595 · ص89 · ج1
إسراء اليقظة فبعد النبوة. وقيل: بل الوحي هاهنا مقيَّد، وليس بالوحي المطلق الذي هو ١ مبدأ النبوة، والمراد: قبل أن يوحى إليه في شأن الإسراء، فأسري به فجأةً من غير تقدُّم إعلام. والله أعلم.
فأقام - صلى الله عليه وسلم - بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله تعالى، ويعرض نفسه عليهم في كلِّ موسم أن يُؤْوُوه حتى يبلِّغ رسالة ربِّه ولهم الجنة. فلم يستجب له قبيلة، وذَخَر الله ذلك كرامةً للأنصار. فلما أراد الله إظهار دينه، ونصرَ نبيِّه، وإنجاز وعده، وإعلاء كلمته، والانتقام من أعدائه= ساقه إلى الأنصار لِما أراد بهم من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم ستة، وقيل: ثمانية، وهم يحلقون رؤوسهم عند عقبة منًى في الموسم، فجلس إليهم، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ورسوله، ورجعوا إلى المدينة، فدعوا قومهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكرٌ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأول مسجد قرئ فيه القرآن بالمدينة مسجد بني زُرَيق.
ثم قدم مكة في العام القابل اثنا عشر رجلًا من الأنصار، خمسة منهم من الستة الأولين، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء عند العقبة، ثم انصرفوا إلى المدينة.
فقدِم عليه في العام القابل منهم ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان، وهم أهل العقبة الأخيرة، فبايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم، ويرحل هو وأصحابه إليهم. واختار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم اثني عشر نقيبًا. وأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه في الهجرة إلى المدينة
١ ص: «هو قبل»، ولفظ «قبل» مقحم.
596 · ص89 · ج2
ويلزم من قال: إنَّ صومه لم يكن واجبًا، أحدُ الأمرين: إمَّا أن يقول: تُرِك استحبابه فلم يبقَ مستحبًّا، أو يقول: هذا قاله عبد الله بن مسعودٍ برأيه، وخفي عليه استحباب صومه، وهذا بعيدٌ، فإنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حثَّهم على صيامه، وأخبر أنَّ صومه يكفِّر السَّنة الماضية ١، واستمرَّ الصَّحابة على صيامه إلى حين وفاته، ولم يَرِدْ ٢ عنه حرفٌ واحدٌ بالنَّهي عنه وكراهة صومه، فعُلِم أنَّ الذي تُرِك وجوبُه لا استحبابه.
فإن قيل: حديث معاوية المتَّفق عليه صريحٌ في عدم فرضيَّته وأنَّه لم يُفرَض قطُّ.
فالجواب: أنَّ حديث معاوية صريحٌ في نفي استمرار وجوبه، وأنَّه الآن غير واجبٍ، ولا ينفي وجوبًا متقدِّمًا منسوخًا، فإنَّه لا يمتنع أن يقال لِما كان واجبًا ونُسِخ وجوبه: «إنّ الله لم يكتبه علينا» ٣.
وجوابٌ ثانٍ: أنَّ غايته أن يكون النَّفي عامًّا في الزَّمان الماضي والحاضر، فيُخَصُّ بأدلَّة الوجوب في الماضي ويُترك النَّفي على استمرار الوجوب.
وجوابٌ ثالثٌ: وهو أنَّه - صلى الله عليه وسلم - إنَّما نفى أن يكون فرضه ووجوبه مستفادًا من جهة القرآن، ودلَّ على هذا بقوله: «إنَّ الله لم يكتبه علينا»، وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك، فإنَّ الواجب الذي كتبه الله على عباده هو ما أخبرهم بأنَّه كتبه عليهم، كقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: ١٨٣]، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -
١ رواه مسلم (١١٦٢/ ١٩٦) من حديث أبي قتادة- رضي الله عنه -، وقد تقدم.
٢ ق، مب: «يُرْوَ».
٣ ك: «عليه».