113 · ص12 · ج5
وقد استنكرنا منه ذلك بصفته باحثًا كبيرًا، وأديبًا فاضلًا، أثرى المكتبة العربية بتواليفه.
وليس لنا أن نؤنبه في ذلك فهو رجل قال بقول من سبقه ولم يزد عليه. وإنما نعترض عليه بالنسبة لعلمه ومعرفته، إذ قديمًا عرفت قاعدة:
وهي أن ما كل ما يعلم يقال، إلا بعد تمحيص وتثبت، ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه: حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعاءين وعاء بثثته فيكم" الحديث ١ أما وقد كتب البلادي ما كتب ودوّن ما دوّن، فلا بد أن يستعاد اسم هذه القبيلة ويظهر تاريخها، ولا يجزع ذلك أحدًا فإنا نرى أن لأسلافنا علينا حقًّا ولخَلَفِنا أيضًا حقًّا كذلك، وليس للمقابل أن يجزعه هذا.
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها … فأول راضٍ سنة من يسيرها
وكان الناس يعرفون أن نسب هذه القبيلة، أعني قبيلة حرب، يرجع إلى القبائل العدنانية من بني هلال بن عامر بن صعصعة، كما نقلته كتب الأنساب من قبل وهي: جمهرة أنساب العرب لابن حزم، وسبائك الذهب في معرفة قبائل العرب لمحمد أمين البغدادي، ونهاية الأرب في معرفة أنساب العرب للقلقشندي، وغيرها من المتأخرين الزين حذو حذوها في التأليف عن أنساب العرب.
وكنا نعرف أن مزينة حينما ضعفت كما يقال ودخلت مع حرب عادت إلى أقرب نسب لها من العرب. ولكن البلادي بعد اعتماده لهذا القول يجعلنا في حيرة من أمر هذه القبيلة، إذ لا يمكن لقبيلة عدنانية أن تحالف قبيلة قحطانية يمنية، مع وجود قبائل عدنانية بجانبها قوية مثل بني أسد، وبني تميم، وبني سُليم. فهلّا اجتمعت هذه القبائل العدنانية كلها على إخراج حرب من بلادها وردتها إلى يمنها؟ وهنا يتضح غلط الهمداني ومجانبته للصواب حيث قال: إن حربًا ستمائة، ومزينة خمسة آلاف، فمن غير المعقول أن تهزم بني أسد، ثم تهزم مُزينة، وعلى إثرها
١ صحيح البخاري كتاب العلم (كتاب حفظ العلم (جـ ١ ص ٢١٦ الفتح) ولفظه (أما أحدهما فبثثته فيكم. . . الخ).