639 · ص639
{وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} يعني زيادة؛ فإن كلمات الله لا تنفد، وفي هذا نص صريح على إثبات كلام الله - عز وجل - وكلمات الله - عز وجل - كونية وشرعية؛ أما الشرعية فهو ما أوحاه إلى رسله، وأما الكونية فهو ما قضى به قدَرَه {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: ٨٢]، وكل شيء بإرادته، إذا فهو يقول لكل شيءٍ {كُنْ فَيَكُونُ} ومن الكلمات الشرعية ما أوحاه - عز وجل - إلى من دون الرسل، كالكلمات التي أوحاها إلى آدم فإن آدم - عليه السلام - نبي وليس برسول، وقد أمره الله ونهاه، والأمر والنهي كلمات شرعية» ١. وهذا القول قد أشار إليه ابن الجوزي بعد ذكره للوجه.
وبهذا يكون هذا الوجه: صفة الكلام لله تعالى على ما يليق بجلاله، ويكون مأخذه وصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الخامس: الدين.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: ١١٥].
ولم أقف على من فسر الكلمات هنا بالدين، والذي يظهر من السياق أن المراد القرآن؛ قال تعالى: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [الأنعام: ١١٢ - ١١٤]، ثم قال: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام:
١١٥].
وقال به من السلف قتادة ٢.
وقال السعدي: «أي صدقا في الإخبار وعدلا في الأمر والنهي، فلا أصدق من أخبار الله التي
١ تفسير القرآن الكريم سورة الكهف ص ١٥٠. وللاستزادة من كلام أئمة أهل السنة على صفة الكلام ينظر: منهاج السنة ٣/ ٣٥٩. الفتاوى ١٧/ ١٥٧ لابن تيمية. معارج القبول ١/ ٢٤٧. تيسير الكريم الرحمن ص ٦٥١. المفسرون بين التأويل والإثبات في آيات الصفات للمغراوي، القسم الرابع ص ٣٨.
٢ جامع البيان ٨/ ١٤.
640 · ص640
أودعها هذا الكتاب العزيز ولا أعدل من أوامره ونواهيه» ١.
ومعنى كلام المفسرين يدل عليه؛ فقال ابن جرير: لا مغير لما أخبر عنه، وقال أبو حيان: لا مغير لأ قضيته ولا مبدل لكلمات القرآن ٢.
وقال ابن تيمية: «فإن الله تعالى يري عباده آياته في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القران حق فخبره صدق وأمره عدل {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} الأنعام: ١١٥]» ٣.
ويتبين مما تقدم عود هذين المثالين؛ للوجه الثالث وهو القرآن.
الوجه السادس: لا إله إلا اللَّه.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: ٤٠].
وقال به من السلف: ابن عباس ٤.
ومن المفسرين: الفرَّاء، وابن جرير، والبغوي، وابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وابن كثير ٥.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه التفسير بالمثال لأن لا إله إلا الله مثال من أمثلة كلمات الله تعالى الشرعية.
الوجه السابع: قوله " كن ".
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ} [النساء: ١٧١].
وقال به من السلف: قتادة ٦.
١ تيسير الكريم الرحمن ٢٧٠.
٢ جامع البيان ٨/ ١٤. البحر المحيط ٤/ ٦٢٩.
٣ منهاج السنة ٤٥٤٣.
٤ جامع البيان ١٠/ ١٣٧.
٥ معاني القرآن للفراء ١/ ٤٣٨. جامع البيان ١٠/ ١٣٧. معالم التنزيل ٥٦١. المحرر الوجيز ٣/ ٣٦. الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٩٥. البحر المحيط ٥/ ٤٢٢. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣/ ٣٩٢.
٦ تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم ٤/ ١١٢٣.