681 · ص681
وأبو حيان، وابن كثير ١.
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الآية، ومأخذه تفسير القرآن بالسنة.
الوجه السادس: شغل القلب.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} [الأحزاب: ٥٣].
ولم أقف على من خص الأذى بانشغال القلب، والأولى بقاؤه على عموم الأذى فيعود هذا المثال إلى الوجه العاشر.
ويشهد لمعنى الأذى حديث أنس بن مالك قال: «تزوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل بأهله .. جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم على نسائه، ثم رجع فلما رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه قال: فابتدروا الباب، فخرجوا كلهم وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أرخي الستر، ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزلت هذه الآية فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرأهن على الناس: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ} [الأحزاب: ٥٣] إلى آخر الآية.» ٢.
الوجه السابع: الشتم.
ومثل له ابن الجوزي بقوله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران: ١١١].
١ جامع البيان ٢٢/ ٦٤. معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٢٣٧. معاني القرآن للنحاس ٥/ ٣٨٠. معالم التنزيل ١٠٥٤. الكشاف ٣/ ٥٧٢. المحرر الوجيز ٤/ ٤٠١. الجامع لأحكام القرآن ١٤/ ١٦١. البحر المحيط ٨/ ٥٠٨. تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٥/ ٢٣٣.
٢ أخرجه مسلم ٢/ ١٠٥١ برقم ١٤٢٨.
682 · ص682
وقال بمعناه من المفسرين: الزَّجَّاج، والسمرقندي، والبغوي، والزَّمخشري، وابن عطية، وأبو حيان، وأبو السعود؛ قالوا: طعن وتهديد باللسان ١.
والأولى أن يكون هذا الوجه والذي بعده وجها واحدا؛ قال السمرقندي في تفسيره لهذه الآية: «يعني باللسان بالسب وغيره»، وقال ابن كثير في تفسيره لآية النساء في قوله تعالى:
{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء: ١٦]: «الشتم» فيلاحظ عدم تفريقهم بينهما ٢، وبهذا يعود هذا المثال للوجه الذي بعده.
الوجه الثامن: السب والتعيير.
ومثل له ابن الجوزي بآيتين:
الآية الأولى قوله تعالى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا} [آل عمران: ١٨٦].
ويشهد له حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركب على حمار على قطيفة فَدَكِية ٣، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة؛ فلما غشيت المجلس عَجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال لا تغبروا علينا فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه .. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم
١ معاني القرآن وإعرابه ١/ ٤٥٧. تفسير السمرقندي ١/ ٢٦٣. معالم التنزيل ص ٢٣٦. الكشاف ١/ ٤٢٩. المحرر الوجيز ١/ ٤٩. البحر المحيط ٣/ ٣٠٣. إرشاد العقل السليم ٢/ ٧١. وفي الآية قول آخر وهو: أذية المشركين لهم وإسماعهم كفرهم، وقولهم في عيسى وأمه، وعزير، ودعاؤهم المسلمين إلى الضلالة، وقال به من السلف: ابن عباس، وقتادة والربيع، والحسن. (جامع البيان ٤/ ٦١).
٢ ذكرهما أبو هلال العسكري في الفروق ص ٦٤؛ غير أن تفريقه لايدخل في الوجهين فجعل الشتم محدودا والسب مطنبا.
٣ والقطيفة دثار مخمل جمعها قطائف وقُطُف والفدكية: منسوبة إلى فدك بلدة معروفة على مرحلتين أو ثلاث من المدينة.
(شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/ ١٥٧).