161 · ص16 · ج5
بعد ضعف دولتها بالطامعين من غير العرب الذين كانت لهم دول قضى عليها الإسلام وهذا شأن الأمم تلجأ إلى الأقوى. وفراستهم في ذلك لا تخطئ، فلقد رأوا ضعفًا في دولة بني العباس، ورأوا دويلات قامت في شرق البلاد وغربها، بعضها ينتسب للإسلام، وبعضها يريد استعادة ملك فارس، وآخر يريد استعادة ملك الروم، وكان لهذا الاجتماع من القبائل العربية ولجوئها إلى بعضها هو السبيل الذي لا محيد لهم عنه فاجتمعوا عليه. وهذا هو السر في تداخل أنساب بعض القبائل وإضاعة أسمائها الأولى.
ونحن لا ننكر على الشيخ البلادي في نقله لنسب حرب عن كتاب الهمداني إذ هذا من شأنه ولا اعتراض لنا عليه.
ولكن الاعتراض كما سبق في اعتماده على كتاب الهمداني في نقل الوقائع التي حصلت بين تلك القبائل مع أن الأمر غير ذلك وشواهد التاريخ تأبى أن يكون هذا هو السبب الذي جعل مُزينة تلجأ إلى حرب. والصحيح كما ذكرنا، فاجتماع القبائل كان أمرًا عامًّا ليس لأحد الخيار في مخالفته، وأما الجواب عن قوله إن مُزينة نسيت نسبها فمن وجهين:
الوجه الأول: هو أن مُزينة بقيت محافظة على نسبها إلى الآن ولا ترضى أن تتسمى بغيره خاصة من بقي منها في ديارها الأولى؛ لأنها ليست كغيرها من القبائل فهناك وثائق نبوية تجمعها ثم وثائق عمرية كتبت في عهد عمر بن الخطاب ذكرها ابن شبة وغيره في تاريخ المدينة، ثم وثيقتها الأخيرة التي كان بها الإقطاع من الشريف (سعد بن زيد) والتي ما زالت موجودة عند أبناء هذه القبيلة، وسنسوق لفظها في موقعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني: وهو الذي اتخذه الشيخ البلادي عفا الله عنه سُلَّمًا للنيل من قدر هذه القبيلة، وهو أن مُزينة لما انساح معظمها إلى نجد كانت موالية لبني سالم من حرب، لاتفاق في العادات والعقائد وتقارب الآراء ووجهات النظر كان في ديارها الأولى أدى إلى تقاربها وتمازجها مع بعضها.