651 · ص651
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} [البروج: ٤]. وتم التنبيه على قول ابن عباس أن (قُتِل) في القرآن بمعنى لعن، ومأخذه التفسير باللازم؛ لأن دعاء على الكافر بالقتل ومن لازم ذلك لعنه وهو طرده من رحمة الله
الوجه الثالث: الدفن للحي. ودل عليه قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام: ١٥١]. وشهد له حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - وقوله تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: ١٤٠]، وقوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء: ٣١]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القتل للحي دفنه.
الوجه الرابع: القصاص. ودل عليه قوله تعالى: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: ٣٣]، ومأخذه تفسير الشيء بسببه لأن من أسباب القتل القصاص.
وأما الوجوه التي هي:
- القتال. ففي قوله تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} [البقرة: ١٩١].
تقدم مناقشة أن الأولى عدم التفريق بينه وبين الوجه الأول؛ فيعود إليه.
- العلم. ففي قوله تعالى: {وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء: ١٥٧]، تقدم أن الصحيح في القتل أنه على بابه فيعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
- التعذيب. ففي قوله تعالى: {أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: ٦١]، فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر هذه الآية بالتعذيب، وأن الذي يذكره المفسرون أنه القتل وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
- الذبح. ففي قوله تعالى: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ} [الأعراف: ١٤١].
فقد تقدم أنني لم أقف على من فسر هذه الآية بالذبح، وتم نقل مايؤيد دخوله في الوجه الأول من قول ابن جرير. وبهذا يعود هذا المثال إلى الوجه الأول.
652 · ص652
المبحث الرابع: دراسة الكلمات القرآنية الواردة على تسعة أوجه. وفيه مطلبان:
المطلب الأول: دراسة وجوه كلمة البيت:
باب البيت:
قال ابن الجوزي:
«البيت: ما يأوي إليه الإنسان ليقيه الحر والبرد. وهو في تعارف أهل الأبنية أرض عليها دائر من البناء يظله سقف، وفي تعارف العرب وأصحاب الوبر دائر من صوف أو غير ذلك يظله سقف من جنسه. وقيل: سمي بيتاً لأنه يصلح للبيتوتة فيه. والبيات والتبييت أن يأتي العدو ليلاً. وبات فلان يفعل كذا إذا فعله ليلاً. كما يقال: بالنهار ظلّ. وبيَّت الرجل الأمر: إذا دبّره ليلاً. قال الشاعر:
أَتَوْني فلم أرضَ ما بَيَّتُوا ... وكانوا أتَوني بشيءٍ نُكُرْ ١
والبيوت: الأمر يبيت عليه صاحبه، مهتماً به، قال الهذلي ٢:
وأجْعَلُ قِفْرَتَها عُدَّةً ... إذا خِفْتُ بيُّوتَ أمْرٍ عُضالِ
وذكر بعض المفسرين أن بيت في القرآن على تسعة أوجه:
أحدها: المنزل المبني، ومنه قوله تعالى في النور: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور: ٢٧]، وفي التحريم: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ} [التحريم: ١١].
والثاني: المسجد، ومنه قوله تعالى في يونس: {أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: ٨٧].
١ البيت نسبه الخليل في العين ص ٩٦، لعبيد بن هلال ونسبه الزبيدي وابن منظور في اللسان وتاج العروس (نكر) إلى الأسود بن يعفر وتبعهما محقق النزهة، وهو في ديوانه ص ٦٧، ورواه المبرد في الكامل عن أبي عبيدة ص ٦٢٠
و ١٠٧٧، ووقفت عليه عند أبي عبيدة منسوبا لعبيدة بن همام أحد بني العدوية؛ مجاز القرآن ١/ ١٣٣، ومعناه: أن هؤلاء القوم اتفقوا فيما بينهم فأتوه وطلبوا إليه أمرا ينكره.
٢ هو أمية بن أبي عائذ الهذلي توفي سنة ٧٥ هـ (الشعر والشعراء ٢/ ٦٦٧). والبيت في ديوانه ٢/ ١٩٠.وهو بلفظ
(فِقْرَتَهَا) في مقاييس اللغة ص ١٤٦، والصحاح واللسان (بيت)، والمعنى: أنه يجعل رمحه عدة وبيت الأمر يبيت عليه صاحبه مهتما به.
وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ٩٦. مقاييس اللغة ١٤٦. ولسان العرب (بيت).