595 · ص216 · ج3
أما الكتاب فكقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ١؛ حيث فسرها ابن عباس - رضي الله عنهما - بقوله: "هذا في الرجل يكون عليه المال وليس عليه بينة فيجحد، ويخاصم إلى الحكام، وهو يعلم أن الحق عليه، وهو آثم لمنعه" ٢، وأما السنة فكقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يبطل حق امرئ مسلم وإن قدم" ٣.
وقد ذهب فقهاء الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، والإباضية إلى أن سكوت صاحب الحق عن حقه لمدة طويلة من الزمن مع مقدرته على المطالبة به، وعدم وجود مانع شرعي؛ كالصغر والجنون أو الخوف من سلطان قاهر يمنعه من ذلك، ولم يكن بينه وبين المتصرف قرابة أو شركة في ميراث .. دليل على تركه له أو أمارة على عدم أحقيته، فيسقط حقه بذلك، فلو أقام حينئذ دعوى ضد المتصرف فيما يدعي ملكه، أو في حق يدعيه لنفسه فلا تقبل منه لتكذيب الواقع والعرف لها؛ ولأن العادة تنفي مثلها وإن كان هؤلاء الفقهاء قد اختلفوا في تحديد هذه المدة ٤.
١ سورة البقرة، آية ١٨٨.
٢ انظر: معالم التنزيل في التفسير، الفراء، ١/ ١٤٠.
٣ انظر: تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، ابن فرحون، ٢/ ٩٢، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد الحطاب، ٥/ ٤٧ و ٦/ ٢٢٤، ٢٣٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد عرفة الدسوقي، ٤/ ٢٣٦.
٤ انظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ابن نجيم، ٧/ ٢٢٦، وغمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن محمد مكي الحسيني الحموي الحنفي، ("الأشباه والنظائر لابن نجيم" بأعلى الصفحة يليه، مفصولًا بفاصل، شرحه "غمز عيون البصائر" لأحمد الحموي)، دار الكتب العلمية، ط ١، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م، ٢/ ٣٣٧، ورد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، ابن عابدين، ٤/ ٤٨٣ و ٦/ ٧٤٢، وفتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل (منهج الطلاب اختصره زكريا الأنصاري من منهاج الطالبين للنووي ثم شرحه في شرح منهج الطلاب)، سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري المعروف بالجمل، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ٥/ ١٠٣ و ٣٣٩، والطرق الحكمية في السياسات الشرعية، ابن قيم الجوزية، مطبعة السنة المحمدية، مصر، ١٣٧٢ هـ، ٧٨، وشرح منح الجليل على مختصر العلامة خليل، وبهامشه حاشية المسماة تسهيل منح الجليل، الشيخ محمد عليش، ٤/ ٢٤٠، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل، أبو عبد الله محمد الحطاب، ٦/ ٢٢٤، وشرح النيل وشفاء العليل، محمد بن يوسف أطفيش، ١٣/ ٥١٦.
596 · ص217 · ج1
المبحث الثاني القبول من الموقوف عليه (المعين وغير المعين)
القبول عند الحنفية هو: ما صدر ثانيًا من المتعاقد؛ لأنه يقع قبولًا ورضًا بما أوجبه الأول ١.
وهو عند جمهور الفقهاء: ما صدر ممن يصير إليه الملك، دالًا على رضاه بما أوجبه الطرف الآخر، وإن صدر أولًا ٢.
فإذا صدر الإيجاب من الواقف، فهل يحتاج إلى قبول الموقوف عليه، سواء أكان معينًا أم غير معين، أم يكتفي بمجرد الإيجاب؟ وبعبارة أخرى: هل يتحقق الوقف بإرادة واحدة، أم لا بدَّ من إرادتين متوافقتين؟ وهل يعتبر القبول جزءًا من ركن صيغة الوقف، أم شرطًا في إنشاء الوقف واستحقاقه؟
الفرع الأول: آراء الفقهاء في كون قبول الموقوف عليه ركنا في الصيغة:
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية والحنابلة، والزيدية، والإباضية، والإمامية في قول. . إلى أن القبول ليس ركنًا في صيغة الوقف؛ لأنه ليس عقدًا بين طرفين يتوقف على توافق إرادتين بإيجاب وقبول، وإنما هو تصرف بإرادة منفردة، أو إيقاع؛ ولأن في اعتبار القبول جزءًا من الصيغة عدم تحقق الوقف أبدًا، ولذلك سقط اعتباره كركن ٣.
١ انظر: فتح القدير شرح الهداية، كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام، ٥/ ٧٤.
٢ انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، ٣/ ٣، والمجموع شرح المهذب، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، ٩/ ١٦٥، وكشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، ٣/ ١٤٦.
٣ انظر: رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، محمد أمين الدمشقي الحنفي المعروف بابن عابدين، ٤/ ٣٤٢، والذخيرة، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، ٦/ ٣١٦، والتاج والإكليل لمختصر خليل، أبو عبد الله المواق محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف