229 · ص117 · ج2
ذلك وصف الأيدى بالشدة والسلاطة ألا ترى إلى قوله ١:
ترمى الأماعيز بمجمرات … بأرجل روح محنّبات ٢
وقوله:
ترمى الحصا بمناسم … صمّ صلادمة صلاب
والأمر فى ذلك أشهر، وإنما أراد أن أيديها اختضبن بالدم فاحمررن، فذكر نعمة اليد؛ لأنها مما يصحبها الخضاب.
وعليه قال الآخر:
كأنّ أيديهنّ بالقاع القرق … أيدى عذار يتعاطين الورق ٣
فذكر العذارى؛ لأنهن مما يصحبهنّ الخضاب، فأراد انخضاب أيدى الإبل بالدم. وهذا ونحوه من لمحات العرب، وإيماءاتها التى تكتفى بأيسرها مما وراءه. ألا ترى إلى قول الهذلى ٤:
أمنك البرق أرقبه فهاجا … فبتّ أظنّه دهما خلاجا؟ ٥
أى: فإذا اختلجت عنها أولادها حنّت إليها، فشبه حنينهن بصوت الرعد، فقدّم ذكر البرق، وأودع الكلام ذكر حدث صوت الرعد؛ لأنه مما يصحبه-وهو كثير، فكذلك قراءته: «وربأت»، دل بذكر الشخوص والانتصاب على الوفور والانبساط الذى فى قراءة الجماعة: {وَرَبَتْ}.
***
١ هذا البيت مما أنشده أبو الحسن لابن جنى كما فى: (الخصائص ٣٥/ ١) وفيه: يحدو بها كل فتى فتيات وهن نحو البيت عامدات
٢ الأماعيز واحدها أمعز: وهو ما غلظ من الأرض، والوجه فيها الأماعز، ولكنه زاد الياء للشعر، و «مجمرات» يريد خفافا صلبة، يقال: خف مجمر، وقوله: بأرجل إبدال من قوله: «بمجمرات». وأرجل روح: جمع أروح وروحاء، يقال: رجال روحاء إذا كان فى التقدم انبساط واتساع و «مجنبات» كذا وردت فى بعض نسخ الخصائص، ووردت فى بعضها مجبنات كرواية المحتسب. وتجنيب الرجل انحناء فيها وتوتير، وتجنيبها أيضا بهذا المعنى، وهذا فى وصف إبل. انظر: (شواهد العينى فى مبحث المعرب والمبنى، وهامش الخصائص ٣٥/ ١، «بتصرف»).
٣ سبق الاستشهاد به فى (٢١٦/ ١).
٤ لأبى ذويب الهذلى.
٥ انظر: (ديوان الهذليين ١٦٤/ ١).