129 · ص127 · ج1
المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ مَحَلِّ الشُّذوذِ:
المقصود بالدم الكثير: الدم الجاري في أصل خلقته؛ لأن الله تعالى شرط فى نجاسته أن يكون مسفوحًا، فقال تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} ١، وكنّى بالمسفوح عن الكثير الجاري ٢، أو الذي من شأنه أن يسيل ٣؛ فالقليل ليس من شأنه أن يسيل، قال ابن عبدالبر: (ومعنى المسفوح: الجاري الكثير) ٤.
فخرج بقيد المسفوحِ الجامدُ المنصوص عليه كالكبد و الطحال، و اليسيرُ كالذي بين اللحم وفي العروق، وهذا هو مفهوم هذه الآية {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا} قال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبَّع المسلمون من العروق ما تتبعتِ اليهود ٥، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا نُنْكره) ٦.
وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة:
١. فقد أجمع العلماء على طهارة الكبد والطحال ٧، وعلى طهارة
١ من الآية (١٤٥) من سورة الأنعام، قال ابن فارس: (السين والفاء والحاء أصل واحد يدل على إراقة شيء. يقال سفح الدم، إذا صبه. وسفح الدم: هراقه. والسِفَاح: صب الماء بلا عقد نكاح) مقاييس اللغة (٣/ ٨١).
٢ انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١/ ٣٣٩).
٣ انظر: دفع الإلباس للأقفهسي ص (١١٨)، قال: (المسفوح هو الذي يسيل كذا قال أكثرهم، والصواب أن المسفوح هو الذي من شأنه أن يسيل).
٤ الاستذكار (١/ ٢٣١)، وانظر: طلبة الطلبة ص (٩).
٥ أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٩٣).
٦ ذكره القرطبي بلا إسناد (٢/ ٢٢٢)، وروى الطبري بسنده نحوه (١٢/ ١٩٤).
٧ وممن نقل الإجماع ابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٤)، والقرطبي في تفسيره (٢/ ٢٢)، والنووي في المجموع (٢/ ٥٦٠).