← المكتبة ▭ 1 page
زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر
فهد بن إبراهيم الضالع علوم القرآن وأصول التفسير
A− A+
461 · ص461
ومع قولهم بذلك القول فإنهم يجعلون السحر على حقيقته هنا وهو سبب صرفهم؛ قال الفرَّاء: «أفك وسحر وصرف سواء»، وقال ابن جرير: «تخييل الشيء إلى الناظر أنه على خلاف ما هو به من هيئة»، وقال البغوي: «كيف يخيل إليكم الحق باطلاً؟». قال الشنقيطي عن أمثلة هذين الوجهين:» وأما قوله تعالى: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا} [الفرقان: ٨]. فمعناه أنهم يزعمون أنه - صلى الله عليه وسلم - مسحور أو مطبوب قد خبله السحر، فاختلط عقله فالتبس عليه أمره يقولون ذلك لينفروا الناس عنه، وقال مجاهد مسحورا، أي مخدوعا مثل قوله: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنين: ٨٩]. أي من أين تخدعون ومعنى هذا راجع إلى ما قبله لأن المخدوع مغلوب في عقله» ١. وقال السعدي: «{فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنين: ٨٩]، أي فأين تذهب عقولكم حيث عبدتم من علمتم أنهم لا ملك لهم ولا قسط من الملك، وأنهم عاجزون من جميع الوجوه، وتركتم الإخلاص للمالك العظيم القادر المدبر لجميع الأمور، فالعقول التي دلتكم على هذا لا تكون إلا مسحورة، وهي ـ بلا شك ـ قد سحرها الشيطان بما زين لهم وحسن لهم وقلب الحقائق لهم فسحر عقولهم، كما سحرت السحرة أعين الناس «٢. وبهذا يتضح عود أمثلة الوجه الرابع _ الجنون - إلى حقيقة السحر وهو الاستعانة بالشياطين، ومثال هذا الوجه - الصرف - يعود إلى الخداع؛ وكلاهما يدخل في المعنى الأصلي للسحر. نتيجة الدراسة: تحصل من تلك الدراسة، صحة وجهين وهما: الوجه الأول: السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب. ودل عليه قوله تعالى: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: ١٠٢]. وقوله تعالى: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ} [الأعراف: ١١٦].
١ أضواء البيان ٤/ ٦١. ٢ تيسير الكريم المنان ص ٥٨٨.
462 · ص462
وتم التنبيه على رفع الزَّمخشري راية الاعتزال وإنكاره وقوع السحر حقيقة، ومأخذه أحد أصول اللفظ في اللغة؛ كما قال ابن فارس. وتم التنبيه على أن هذا الوجه على ضربين؛ ما يكون باستجلاب معاونة الشياطين - وهو الذي تنكره المعتزلة -، ومنه المثال الأول، ومنه ما يكون بالخديعة ومنه المثال الثاني .. والثاني: العلم. ودل عليه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ} [الزخرف: ٤٩]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه، لأن العلم من أسباب السحر، ويجوز أن يكون مأخذه تفسير الشيء بلازمه لأن من لوازم السحر العلم. وأما الوجوه وهي: - الكذب. فقوله تعالى: {وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: ٢]. وقوله تعالى: {وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: ١١٦]. فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر السحر هنا بالكذب من السلف والمفسرين. وأن الذي يقولونه: أنه السحر المعروف، وبهذا يعود هذان المثالان إلى الوجه الأول وهو السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب. - الجنون. فقوله تعالى: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)} [الفرقان: ٨].فلم أقف على من قال به من السلف والمفسرين غير الزَّمخشري في المثال الأول. والذي عليه المفسرون أن السحر هنا على حقيقته: وقال به منهم: ابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير ١، وبهذا يعود هذان المثالان إلى الوجه الأول وهو السحر المعروف الذي يأخذ بالعين والقلب. - الصرف. فقوله تعالى: {فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} [المؤمنين: ٨٩]. فقد تقدم قول المفسرين به وأن السحر هو سبب الصرف كما قاله الشنقيطي والسعدي، وبهذا يتضح عود أمثلة الوجه الرابع _ الجنون - إلى حقيقة السحر وهو الاستعانة بالشياطين، ومثال هذا الوجه - الصرف - يعود إلى الخداع؛ وكلاهما يدخل في المعنى الأصلي للسحر.
١ جامع البيان ١٥/ ١٢٠. معاني القرآن وإعرابه ٣/ ٢٤٣. معاني القرآن للنحاس ٤/ ١٦١. معالم التنزيل ص ٧٤٤. المحرر الوجيز ٣/ ٤٦١. الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٧٧. البحر المحيط ٧/ ٥٨. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ١٥١.
→ prev 461–462 / 979 next ←