)، و (٣/ ٣٩٥).
وصحح ابن حجر في: تغليق التعليق (٢/ ٤٢) إِسناده، وقال في: المصدر السابق (٢/ ٤٤): "وفي الباب: عن أبي بن كعب، وجابر، وابن عمر، وأبي أمامه، وأبي هريرة، وأسعد بن عبد الله الخزاعي، وغيرهم".
وبعض هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - خرجتُ حديثه، وللاستزادة انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (٦/ ق ٢/ ١٠٢٢ - ١٠٢٧).