142 · ص428
١٤٥ - النبوة هي من باب الرحمة ١.
قال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)} مريم: ٤٩ - ٥٠.
قال الشوكاني -رحمه الله-: ({وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} بأن جعلناهم أنبياء. وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء؛ لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة.
وقيل: المراد بالرحمة هنا المال، وقيل: الأولاد، وقيل: الكتاب ٢. ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور) ٣.
الدراسة:
استنبط الشوكاني ٤ -رحمه الله- أن النبوة هي من باب الرحمة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى ذكر أنه وهب لإبراهيم -عليه السلام- إسحاق -عليه السلام-، ويعقوب -عليه السلام-، وجعلهم أنبياء، ثم ذكر بعد جعلهم أنبياء أنه وهب لهم من رحمته؛ فدل بدلالة الربط بين الآيتين على أن النبوة هي من باب الرحمة.
قال أبو السعود: ({وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا} هي النبوة. وذكرها بعد ذكر جعلهم أنبياء للإيذان بأنها من باب الرحمة. وقيل: هي المال والأولاد ما بسط لهم من سعة الرزق. وقيل: هو الكتاب. والأظهر أنها عامة لكل خير ديني ودنيوي أوتوه مما لم يؤته أحد من العالمين) ٥.
١ وهو استنباط عقدي لتعلقه بباب النبوة، وهو استنباط في علوم القرآن (لتعلقه بالمناسبة).
٢ هذه تفاسير للفظة الرحمة هنا. والنسفي ممن فسرها بالمال والولد. انظر: مدارك التنزيل ج ٣/ ص ٦١، والواحدي فسرها بالنبوة والكتاب. انظر: الوجيز ج ٢/ ص ٦٨٣. والمقصود هنا ما وراء تفسير الرحمة.
٣ فتح القدير ج ٣/ ص ٣٣٧.
٤ واستنبط غيره من الآية استنباطات أخرى، منها:
١) الآية حجة في تناول الأب مال ولده؛ لقوله تعالى: {وَهَبْنَا لَهُ}. وقد رده القصاب في نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٤٦.
٢) الولد الصالح نعمة على أبيه وجده، والولد الذي هو فتنة إنما هو الطالح؛ إذ محال أن يمتن الله على إبراهيم بما هو فتنة. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٤٤.
٣) الشيء إذا سمي به شيئا جاز أن ينقل لغيره لسعة اللسان، فقد نقل اللسان من آلة النطق إلى الثناء الحسن. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٤٤.
٥ إرشاد العقل السليم ج ٥/ ص ٢٦٩.