← المكتبة ▭▭ صفحتان
البستان في إعراب مشكلات القرآن
ابن الأحنف اليمني التفسير 717 هـ
A− A+
657 · ص140 · ج3
محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- رسولًا إليهم، فأنكروا رسالته، وأنكروا البعث بعد الموت. قوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ}؛ أي: من لحومهم ودمائهم وشعورهم، لا يَعْزُبُ ذلك عن علمه، ثم قال: {وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)}. حافِظُ لِعِدَّتِهِمْ وأسْمائِهِمْ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، و"كِتابٌ" رفع على خبر الظرف. قوله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، يعني القرآن {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)}؛ أي: مختلط ملتبس مختلف، وأصل المَرْجِ: الاضْطِرابُ والقَلَقُ، يقال: مَرَجَ أمْرُ النّاسِ، ومَرَجَ الدِّينُ، ومَرَجَ الخاتَمُ فِي إصْبَعِي أي: قَلِقَ من الهُزالِ ١، وفي الحديث: "مَرَجَتْ عُهُودُهُمْ وَأماناتُهُمْ" ٢. ومعنى الآية أنهم قالوا: هو كاهن، ومنهم من قال: هو ساحر، ومنهم من قال: هو شاعر، ومنهم من قال: هو مجنون، وللقرآن: إنه سِحْرٌ، ومرة يقولون: رِجْزٌ، ومرة يقولون: مُفْتَرًى، فالْتَبَسَ القولُ عليهم حتَّى اختلفوا فِي أمْرِهِ ٣. ثم دَلَّهُمْ على قدرته على البعث بعظيمِ خَلْقِهِ، فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ} يعني: أفلا ينظرون هؤلاء المشركون الذين أنكروا البعث،
١ قاله ابن قتيبة والنقاش، ينظر: غريب القرآن لابن قتيبة ص ٤١٧، شفاء الصدور ورقة ٤٦/ ب، وينظر أيضًا: تهذيب اللغة ١١/ ٧٢، تفسير القرطبي ١٧/ ٥. ٢ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال لِي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "كيف أنت إذا بَقِيتَ في حُثالةٍ من الناس؟ قال: قلت: يا رسول اللَّه كيف ذاك؟ قال: "إذا مَرَجَتْ عُهُودُهُم وأماناتهم. . . إلخ". المسند ٢/ ١٦٢، ٢١٢، ٢٢٠، ٢٢١، ورواه ابن ماجه في سننه ٢/ ١٣٠٧ كتاب الفتن: باب التثبت في الفتنة. ٣ قاله الزجاج في معانِي القرآن وإعرابه ٥/ ٤٢، وينظر: الكشف والبيان ٩/ ٩٤، الوسيط ٤/ ١٦٣، القرطبي ١٧/ ٥.