← المكتبة ▭ صفحة واحدة
أحكام القرآن لبكر بن العلاء - ط جائزة دبي
بكر بن العلاء علوم القرآن وأصول التفسير 344 هـ
A− A+
751 · ص410 · ج1
وقد قيل في بعض الحديث: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ}: إن من توصل إليهم فله مثل عهدهم. وأحسب أن هذه الآيات نزلت -فيما يقال- في قوم من أشجع ١. وقد قيل: في قوم من بني مدلج كان بينهم وبين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عهد فقال تبارك اسمه: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء: ٩١]، وقال تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: ٩٢] الآيات، فهذا كلُّه يدل على ما ذكرنا، وكان الناسخ لأمر المواثيق ما وصفنا، واللَّه أعلم. وليس يجب أن تقاس دية المعاهد على دية من كان بينه وبين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ميثاق، لأنهم لم يكونوا ذمة للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا أوطأهم يومئذ عليه، ولما قيل: {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} دلّ على التّساوي بينهم في الديات وغيرها من الأمور التي تحدث، إلا أن يشترطوا في ذلك شرطًا فيه خُصوصٌ لبعضهم، وما لم يشترط الخصوص فهو على التساوي، وليس يشبه هؤلاء أهلَ الذمة، لأن أهل الذمة إنما قهرهم المسلمون حتى أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فدياتهم تجري على ما أعطاه المسلمون. فمن ذلك أنهم جعلوا دية المجوس أقل من دية اليهود والنصارى، فروى عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "عَقْل الكافر نصف عقل المؤمن" ٢.
١ ابن جرير عن السدي، قال: ثم ذكر نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يُأمن في المسلمين والمشركين، ينقل الحديث بين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ} يقول: إلى الشرك. ٢ رواه أبو داود (٤٥٨٣)، أول كتاب الديات، باب في دية الذمي (ت الأرناؤوط) =
752 · ص411 · ج1
وروى سعيد بن المسيب أن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، ودية المجوسي ثمانمائة ١. وقال مكحول: وجعلها نصف دية المسلم، وإنما قال ذلك لأنه كان يُقَوِّم الإبل عند الحوادث، وقصده كان لنصف دية المسلم. وقال السبعة ٢: دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين، وهي عندنا: ستة آلاف، وفي الوقت الذي جعلها عمر -رضي اللَّه عنه- أربعة آلاف كان قد جعل دية المسلم ثمانية آلاف، أو ثمان مائة دينار. ثم إن عمر -رضي اللَّه عنه- خطب فذكر غلاء الإبل ورُخْصَها، فجعل على أهل الورق اثنا عشر ألفًا، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وجعل دية أهل الكتاب على النصف ٣. ولما قيل: دية الكافر على النصف، عُلم أنه الكافر الذي تجري عليه أحكامنا، وأما الكافر الذي لا تجري عليه أحكامنا وإنما بيننا وبينهم ميثاق، فديته على قدر ما يجري بيننا وبينه من الشرط ولا كفارة، لأن الميثاق لا يقع بيننا وبينه إلا على المراضاة منا ومنه، والذمي إنما أعطيناه ما أعطيناه على قدر
= والترمذي برقم ١٤١٣، أبواب: الديات، باب ما جاء في دية الكفار، والنسائي برقم ٤٨٠٧، كتاب: القسامة، كم دية الكافر، وابن ماجه برقم ٢٦٤٤، أبواب: الديات، باب: دية الكافر. ١ رواه ابن جرير (٤/ ٢١٦). ٢ هم فقهاء المدينة السبعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن مسعود. ٣ رواه أبو داود (ت الأرناؤوط) برقم ٤٥٤٢، أول كتاب الديات، باب: الدية كم هي؟