511 · ص274 · ج1
٢٨٠ - قال اللَّه عز وجل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}
[إنظار المُعْسِر]
وقال قوم من المفسرين منهم شريح: إن هذه الآية في الربا ١.
وقال آخرون: إنها في كل ذي عُسرة ٢.
فأما شريح ومن قال بقوله، قالوا ذلك لأنه يعقُب ذكر الربا، فظنوا أنه فيه.
قال سيبويه: الربا قد أسقطه اللَّه وأنظَره، فكيف يكون فيه نظِرة؟ وإنما النظِرة في رأس المال، واللَّه تبارك وتعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨].
والقراءة: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} إنما تقع هي بالرفع، فلما كانت كذلك، عُلم أنه لم يَعْن بها صاحب الربا، لأنه لو كان عنى بها صاحب الربا لقيل: (وإن كان ذا عُسرة)، أي: إن كان الذي عليه الربا ذا عسرة، فلما قيل: {وَإِنْ كَانَ ذُو
١ رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١١٠)، وروي أيضًا عن ابن عباس من الصحابة، والضحاك، وإبراهيم وابن عمير بن عبيد وغيرهم، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ١١٠ - ١١٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٥٢).
٢ ممن قال به: الضحاك وعطاء، انظر تفسير ابن جرير (٣/ ١١٢)، وتفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٢٥٢).
512 · ص275 · ج1
عُسْرَةٍ} عُلم أنه مبتدأ في كل ذي عسرة عليه دَين، فصار في معنى وإن وقع ذو عسرة، كما يقول القائل: قد كان الأمر، أي: وقع، وكما يقول: أعرفه منذ كان.
وقال اللَّه تبارك وتعالى: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} [البقرة: ٢٨٢]، فقرئت بالرفع، لأن ذلك لم يُعْطَف على شيء قد مضى فينصب، وإنما هو في معنى: وإن وقع تجارة حاضرة، وقال الشاعر:
فِدًى لِبَني شَيْبانَ أُمّي وخالتي ... إذا كان يومٌ ذو كواكبَ أشهبُ ١
أي إذا وقع يوم بهذه الصفة.
٢٨٠ - وقوله: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، يريد: من رؤوس أموالكم، ولو قال الذي قال: إن العُسرة معطوفة على رأس مال المرء كان جائزًا، ولا فرق بين رأس المال ٢ وبين غيره، والدَّين إذا قدر على أدائه من الأمانات كالوديعة وما أشبه ذلك، الواجب الخروج منه، لأن مَطْلَ الغني ظلم ٣، وإذا ثبت الإعسار فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين، ولا خطاب إلى الميسرة.
* * *
١ لم أقف على البيت كما أورده المصنف، لكن سيبويه أورد بيتًا في الكتاب (١/ ٤٧) في نفس السياق الذي أورد المصنف فيه هذا البيت وهو: وقوع (إذا كان) بمعنى (إذا وقع)، وكذا أربابُ المعاجم اللغوية وكتبِ الغريب، مختلفَ الصدر، ومنسوبًا لمَقَّاس العائذي، وهو:
فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بن شَيْبانَ ناقَتي ... إذا كان يومٌ ذو كَواكب أشهبُ
٢ في الأصل: المرء.
٣ لفظ حديث متفق عليه، رواه البخاري في مواضع منها: برقم ٢٤٠٠، كتاب: الاستقراض وأداء الديون. . .، باب: مطل الغني ظلم، ومسلم (٥/ ٣٥)، كتاب: البيوع، باب: تحريم مطل الغني. . . عن أبي هريرة.