71 · ص71
قالوا: الجزء البنات.
قال الزَّجَّاج:
{وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: ١٥].
يعني به الذين جعلوا الملائكة بنات الله، وقد أنشدني بعض أهل اللغة بيتاً يدل على أن معنى جزء معنى الإناث، ولا أدري البيت، قديم أم مصنوع، أنشدني:
إن أجْزَأتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عَجَبٌ ... قد تجزئ الحرةُ المذكارُ أحياناً
أي إن أنثت، ولدت أنثى» ١
ورد هذا القول من أهل اللغة أبو منصور الأزهري إذ يقول بعد نقله لكلام أبي إسحاق الزَّجَّاج:
«قلت: ولا أدري ما لجزء بمعنى الإناث، ولم أجده في شعر قديم، ولا رواه عن العرب الثقات، ولايعبأ بالبيت الذي ذكره لأنه مصنوع» ٢.
ورده أيضاً الزَّمخشري فقال:
«قالوا الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءاً له وبعضاً منه، كما يكون الولد بضعة من والده وجزءاً له. ومن بدع التفاسير: تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أنّ الجزء في لغة العرب: اسم للإناث، وماهو إلاكذب على العرب، ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتاً وبيتاً:
إن أجْزَأتْ حُرَّةٌ يوماً فلا عَجَبٌ
زُوِّجتُهَا من بَنَاتِ الأوس مُجْزِئَةً» ٣
١ معاني القرآن وإعرابه ٤/ ٤٠٦
٢ تهذيب اللغة ١١/ ٩٩، والأزهري: محمد بن أحمد بن الأزهر بن طلحة بن نوع، أبومنصور الأزهري اللغوي الهروي إمام جليل جمع فنون الأدب، أدرك الزجاج ونفطويه وابن دريد، وصنف في اللغة والتفسير وغيرهما؛ منه (معاني القراءات) مات سنة ٣٧٠ هـ وعمره ٨٨ (سير أعلام النبلاء ١٦/ ٣١٥. البلغة ١٨٦).
٣ الكشاف ٤/ ٢٤٥
72 · ص72
ومع رد أهل اللغة تفسير الجزء بالبنات؛ فإن التفسير السياقي للآية يصدقه ويثبته ومن طرق التفسير بالماثور تفسير القرآن بالقرآن؛ وقد قال الله تعالى في الآية بعدها مباشرة: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} الزخرف: ١٦]، وقال في النحل:
{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ} [النحل: ٥٧].
ويتبين مما تقدم صحة هذا الوجه في معنى الاية، ومأخذه السياق القرآني.
نتيجة الدراسة:
تحصل من تلك الدراسة صحة الوجهين وهما:
الوجه الأول: بعض الشيء. ودل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا} [البقرة: ٢٦٠].
الوجه الثاني: الولد. ودل عليه قوله تعالى: {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} [الزخرف: ١٥]، ومأخذه السياق القرآني، ومأخذ الوجهين السياق القرآني.
المطلب الثاني: دراسة وجوه كلمة الجناح:
باب الجناح
قال ابن الجوزي:
«الأصل في الجناح: أنه العضو الذي يطير به الطائر. قال ابن فارس: وسمي جناحا الطائر لميلهما في شقيه، ومنه يقال: جنح إذا مال، والجُناح: الإثم لميله عن طريق الحق ١.
وذكر أهل التفسير أن الجناح في القرآن على وجهين:
أحدهما: جناح الطائر. ومنه قوله تعالى في الأنعام: {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: ٣٨]، وفي فاطر:
{أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ} [فاطر: ١].
والثاني: الجانب ومنه قوله تعالى في الحجر: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: ٨٨]، وفي بني إسرائيل:
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} [الاسراء: ٢٤]، وفي الشعراء:
{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: ٢١٥]. ٢
١ وللاستزادة من اللغة ينظر: العين ١٥٨. مقاييس اللغة ٢٠٩. والمحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٨٧.
٢ نزهة الأعين النواظر ص ٢٣٠