261 · ص296
قال قتادة: «افتتح الخلق بالحمد في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام: ١] واختتم بالحمد في قوله: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)}» ١.
وفي ضوء بيان أئمة التفسير رحمهم الله أجمعين يتبين تقرير مكانة حمد الله تعالى ودلالته على توحيد الخلائق قاطبة لبارئها جل في علاه.
قال ابن المبرد الحنبلي -رحمه الله-: «كلُّ أمرٍ لا يُبدأ فيه باسم الله ويُختمُ بحمد الله، فهو فاسدُ الوضع، رديءُ الصُّنع، لا خير فيه ولا فائدة، ولا بركة فيه ولا عائدة، فمن تأمَّل الأحاديثَ النبويَّة والكتاب والسُّنَّة، وجد ذلك في كلِّ أمر من الأُمور الدنيويَّة؛ من الأكل والشُّرب والوطء واللُّبس وغير ذلك، وكذلك الأمور الأُخرويَّة، قال الله -عز وجل-: {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)} [يونس]، وقال -عز وجل-: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)} [الزمر]، وقال: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} [الزمر: ٧٤]، فأهلُ الجنَّة طُبعُوا على ذِكر الله في ابتداء كُلِّ فعلٍ في الجنَّة، وحَمْدِ الله على تمامه، وقلتُ:
احمد لربِّك في أُمُورك كُلِّها … وافزع إليه في الصِّعاب يحُلُّها
واقرع بكفِّ الذُّلِّ بابَ عطائه … مَن في الوُجُود سوى الإله يبُلُّها
وإذا الشَّدائدُ أقبلَت فانزل بِهِ … واعلم يقينًا ما سواه يفُلُّها». اهـ ٢
أما ما ورد في السنة المطهرة عن مكانة حمد الله تعالى وفضائله ودلالته على توحيد الله تعالى، فيعجز المقام عن حصره وذكره، ولأن البحث متعلق بالتفسير فيُكتفى بالإشارة دون العبارة عن بعض فضائله، لئلا يطول المقام، وكذلك لأن البحث موضوعي، تم الإشارة لبعض فضائله فحسب في السنة المطهرة.
١ تفسير ابن كثير (٨/ ١٢٥).
٢ ينظر: رسالته: النجاة بحمد الله، وهي فيما يُظنُ ما تزال مخطوطة.
262 · ص297
١ - فالحمد لله أحب الكلام إلى الله تعالى ١.
٢ - والحمد لله خير مما طلعت عليه الشمس أي: خير من الدنيا وما فيها ٢.
٣ - وحمد الله خفيف على اللسان ثقيل في الميزان حبيب إلى الرحمن ٣.
٤ - وكلمة الحمد لله لعظم شأنها تملأ الميزان، وتملأ ما بين السماء والأرض ٤.
٥ - والحمد من أسباب مغفرة الذنوب ٥.
٦ - والملائكة يبتدرون رفع كلمة الحمد لله إلى الرحمن لعظم شأنها وجليل قدرها. ٦
٧ - والحمادون من عباد الله يباهي بهم ربهم ملائكته في الملأ الأعلى ٧.
ويُختمُ الكلامُ بنفيسة للإمام ابن القيم -رحمه الله- حيث يقول: «فالعبد لو استنفدَ أنفاسَه كلَّها في حمد ربِّه على نِعمةٍ من نِعَمه، كان ما يجب عليه من الحمد عليها فوق ذلك وأضعافَ أضعافِه».
ويقول -رحمه الله- أيضًا: «وبالجملة، فكلُّ صفة عليا واسم حسَن وثناء جميل، وكلُّ حمد ومدح، وتسبيح وتنزيه، وتقديس وجلال وإكرام -فهو لله -عز وجل- على أكمل الوجوه وأتمِّها وأدومها، وجميع ما يُوصف به ويُذكر به ويُخبَر عنه به فهو حمدٌ له وثَناء وتسبيح وتَقديس، فسبحانه وبحمده لا يُحصِي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه؛ بل هو
١ وينظر: إلى ما رواه مسلم (٣٩٨٥)، والترمذي (٢٧٦٣)، وأبو داود (٣٤٤٧)، وابن ماجه (٣٧٢٠).
٢ ينظر: إلى ما رواه مسلم (٤٨٦١)، والترمذي (٣٥٣١).
٣ و ينظر: إلى ما رواه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٤٨٥٧) وقد ختم الإمام البخاريُّ -رحمه الله- صحيحَه بحديث: «كَلمتان خفيفتان على اللِّسان» الحديث.
٤ و ينظر إلى: ما رواه مسلم (٣٢٨)، والترمذي (٣٤٣٩)، وابن ماجه (٢٧٦).
٥ وينظر إلى: ما رواه أحمد (٦١٩١)، والترمذي (٣٣٨٢) وحسنه، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي.
٦ وينظر إلى: ما رواه مسلم (٩٤٣)، والنسائي (٨٩١)، وأبو داود (٦٥٠)، وأحمد (١٢٥١٩).
٧ وينظر إلى: ما رواه مسلم (٤٨٦٩)، والنسائي (٥٣٣١)، والترمذي (٣٣٠١).