24 · ص14 · ج2
قال أبو الفتح: تحتمل هذه القراءة وجهين:
أحدهما: أن يكون أراد ما هذا بمشرىّ، من قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} ١، أى: باعوه، أى ما ينبغى لمثل هذا أن يباع، فوضع المصدر موضع اسم المفعول، كقول الله سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} ٢، أى مصيده، وكقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ٣، أى المخلوق، وكقول النبى صلّى الله عليه وسلّم: الراجع فى هبته ٤، أى: فى موهوبه. وهذا الثوب نسج اليمن، أى: منسوجه؛ وذلك أن الأفعال لا يمكننا إعادتها. ومنه قولهم: غفر الله لك علمه فيك، أى: معلومه. ومنه قولهم: هذا الدرهم ضرب الأمير، أى: مضروبه.
والآخر: أن تكون الباء غير زائدة للتوكيد كالوجه الأول، لكنها كالتى فى قولك: هذا الثوب بمائة درهم، وهذا العبد بألف درهم، أى هذا بهذا، فيكون معناه: ما هذا بثمن، أى: مثله لا يقوّم ولا يثمّن، فيكون «الشّرى» هنا يراد به المفعول به، أى الثمن المشترى به، كقولك: ما هذا بألف، وهو نفى قولك: هذا بألف، فالباء إذا متعلقة بمحذوف هو الخبر، مثلها كقولك: كرّ البرّ بستين، ومنوا السّمن بدرهم.
***
{حَتّى حِينٍ} (٣٥)
ومن ذلك ما روى عن عمر أنه سمع رجلا يقرأ: «عتّى حين» ٥، فقال: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود، فكتب إليه: إن الله عز وجل أنزل هذا القرآن فجعله عربيا، وأنزله بلغة قريش، فأقرئ الناس بلغة قريش، ولا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام.
قال أبو الفتح: العرب تبدل أحد هذين الحرفين من صاحبه لتقاربهما فى المخرج،
١ سورة يوسف الآية (٣١).
٢ سورة المائدة الآية (٩٦).
٣ سورة الروم الآية (٢٧).
٤ أخرجه البخارى فى صحيحه حديث (٢٥٢٩) النسائى كتاب الهبة برقم (٣٧٠٠) عن ابن عباس، ولفظه: «ليس لنا مثل السوء العائد فى هبته كالكلب يعود فى قيئه». وأخرجه أحمد فى مسنده رقم (٦٩٠٤) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: «الراجع فى هبته كالكلب يرجع فى قيئه».
٥ انظر: (الكشاف ٣١٩/ ٢، البحر المحيط ٣٠٧/ ٥).