374 · ص383 · ج1
جوازِ تقليدِ المجتهدِ لغيرِه مِن المجتهدين، وما ذكرتموه مِن الوقائع، لكلٍّ منها مناقشةٌ:
أولًا: مناقشة ما جاء عن عبد الرحمن بن عوف، نوقش من أربعة أوجه:
الوجه الأول: أنَّ عليًّا - رضي الله عنه - خالفَ عثمانَ بن عفان - رضي الله عنه -، ولم يقبلْ ما قاله عبدُ الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - ١، فلا تصحُّ دعوى الإجماعِ ٢.
الجواب عن الوجه الأول: كونُ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لم يقبل ذلك، لا يدلُّ على عدمِ جوازِ قبولِه، بلْ على عدمِ وجوب قبولِه، ونحن نقول: إنَّه غيرُ واجبِ القبولِ، بلْ هو جائزُ القبولِ ٣.
الوجه الثاني: المرادُ بسيرةِ الشيخين: أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -، سيرتُهما في حراسةِ الإِسلام، والذبِّ عنه وحمايتِه، والدعوةِ إليه، وسياسةِ الرعيّةِ والعدلِ بينهم، لا أَقوالهما الفقهية؛ يدلُّ عليه: أنَّ سيرةَ الشيخين في النوازلِ والحوادثِ مختلفةٌ، فلكلِّ واحدٍ منهما أقوالٌ تخالفُ الآخر، فتعيّنَ حملُه على ما ذُكِرَ ٤.
الوجه الثالث: المرادُ بسيرةِ الشيخين طريقتُهما في الاجتهادِ، والبحثِ عن الدليلِ، لأنَّ في سيرةِ أبي بكرٍ وعمر - رضي الله عنهما - الاجتهادَ وطلبَ الدليلِ، والحكمَ بما يقتضيه الاجتهادُ، لا تقليدهما في أعيانِ المسائلِ ٥.
١ فقال علي - رضي الله عنه - لما عرض عليه عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - البيعة: (فيما استطعت). وتقدم في: (ص/ ٣٨٠) تخريج الحادثة.
٢ انظر: العدة (٤/ ١٢٣٤)، والتبصرة (ص / ٤٠٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢١)، والمحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٧).
٣ انظر: المحصول في علم أصول الفقه للرازي (٦/ ٨٧)، ونهاية الوصول للهندي (٨/ ٣٩١٧)، وفتح الباري لابن حجر (١٣/ ١٩٨).
٤ انظر: أدب القاضي للماوردي (١/ ٦٤٨)، والعدة (٤/ ١٢٣٤)، والتبصرة (ص / ٤٠٨)، وشرح اللمع (٢/ ١٠٢٠)، والتمهيد في أصول الفقه لأبي الخطاب (٤/ ٤١٥)، والواضح في أصول الفقه (٥/ ٢٥٠).
٥ انظر: المصادر السابقة.