822 · ص71 · ج9
قالها أربع مرار، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لو أن خالدًا لم يكتب لي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا، لألقيت رؤوسكم تحت أقدامكم". فقال يزيد بن عبد المدان: أما واللَّه ما حمدناك ولا حمدنا خالدًا. قال: "فمن حمدتم؟ " قالوا: حمدنا اللَّه عز وجل الذي هدانا بك يا رسول اللَّه. قال: "صدقتم".
ثم قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "بمَ كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ "
قالوا: لم نكن نغلب أحدًا، قال: بلى، قد كنتم تغلبون من قاتلكم.
قالوا: كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: "صدقتم". وأمّر عليهم قيس بن الحصين.
ثم بعث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إليهم عمرو بن حزم، ليفقههم في الدين: ويعلمهم الكتاب والسنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب إليه كتابًا عهد إليه فيه عهده. ثم لم يلبث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بعد بني الحارث إلا أربعة أشهر، حتى توفي ١.
قال ابن إسحاق: وقدم على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وفد نصارى نجران، ستون راكبًا ٢.
عَنْس: تقدم نسبهم، وهم عنس بن مذحج، وتقدم بقية النسب. وفد منهم رجل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فأتاه وهو يتعشى، فدعاه إلى العشاء فجلس، فلما تعشى أقبل عليه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله؟ " فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال: "أراغبًا جئت أم راهبًا؟ " فقال: أما الرغبة فواللَّه ما في يديك مال، وأما الرهبة فواللَّه إنني ببلد ما تبلغه جيوشك، ولكنني خُوِّفت فخفت، وقيل لي آمن باللَّه فآمنت ٣.
فأقبل رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، على القوم فقال: "رب خطب من عنس! " فمكث يختلف إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم جاءه يودعه فقال: اخرج، وبتته ٤، وقال: إن
١ السيرة النبوية ص ٥٩٢ - ٥٩٤ جـ ١ طبعة البابي الحلبي.
٢ انظره في تاريخ نجران والطبقات لابن سعد ج ١ ص ٣٣٩ مع اختلاف بسيط في الألفاظ وزيادات جمل بسيطة، وفي مكان آخر جعل السيرة إلى بني عبد المدان، ولا خلاف، فبنوا عبد المدان هم ملوك بني الحارث.
٣ رحم اللَّه ذاك الصحابي، فلو نظر بعين الغيب لأدرك أن جيوش محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- لن يقف شيء ضدها.
٤ بتته: جهزه وزوده.