864 · ص191 · ج2
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} يعني أهل مكة {اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ}، ثم أخبر بالنعمة فقال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} الآية، وهو استفهام توبيخٍ وتقريرٍ، أي: لا خالِقَ سِواهُ، قرأ شقيق بن سلمة ١ وأبو جعفرٍ والأعمش وحمزة والكسائي: "غَيْرِ" ٢ بالخفض، وهو اختيار أبِي عُبيدٍ، وقرأ الباقون بالرفع، فمن رفع "غير" فعلى معنى: هل خالِقٌ غَيْرُ اللَّهِ؟ لأن {مِنْ} زيادةٌ مُؤَكِّدةٌ، وهو قول الزجّاج ٣، ومَنْ خفض "غير" جعله صفة "خالق" على اللفظ، وهذه الآية حُجّةٌ على القَدَرِيّةِ؛ لأنه نَفَى خالِقًا غَيْرَهُ وهم يثبتون معه خالِقِينَ ٤.
قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} في البعثِ أنه كائنٌ، والحساب والجزاءِ بالثواب والعقاب {فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} فإنها فانيةٌ ومنقطعةٌ، {وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)} يعني: الباطل وهو الشيطان، وكل من غُرَّ فهو غَرُورٌ.
قرأه العامة بفتح الغين، وقرأ أبو حيوة الشامي وأبو السَّمّالِ العَدَوِيُّ ٥
١ شقيق بن سلمة الأسدي، أبو وائل الكوفِيُّ، ثقة كثير الحديث، أدرك النبيَّ ولَمْ يره، وروى عن عدد الصحابة، حفظ القرآن في شهرين، وعرضه على ابن مسعود، توفِّيَ سنة (٨٢ هـ). [حلية الأولياء ٤/ ١٠١، غاية النهاية ١/ ٣٢٨].
٢ وبها قرأ أيضًا خلفٌ وابنُ محيصن وابنُ وثاب وزيدُ بنُ عَلِيٍّ، وقرأ الباقون بالرفع، ينظر: السبعة ص ٥٣٤، إعراب القراءات السبع ٢/ ٢٢٤، البحر ٧/ ٢٨٦، الإتحاف ٢/ ٣٩٠، ٣٩١.
٣ معانِي القرآن وإعرابه ٤/ ٢٦٢.
٤ قاله الثعلبي في الكشف والبيان ٨/ ٩٨، وينظر: تفسير القرطبي ١٤/ ٣٢٢.
٥ قَعْنَبُ بن أبِي قَعْنَبٍ العدوي البصري، وقيل: اسمه معتب بن هلال، له اختيار في القراءة شاذ عن الجمهور، لا يُعْتَمَدُ على نقله، ولا يُوثَقُ به، توفي سنة (١٦٠ هـ) تقريبًا. [الوافي بالوفيات ٢٤/ ٢٦٣، غاية النهاية ٢/ ٢٧].