498 · ص422
قال الشوكاني -رحمه الله-: ({فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ} هي القرية المذكورة سابقا، وفيه جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة) ١.
الدراسة:
استنبط الشوكاني ٢ -رحمه الله- جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة.
ووجه الاستنباط: أن الله تعالى سمى أولا الموضع الذي فيه الجدار بالقرية فقال: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ}، ثم سمى الموضع بالمدينة بقوله: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ}؛ فدل بدلالة التركيب بين الآيتين على جواز إطلاق اسم المدينة على القرية لغة، بل دلت دلالة التركيب على جواز تسمية إحداهما بالأخرى.
قال ابن عادل الحنبلي: (واعلم أنه سمَّى القرية في قوله: {أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ}، وسمَّى القرية هنا مدينة بقوله: {يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ}؛ فدل على جواز تسمية إحداهما بالأخرى) ٣.
وممن قال بهذا الاستنباط: القرطبي، وابن كثير، وابن عادل الحنبلي-كما تقدم-، والقنوجي، والقاسمي، والهرري. ٤.
وفي هذا الاستنباط تنبيه إلى أن للقرآن مصطلحات خاصة، فلا يجوز حمله على المصطلحات الحادثة. قال ابن تيمية: (والقرآن نزل بلغة العرب فلا يجوز حمله على اصطلاح حادث ليس من لغتهم) ٥. وعدَّ -في موضع آخر- هذا الفعل من أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله، فقال: (ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث، فيريد أن يفسِّر كلام الله بذلك الاصطلاح، ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها) ٦.
١ فتح القدير ج ٣/ ص ٣٠٤.
٢ واستنبط غيره من الآية الثانية استنباطات أخرى، منها:
١) استعمال الأدب مع الله؛ فإن الخضر أسند الإرادة هنا إلى الله فقال: {فَأَرَادَ رَبُّكَ}، وأسندها إلى نفسه في قوله: {فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا} [الكهف: من الآية ٧٩]؛ لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لا يسندها إلى الله. انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ٣٨، والتسهيل لعلوم التنزيل ج ٢/ ص ١٩٤.
٢) إباحة كنز الكنوز، وحفظ الأموال على الصغار إلى وقت البلوغ؛ لقوله تعالى: {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ}. انظر: نكت القرآن ج ٢/ ص ٢٢٢.
٣ اللباب ج ١٢/ ص ٥٤٨.
٤ انظر: الجامع لأحكام القرآن ج ١١/ ص ٣٧، وتفسير القرآن العظيم ج ٥/ ص ١٨٣، واللباب ج ١٢/ ص ٥٤٨، وفتح البيان ج ٨/ ص ٩٣، ومحاسن التأويل ج ٧/ ص ٥٤، وحدائق الروح والريحان ج ١٧/ ١٥.
٥ درء التعارض ج ٦/ ص ٧.
٦ مجموع الفتاوى ج ١٢/ ص ١٠٧.