403 · ص403
وقال به من السلف: مجاهد، وقتادة ١، والسدي ٢.
ومن المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والنَّحَّاس، والبغوي، والقرطبي، وابن كثير ٣.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمقارب؛ قال ابن قتيبة: «فكل صنف من الطير والدواب مثل بني آدم في طلب الغذاء، وتوقِّي المهالك» ٤ فكما أن جماعات البشر يطلب الغذاء، ويتوقِّي المهالك؛ فكذلك الجماعات من الأصناف الأخرى.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجوه الخمسة وهي:
الوجه الأول: الجماعة. ودل عليه قوله تعالى: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة:
١٢٨].وقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} [البقرة: ١٣٤].وقوله تعالى: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ}
[آل عمران: ١١٣].وقوله تعالى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ} [المائدة: ٦٦].وقوله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ
مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: ١٥٩]، ومأخذه أصل اللفظ في اللغة؛
كما قال الراغب الأصفهاني.
الوجه الثاني: الملة. ودل عليه قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: ٢١٣].وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً} [يونس: ١٩]. وقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [النحل: ٩٣].وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [الأنبياء: ٩٢]. وقوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: ٥٢]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما أشار إليه الراغب الأصفهاني.
الوجه الثالث: الحين. ودل عليه قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ} [هود: ٨].وقوله تعالى:
١ جامع البيان ٧/ ٢٣٦.
٢ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ٤/ ١٢٨٥.
٣ جامع البيان ٧/ ٢٣٦. معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٢٤٥. معاني القرآن للنحاس ٢/ ٤٢١. معالم التنزيل ص ٤١٩. الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٧٠. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ١٧.
٤ تأويل مشكل القرآن ص ٢٤٩.
404 · ص404
{وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: ٤٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني، وإليه أشار ابن الجوزي حين قال إن الحين السنين.
الوجه الرابع: الإمام. ودل عليه قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا} [النحل: ١٢٠]، ومأخذه تفسير الشيئ بسببه؛ كما قال ابن قتيبة.
الوجه الخامس: الصنف. ودل عليه قوله تعالى: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: ٣٨]، ومأخذه التفسير بالمقارب؛ كما دل عليه قول ابن قتيبة.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة البقية.
باب البقية:
قال ابن الجوزي:
«البقية مشتقة من البقاء. والباقي: ما تكررت عليه الأزمان وهو باق. والبقية: ما يبقى عند زوال ما كانت معه البقية جملة واحدة. يقال: بقي الشيء يبقى بقاء. ومن العرب من يقول: بقى مكان بقي. يقال: فلان يبقي الشيء إذا رقبه ورصده. وفي الحديث: (وأبقينا رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -). يعني انتظرناه ١.
وذكر أهل التفسير أن البقية في القرآن على خمسة أوجه:
أحدها: القليل، ومنه قوله تعالى في هود: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} [هود: ١١٦]، أراد القليل.
والثاني: الدوام، ومنه قوله تعالى في النحل: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل:
٩٦]، وفي القصص: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص: ٦٠].
والثالث: ما بقي من الذاهب، ومنه قوله تعالى في البقرة: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} [البقرة: ٢٤٨].
١ أخرجه أبو داود (كتاب الصلاة، باب وقت العشاء الآخرة برقم ٤٢١، ١/ ١١٤) من حديث معاذ بن جبل.
وللاستزادة من اللغة ينظر: العين: ص ٨٣، ومقاييس اللغة ص ١٢٧، والمحكم والمحيط الأعظم ٦/ ٥١١.