← المكتبة ▭ 1 page
زوائد ابن الجوزي على مقاتل في الوجوه والنظائر
فهد بن إبراهيم الضالع علوم القرآن وأصول التفسير
A− A+
313 · ص313
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه، التفسير بالمثال، لأن العذاب مثال ونوع من أنواع الخزي. الوجه الرابع: القتل والجلاء. ومثل له ابن الجوزي بآيتين: الآية الأولى: قوله تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: ٨٥]. وقال به من المفسرين: ابن جرير، والزَّجَّاج، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبوحيان ١. الآية الثانية: قوله تعالى: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} [الحج: ٩]. وقال به من السلف: ابن جريج ٢. ومن المفسرين: ابن جرير، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان وابن كثير ٣. ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآيات، ومأخذه ٠ التفسير بالمثال، لأن القتل والجلاء، مثال ونوع من أنواع الخزي. تنبيه: بعد عرض هذه الوجوه ومن قال بها فإنه يحسن التنبيه إلى أمرين: الأول: أن هذه اللفظة يتنازعها مصدران في اللغة، فهي دائرة بين، من وقع في بَليَّة فيُذَل ويُحقر، وبين الحياء والانكسار؛ قال في القاموس: «خَزِيَ: كَرَضِيَ، خِزْياً، بالكسر، وخَزىً: وقَعَ في بَلِيَّةٍ وشُهْرَةٍ فَذَلَّ بذلك، كاخْزَوَى. وأخْزاهُ الله: فَضَحَهُ. ومن كلامِهِمْ لِمَنْ أتَى بِمُسْتَحْسَنٍ: مالَهُ أخْزاهُ الله، ورُبَّمَا حَذَفُوا مالَهُ. والخَزْيَةُ، ويُكْسَرُ: البَلِيَّةُ. وخَزِيَ أيضاً خَزَايَةً وخَزىً، بالقصر: اسْتَحْيا، والنَّعْتُ: خَزْيانُ» ٤.
١ جامع البيان ١/ ٥٢٧. معاني القرآن وإعرابه ١/ ١٦٧. الكشاف ١/ ١٨٨. المحرر الوجيز ١/ ١٧٥. البحر المحيط ١/ ٤٧٢. ٢ جامع البيان ١٧/ ١٥٦. ٣ جامع البيان ١٧/ ١٥٦. معالم التنزيل ص ٨٥٩. الكشاف ٣/ ١٤٧. المحرر الوجيز ٤/ ١٠٩. الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٣. البحر المحيط ٧/ ٤٨٨. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ٤١٤. ٤ القاموس المحيط مادة (خزي).
314 · ص314
وقد أبرز المفسرون هذا الفرق في المواضع التي تقدم عرضها، وممن جمع بين هذين ابن عطية إذ قال: «والخزي: الفضيحة المخجلة الهادمة لقدر المرء، خَزِيَ الرجل يخزى خِزْياً، إذا افتضح، وخَزَاية إذا استحيى، الفعل واحد، والمصدر مختلف» ١. الثاني: أن معنى الخزي واسع، ويدخل فيه كل شيء يعاقب لأجله أو يعاتب، فإن كان سببه عظيما فهو الفضيحةِ الهادمة لقدر المرء والعذاب والطرد والإذلال، وإن كان سببه أمراً طبيعياً فهو الجالب للحياء، وبهذا يتفق معنى المصدرين، ويتكامل. والخزي في جميع الوجوه السابقة، لم يخرج عن هذين المعنيين، غير أن السياق القرآني، وموضوع الآيات التي درج فيها الخزي، يتحدد من خلالها الوجه الذي أشار إليه ابن الجوزي، وإن كان الأكثر في القرآن وروده بمعنى الفضيحة والعقوبة ونحو ذلك من عبارات المفسرين كقول القرطبي رحمه الله عند قوله تعالى: «{رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران: ١٩٤] أي لا تعذبنا، ولا تهلكنا، ولا تفضحنا، ولا تهنا، ولا تبعدنا، ولا تمقتنا يوم القيامة» ٢ وقال أبو حيان عند قوله تعالى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [البقرة: ٨٥]، والخزي هنا، الفضيحة، والعقوبة، والقصاص فيمن قتل، أو ضرب الجزية غابر الدهر، أو قتل قريضة وإجلاء بني النظير من منازلهم، أو غلبة العدو، أقوال خمسة ولا يتأتى القول بالجزية ولا الجلاء إلا إن حملنا الآية على الذين كانوا معاصري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأولى أن يكون المراد، هو الذم العظيم، والتحقير البالغ من غير تخصيص» ٣. وبهذ ايتبين أن جميع الوجوه في هذا الباب، هي تفسير بالمثال للخزي، ويحدد نوعية المثال السياق الذي هو فيه.
١ المحرر الوجيز ١/ ٥٥٦. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٠٢. ٣ البحر المحيط ١/ ٤٧٢.
→ prev 313–314 / 979 next ←