← المكتبة ▭ 1 page
زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر
فهد بن إبراهيم الضالع علوم القرآن وأصول التفسير
A− A+
349 · ص349
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة عن. باب عن قال ابن الجوزي: «قال أبو زكريا: معنى "عن" المجاوزة تقول: بلغني عنك كلام، أي: جاوزك إلى كلام. وانصرفت عن زيد، أي: جاوزته إلى غيره. وهي حرف ما لم يدخل عليها "من" فإذا دخلت عليها " من " كانت اسما لأن حرف الجر لا يدخل على مثله تقول: أخذته من عن يمينك. قال الشاعر: من عن يميني مرة وأمامي ١ وقد تكون بمعنى "بعد" كقوله: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ} [الانشقاق: ١٩]. وسادوك كابراً عن كابر. ٢ وذكر بعض المفسرين أنه في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: صلة في الكلام. ومنه قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: ١] والثاني: بمعنى " الباء " ومنه قوله تعالى في هود: {وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} [هود: ٥٣]، وفي النجم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم: ٣]. والثالث: بمعنى "من". ومنه قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: ٢]. والرابع: بمعنى " على ". ومنه قوله تعالى: {مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} [محمد: ٣٨]». ٣
١ عجز بيت لقطري بن الفجاءة، وصدره: ولقد أراني للرماح دريئة، وهو في الإيضاح لعلوم البلاغة للقزويني ص ٨٠، وفي ديوان الحماسة للجرجاني ص ٣٥، وفي المثل السائر لأبي الفتح الموصلي ٢/ ٢٨٧. ٢ وللاستزادة من اللغة: ينظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ٢٩٨ و ٣٠٢، والصاحبي ص ١١٢، ومغني اللبيب ١/ ١٤٧، وحروف المعاني للزجاجي ص ٧٤. ٣ نزهة الأعين النواظر ص ٤٣٨.
350 · ص350
دراسة الوجوه التي ذكرها ابن الجوزي: أحدها: صلة في الكلام. ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: ١]. وقال به من المفسرين: النَّحَّاس، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية ١. ومعتمدهم في هذا قراءة: ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وبعض السلف. ٢ حيث قرأوا بغير عن وهي قراءة شاذة ٣، وقد رد القول بالوجه أبو حيَّان ٤، وأبو السعود فقال: «وادعاء زيادة (عن) تعسف ظاهر، والاستدلال عليه بقراءة ابن مسعود .. ، غير منتهض، فإن مبناهها كما قالوا على الحذف والإيصال، كما يعرب عنه الجواب بقوله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} [الأنفال: ١]، أي حكمها مختص به تعالى بقسمها الرسول - صلى الله عليه وسلم - كيفما أمر به من غير أن يدخل فيه رأي أحد، ولو كان السؤال استعطاء لما كان هذا جوابا له؛ فإن اختصاص حكم ما شرط لهم من الأنفال بالله والرسول لا ينافي إعطاءها إياهم، بل يحققه لأنهم إنما يسألونها بموجب شرط الرسول - صلى الله عليه وسلم -». ٥ وقال الطاهر بن عاشور: «والسؤال حقيقته الطلب، فإذا عدي بعن فهو طلب معرفة المجرور بعن وإذا عدي بنفسه فهو طلب إعطاء الشيء، فالمعنى، هنا: يسألونك معرفة الأنفال، أي معرفة
١ معاني القرآن للنحاس ٣/ ١٢٨. معالم التنزيل ص ٥١١. الكشاف ٢/ ١٨٤. المحرر الوجيز ٢/ ٤٩٦. وسعد: سعد بن أبي وقاص واسمه مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري المدني شهد بدرا والمشاهد وهو أحد العشرة وآخرهم موتا وأول من رَمى في سبيل الله، وفارس الإسلام وأحد ستة الشورى ومقدم جيوش الإسلام في فتح العراق مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وحمل إلى البقيع في سنة ٥٥ هـ (الإصابة ٣/ ٧٣. خلاصة تذهيب تهذيب الكمال ١٣٥). ٢ المحرر الوجيز ٢/ ٤٩٦. وذكر من السلف: جعفر بن محمد، وزيد ومحمد الباقر وطلحة بن مصرف، وعكرمة، والضحاك، وعطاء. ٣ المحتسب ١/ ٣٨٦، والمحرر الوجيز ٢/ ٤٩٦. ٤ البحر المحيط ٥/ ٢٦٩. ٥ تفسير أبي السعود ٤/ ٢.
→ prev 349–350 / 979 next ←