993 · ص85 · ج12
خلال السنوات الأولى من مسيرة توحيد البلاد اقتناعًا بأن البدو الرحل ليسو من السهل صرفهم عن أمور درجوا عليها منذ مئات السنين، كالقيام بالغزوات ومهاجمة قوافل التجارة، وأن من الصعب السيطرة عليهم أمنيًا، ولذا جاءت فكرته الرائدة الذكية لإطلاق ما عُرف تاريخيا بحركة الإخوان. فقد انبعث تلك الانطلاقة ببعث الدعاة إلى القبائل لإرشاد زعمائها وأبنائها إلى دين الله وحثهم على التخلي عن كل ما لا يتفق مع أحكامه، وأتت تلك الجهود ثمارها بأن استجاب كثير من القبائل مثل: حرب، ومطير، وعتيبة لهذه الدعوة، وأطلق عليهم أسم الإخوان، وهي تعني إن ما يربط المنتسبين إلى هذه الحركة ليس رباط القبيلة بل رباط الأُخوة الدينية المقتبسة من قول الله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، ومن فرطة تحمسهم لحياتهم الجديدة أصبحوا يعارضون من لم ينضم إليهم عن قبائلهم، ناهيك عن القبائل الأخرى.
لقد مكنت الصراعات التي وقعت في الفترة ما بين فتح الرياض في عام ١٣١٩ وعام ١٣٣٩ هـ، في وسط وشرق وشمال شبه الجزيرة العربية الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه، من أن يتبوأ مكانة مرموقة في الجزيرة العربية، وكان من فوائد حركة الإخوان في مسيرة توحيد البلاد القضاء علي اعتداءات بعض القبائل على بعضها البعض وتكوين وحدات قتالية تجمع بين التجربة القتالية والحماس الديني مما جعلها تستبسل في سبيل الهدف الذي اقتنعت به، ولعل جهود الإخوان بين عام ١٣٣٦ - ١٣٤٤ هـ لأكبر دليل على ذلك. وبدأ اضمحلال الولاء القَبَلي لزعماء القبائل لحساب الزعامة الدينية ممثلة بالحكومة المركزية.
ولم يكن غريبًا أن يتخذ الملك عبد العزيز -وقتئذ- موقفًا حازمًا تجاه إمارة جبل شمَّر، في ضوء وضعه العسكري الذي أصبح قويًا جدًا وقد برهن على ذلك ما حدث في تَربَة عام ١٣٣٧ هـ ثم نجاحه في منطقة عسير عام ١٣٣٨ هـ، لذلك رأى ضرورة إنهاء إمارة آل الرشيد في جبل شمَّر وعاصمتهم (حائل)، للحيلولة دون قيام تحالف بينهم وبين الأشراف الذين يحيطون به في الحجاز والأردن والعراق وقتئذ.
994 · ص86 · ج1
مخطوطات عن الأشراف وعلى رأسها مخطوط "عمدة الطالب في آل أبي طالب"، تبين أن هناك العديد من الأشراف من سلالة الحسن أو الحسين وباقي الهاشميين قد تفرقوا في البلاد، وحتى بلاد المعجم وخراسان والهند لَمْ تخل من وجود كيانات منهم تكونت من أناس قد مكثوا في تلك الديار، هذا طبعًا خلاف ما هو موجود في الأمصار العربية، وبعض الأشراف قد حُصر نسبه. وعُرف في مخطوطات نسابة الأشراف، والبعض الآخر انقطع ذكره أو حصره عند تاريخ معين، مثل حويط مؤسس الحويطات وحسن الوحيدي مؤسس الوحيدات وغيرهم، وهذا لظروف معينة، وكما مر ذكر قصة حويط مع بني عطية، واستقرار علم أهل حويط أنه قد توفي وانتهى وشاع أمره في حينه عند نسبة الأشراف في منتصف القرن التاسع، وكانت النهاية لذكر أي شيء عنه في أي مخطوط بعد القرن العاشر الهجري.
وما زال محققو الأشراف في العصور القريبة أو غيرهم من الباحثين العرب ما زالوا يحصرون في مصنفاتهم بعض القبائل أو العشائر التي تفرَّقت، ليس في خارج الجزيرة بل في داخل الجزيرة في المملكة العربية السعودية، وذكر نسابة ١ الأشراف أن الجرباء إحدى بطون شَمَّر وآل صويِّط ٢ أشراف، وذكر الحقيل أن من الأشراف آل حسن وال بويت في قبيلة الظفير وبعض عشائر في بارق بعسير، وهناك عشائر اندمجت مع جُهَيْنة، وكذلك عشائر في بلدة صبيًا لَمْ يعرف على وجه اليقين النسب لها في شجرة الأشراف، وهناك العلجي في بني خالد لَمْ يؤكد نسبهم للأشراف، وكذلك من الأشراف آل سعدون رؤساء المنتفق في العراق، وآل مغامس كان لهم ذكر في الحساء حتى القرن السابع الهجري، وغيرهم الكثير لَمْ يعرف على وجه الدقة لأي فرع ينسبون في الأشراف، وكل ما قد عرفه الباحثون من البحث الميداني أو ثقات الرواة متبعين مبدأ أن النّاس مأمونون على أنسابهم بأن تلك العناصر من الأشراف، وطبعا القياس مُطَبَّق على الأشراف في البلاد العربية، ولربما اعترى بعض الكيانات التشكيك لنسبها إلى الأشراف، كما وضح مع الحويطات بصورة أليمة من قبل محققي العصر في القرن العشرين الميلادي.
١ هو الشريف البرادعي الحسيني وأيده الحقيل في أن كبار رواة الجرباء نسبهم للأشراف.
٢ اختلف الحقيل مع البرادعي وذكر نسب آل صويط إلى "بني سُلَيم العدنانية الشهيرة".