693 · ص693
الوجه السابع: الأمة. ودل عليه قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: ١٣٢]، ومأخذه تفسير الشيء بما يقاربه.
الوجه الثامن: القوم والعشيرة. ودل عليه قوله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} [النساء: ٣٥]، ومأخذه المعنى المشهور للفظ في اللغة؛ كما قال الراغب الأصفهاني.
الوجه التاسع: المستحق. ودل عليه قوله تعالى: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: ٥٦]، وتقدم الحكم على الحديث الذي ذكره ابن الجوزي وأنه لا يثبت، وأن الوجه صحيح، ومأخذه السياق القرآني.
وأما الوجه الذي هو: المستعدون للشيء. ففي قوله تعالى: {وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: ٢٦]. تقدم أنني لم أقف على من فسر الأهل هنا بالمستعدين للشيء، بل الذي يذكرونه صريح في الوجه الذي هو المستحق، وبهذا يعود هذا المثال للوجه الذي بعده.
المطلب الرابع: دراسة وجوه كلمة الثقل:
باب الثقل:
قال ابن الجوزي:
«الأصل في الثقل: الرزانة. وضده: الخفة.
والثقلان: الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقل للأرض، إذ كانت تحملهم أحياء وأمواتاً. قالت الخنساء ترثي أخاها:
أَبَعْدَ ابنِ عَمْرو من آل الشّرِيـ ... ـدِ حَلَّتْ به الأَرْضُ أَثْقالَها ١
وتعني بقولها حلت: من التحلية، أي: زانت به موتاها. ويقال: ارتحل القوم بثقلهم وثقلتهم، أي: بأمتعتهم كلها ٢.
١ البيت للخنساء في ديوانها ص ١٢٠. ومعناه: إِنما أَرادت حَلَّت به الأَرض موتاها أَي زَيَّنَتْهم بهذا الرجل الشريف الذي لا مِثْل له من الحِلْية.
والخنساء: تُماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد، الرياحية السّلَمية، من بني سُليم، من قيس غيلان، من مضر: أشهر شواعر العرب. من أهل نجد، عاشت أكثر عمرها في العهد الجاهلي، وأدركت الإسلام فأسلمت. ووفدت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومها بني سليم. وماتت سنة ٢٤ هـ (طبقات فحول الشعراء ١/ ٢١٠. الشعر والشعراء ١/ ٣٤٣).
٢ وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ١١٧. مقاييس اللغة ١٦٩. الصحاح (ثقل).
694 · ص694
وذكر بعض المفسرين أن الثقل في القرآن على عشرة أوجه:
أحدها: الرزانة. ومنه قوله تعالى في الأعراف: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا} [الأعراف: ٥٧]، وفيها: {فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا} [الأعراف: ١٨٩].
والثاني: الزاد والمتاع ومنه قوله تعالى في النحل: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: ٧].
والثالث: الكنوز ومنه قوله تعالى في الزلزلة: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة: ٢]، أي: كنوزها. وقال ابن قتيبة: موتاها ١.
والرابع: الشدة، ومنه قوله تعالى في هل أتى: {وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: ٢٧].
والخامس: الرجحان، ومنه قوله تعالى في الأعراف: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف: ٨]، وفي القارعة: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [القارعة: ٦].
والسادس: الأوزار، ومنه قوله تعالى في العنكبوت: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: ١٣].
والسابع: الركون إلى الدنيا، ومنه قوله تعالى في براءة: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ} [التوبة: ٣٨].
والثامن: الشيوخ، ومنه قوله تعالى في براءة: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: ٤١]، أراد شباناً وشيوخاً.
والتاسع: عظيم القدر، ومنه قوله تعالى في المزمل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل: ٥].
والعاشر: العالَم، ومنه قوله تعالى في سورة الرحمن: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ} [الرحمن: ٣١]، أراد عالم الإنس وعالم الجن» ٢.
١ ذكره في تفسير غريب القرآن ص ٤٦٥، وهو قول ابن عباس ومجاهد وابن جرير في جامع البيان ٣٠/ ١٣٣٥، ومال إليه ابن عطية فقال: «وليست القيامة موطنا لخراج الكنوز، وإنما كنوزها وقت الدجال».
٢ نزهة الأعين النواظر ص ٢٢٥.