249 · ص249
وللسلف في الآية قولان آخران:
أخلصي لربك: وقال به سعيد بن جبير.
أطيعي لربك: وقال به قتادة والسُّدي والحسن.
وأشار ابن جرير إلى أن الخلاف هنا مشابه للخلاف في آية البقرة، ثم ذكر الأقوال الثلاثة، وجمع بينها بقوله: «فتأويل الآية إذاً، يا مريم أخلصي عبادة ربك لوجهه خالصا واخشعي لطاعته وعبادته مع من خشع له من خلقه، شكراً له على ما أكرمك به من الاصطفاء، والتطهير من الأدناس، والتفضيل على نساء عالم دهرك» ١
فهي أمرت بالقيام بين يديه تعالى على تلك الصفة، وهي القيام المخلص الخاشع، وهذا هو القنوت بعينه.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه السياق القرآني، قال ابن عطية في تجلية أثر السياق على اختيار جمهور المفسرين لهذا الوجه في تفسير الآية: «أطيلي القيام في الصلاة، وهذا هو قول الجمهور، وهو المناسب في المعنى لذكر السجود والركوع في الآية، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ قال ابن فارس:» وقيل لطُولِ القِيام في الصَّلاةِ قُنُوت «٢، ويجوز أن يكون مأخذه أيضاً التفسير بجزء المعنى، لأنه معلوم أن القيام وحده ليس قنوتا، بل لابد فيه من معان أخرى كالإخلاص، والخشوع، وعامة مايرضاه الله تعالى من أعمال القلوب، والجوارح فتجتمع، في حالة تسمى القنوت، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا يعرف في اللغة أن مجرد القيام يسمى قنوتا، والرجل يقوم ماشيا وقائما في أمور ولا يسمى قانتا، وهو في الصلاة يسمى قانتا لكونه مطيعا، عابدا، ولو قنت قاعدا، ونائما، سمي قانتا». ٣
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة وجهين وهما:
١ جامع البيان ٣/ ٣٤٠.
٢ مقاييس اللغة ص ٨٣٤.
٣ رسالة في قنوت الأشياء لله ص ٩.
250 · ص250
الوجه الأول: الطاعة.
ودل عليه قوله تعالى: {لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: ٢٣٨]. وقوله تعالى: {وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [الأحزاب: ٣٥].وتم عرض آراء السلف في الآية الأولى والجمع بينها، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة، كما أشار إليه ابن فارس، والراغب الأصفهاني.
الوجه الثاني: طول القيام.
ودل عليه قوله تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ} [آل عمران: ٤٣].
ومأخذه السياق القرآني، كما أشار إليه ابن عطية، وجائز أن يكون مأخذ هذا الوجه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أورده ابن فارس أو يجوز أن يكون مأخذه التفسير بجزء المعنى، كما نبه إليه ابن تيمية.
وأما الوجه الذي هو: العبادة. ودل عليه قوله تعالى: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [الروم: ٢٦]. فلم أقف على من قال به من السلف، أو المفسرين سوى إشارة القرطبي إليه.
وتقدم أن جميع الأقوال الواردة عن السلف، وأئمة الإسلام كابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحاس، والبغوي، وابن تيمية، تفيد رجوع القنوت في الآية إلى الطاعة، فيكون هذا الوجه داخلاً في الوجه الأول الذي هو الطاعة.
وعموما: فالوجوه في هذا الباب بينها تقارب شديد؛ فكلها تدور في فلك الطاعة لا تخرج عنها، ويشير ابن الجوزي لهذا التقارب في نقله لعبارة ابن قتيبة: «ولا أرى أصل القنوت إلا الطاعة. لأن جميع الخلال: من الصلاة، والقيام فيها، والدعاء وغيره يكون عن الطاعة»، ومما يشعر بتقارب الوجوه أيضاً: أن ابن كثير عند تفسيره آية الأحزاب: {وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} [الأحزاب: ٣٥]. قال الطاعة في سكون، ثم ساق جميع الآيات في هذا الباب دون استثناء، فجعله من تفسير القرآن بالقرآن.